إرث رام بوكساني: دروس في المرونة والخيال والإبداع
الدكتور رام بوكساني، رجل الأعمال الملهم، صاحب الرؤى، رئيس مجلس الإدارة، المؤسس والإنسان. بالنسبة لي، كان يحمل لقبًا أسمى: جدي، “نانا”.
في الثامن من يوليو 2025، تحل الذكرى السنوية الأولى لرحيل نانا. لا يسعني إلا أن أستذكره بالطريقة التي كان يفضلها، بالكلمات. لطالما جمعتنا هواية الكتابة. وبينما أخط هذه الكلمات، أتخيله بجانبي، بقلمه الأخضر الذي لا يفارقه، يصحح بابتسامة.
في أيام الجمعة والسبت التي كانت تمثل عطلة نهاية الأسبوع في دبي، كانت أمسيات الجمعة تحمل طابعًا خاصًا. كنت أنا وأختي الكبرى، جاهنفي، نزور منزل “نانا” و”ناني”، لنجده دائمًا منهمكًا في الكتابة على مكتبه بقلمه الأخضر المميز. كان يشرح لنا بحماس ما يكتبه، سواء كان خطابًا، مقالًا، أو مجرد خواطر، وكنا نصغي إليه بإعجاب. كلماته كانت تحمل عمقًا، وأفكاره تدعونا إلى التأمل.
كان “نانا” مؤرخًا وراويًا للقصص. من سيرته الذاتية الشهيرة “الطريق السريع” إلى مقالاته وخطاباته، وثّق رحلة دبي، ليس فقط بالحقائق، بل بروحه أيضًا. لقد أعطى صوتًا لمدينة بأكملها، ولجيل كامل.
ذات يوم، قلت له: “نانا، أريد أن أصبح كاتبة مثلك!” فأجابني دون تردد: “إذن، عليكِ أن تكتبي يا هيماكو”. هكذا كان، رجل يلهم الآخرين ويمكّننا نحن أحفاد بوكساني السبعة بطرق فريدة.
بتشجيعه، نشرت أول كتاب أطفال لي، “كلمات ثمينة“، في عام 2018. وفي العام التالي، حضرنا مهرجان الإمارات للآداب معًا، هو مع كتابه وأنا مع كتابي. عرفنا كثنائي أدبي يجمع بين الجد والحفيدة. لم أشعر بفخر أكبر من تلك الابتسامة التي جمعتنا. بعد رحيله، أدركت شيئًا هامًا: لا أحد يفقد جده حقًا. كلماته، قيمه، وحبه هي التي تشكل شخصيتنا. لتخليد إرثه، أود أن أشارككم ثلاثة مبادئ توجيهية علمني إياها، دروس أحملها معي كل يوم، مدونة في ثلاثة أحرف من اسمه:
ر – المرونة
الحياة لا تقدم ضمانات، بل إمكانيات وفرص. لا تفوتوها.
في الثامنة عشرة من عمره، غادر “نانا” الهند واستقل قاربًا إلى دبي، رغم خوفه من البحر وعدم إجادته السباحة. كان يحمل خمس روبيات، وعزيمة، وإيمان بأن شيئًا عظيمًا ينتظره.
كانت دبي آنذاك مختلفة تمامًا عما هي عليه اليوم. لا مطارات، لا كهرباء، ولا تكييف. مصابيح الكيروسين تضيء الأمسيات، وخبز النان يشارك مع الأصدقاء. لكن “نانا” لم يرَ النقص، بل رأى الإمكانات.
بالنسبة لي، المرونة ليست مجرد كلمة، بل أسلوب حياة “نانا”، في حديثه، عمله، وحياته. دائمًا إلى الأمام، وبكرامة.
أ – استخدم خيالك دائمًا
المنطق يمكن أن يأخذك من الألف إلى الياء، ولكن ما بعدها يحتاج إلى الخيال.
عندما كان جدي في الحادية والعشرين، طلب من صاحب العمل تجاوز مهامه المعتادة وجذب العملاء. لم يشجعه رؤساؤه، لكن جدي كان لديه رؤية. في ظهيرة هادئة، جمع العينات، وركب قاربًا صغيرًا عبر النهر، وحقق أول صفقة له: 125 دولارًا.
هذه اللحظة تعكس طريقة “نانا” في الحياة: فكر، ثق بنفسك، وحاول. عندما أرى ITL Cosmos، لا أرى مجرد شركة، بل تجسيدًا لخيال جدي.
م – اصنع، لا تقلد
القاعدة الذهبية التي اتبعتها دائمًا: لا تنافس أو تنسخ، بل ابتكر.
في سبعينيات القرن الماضي، مع ازدهار دبي، تمسكت معظم الشركات بمجالات مألوفة. بالنسبة لشركة ITL، كان ذلك المنسوجات. لكن رؤية “نانا” كانت تتجاوز التقليد إلى استشراف المستقبل.
بينما بقي الآخرون على مسارهم، قاد “نانا” شركة كوزموس للتحول إلى الإلكترونيات. لم يكن قرارًا سهلًا، لكنه كان وفيًا لإيمانه بالإبداع. وكما كان يقول دائمًا: “إذا تغيرت مع التغيير، نجحت. إذا أحدثت التغيير، فأنت قائد.”
وهذا يعني ذاكرة الوصول العشوائي (RAM).
بدأت رحلة جدي في دبي في الثامنة عشرة من عمره، بقارب وخمس روبيات وحلم تحت سماء ماطرة. كنت في الثامنة عشرة من عمري عندما توفي.
في حفل تخرجي، ضغط على يدي وابتسم: “العالم لك يا هيماكو”. شعرت أنه بقي ليراني أخطو خطواتي الأولى نحو الرشد. الآن، وأنا أنطلق نحو المستقبل، أحمل صوته، قيمه، وقوته معي دائمًا. أحبك يا “نانا”.
و أخيرا وليس آخرا
في ذكرى رحيل الدكتور رام بوكساني، نستذكر إرثًا من المرونة، الخيال، والإبداع. قصص نجاحه في دبي، بدءًا من بداياته المتواضعة، تُلهمنا اليوم. قيم “نانا” ستبقى نبراسًا يضيء دروبنا، محفورة في ذاكرتنا. هل سنتمكن من تطبيق هذه الدروس في حياتنا اليومية؟










