دمج أصحاب الهمم: رؤية الإمارات الطموحة نحو مجتمع دامج
تتخذ دولة الإمارات العربية المتحدة خطوات جادة نحو بناء مجتمع دامج بشكل كامل لأصحاب الهمم، مع تركيز كبير على مجالي التعليم والتوظيف، وذلك في إطار سعيها الدائم لتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص.
مع استضافة إمارة الشارقة للمؤتمر العالمي الثامن عشر لـ “نحن دمج 2025” التابع لمنظمة الإدماج الدولية، والذي يُقام للمرة الأولى في دولة الإمارات العربية المتحدة في الفترة من 15 إلى 17 سبتمبر، سلّط الخبراء الضوء على الأطر القانونية الشاملة والمبادرات الاستراتيجية التي تمهد الطريق نحو مزيد من الدمج والتمكين لهذه الفئة المهمة من المجتمع.
التعليم الشامل: حق مكفول
لقد وضعت دولة الإمارات العربية المتحدة إطارًا قانونيًا وسياسيًا متكاملًا يهدف إلى ضمان الحق في التعليم لجميع الأطفال، بغض النظر عن قدراتهم وإمكاناتهم. ويكفل القانون الاتحادي رقم 29 لسنة 2006 حق أصحاب الهمم في التعليم في مختلف المؤسسات التعليمية، بينما جاء القرار الوزاري رقم 647 لسنة 2020 ليؤكد التزام الدولة بالتعليم الشامل في المدارس الحكومية والخاصة على حد سواء.
رؤى حول التعليم الشامل
أوضحت دعاء محمد، المشرفة على وحدة التعليم الشامل في مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، أن التعليم الشامل لا يقتصر فقط على دمج الطلاب ذوي الإعاقة في الفصول الدراسية العادية، بل يتعدى ذلك ليشمل إحداث تحول جذري في النظام التعليمي بأكمله، ليصبح أكثر استجابة للاحتياجات المتنوعة لجميع المتعلمين. ويشمل ذلك تكييف المناهج الدراسية، وتعديل البيئة التعليمية، وتوفير الدعم اللازم لكل طفل لتحقيق النجاح والتميز.
تحديات وحلول
على الرغم من وجود إطار قانوني قوي، إلا أن تطبيق التعليم الشامل يواجه بعض التحديات، مثل تفاوت مستويات الاستعداد بين المدارس، والحاجة إلى موارد متخصصة، وأهمية التدريب المستمر للمعلمين.
ولمواجهة هذه التحديات، تبنت السلطات التعليمية في مختلف أنحاء دولة الإمارات العربية المتحدة مجموعة من الاستراتيجيات، بما في ذلك:
- تدريب المعلمين والتطوير المهني: تزويد المعلمين بالمهارات والمعرفة اللازمة لتطبيق التعليم المتباين، وتطوير برامج تعليمية فردية، والاستخدام الفعال للتكنولوجيا المساعدة.
- أنظمة الدعم متعددة المستويات: توفير دعم متواصل للطلاب، بدءًا من التدخلات العامة لجميع المتعلمين وصولًا إلى الدعم المستهدف والفردي لأولئك الذين لديهم احتياجات خاصة.
- إشراك أولياء الأمور والمجتمع: تعزيز الشراكات القوية مع الأسر والمجتمع الأوسع لخلق بيئة داعمة للتعليم الشامل.
رؤية مستقبلية طموحة
تتمحور الرؤية المستقبلية لدولة الإمارات العربية المتحدة حول تجاوز مجرد الامتثال للقوانين واللوائح، والتركيز على قياس الأثر الحقيقي للتعليم الشامل على حياة الطلاب من أصحاب الهمم.
وترى دعاء محمد أن الهدف الأسمى هو أن يحصل كل طفل من أصحاب الهمم ليس فقط على التعليم، بل أن يزدهر أيضًا في حياته ما بعد المدرسة، سواء في التعليم العالي أو في مكان العمل. وهذا يتطلب التزامًا مستمرًا بالابتكار والتعاون والتركيز الدؤوب على الجودة والمساواة.
التوظيف الشامل: خطوة نحو الاستقلالية
استكمالًا للجهود المبذولة في مجال التعليم، تخطو دولة الإمارات العربية المتحدة خطوات واسعة أيضًا في تعزيز التوظيف الشامل لأصحاب الهمم، إيمانًا منها بأهمية دمجهم في سوق العمل وتمكينهم اقتصاديًا.
دور مركز مسارات
يعد مركز مسارات للتطوير والتمكين، التابع لمدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، في طليعة هذه الجهود، حيث يعمل على سد الفجوة بين الباحثين عن عمل من أصحاب الهمم وأصحاب العمل في مختلف القطاعات.
وأوضح محمد عبد الرضا حسين الشلواني، رئيس قسم التوظيف في مركز مسارات، أن هدف المركز هو تمكين أصحاب الهمم من تحقيق الاستقلال الاقتصادي والمساهمة بفاعلية في المجتمع. ويقوم المركز بذلك من خلال توفير مجموعة شاملة من الخدمات، بدءًا من التدريب المهني والتوجيه الوظيفي وصولًا إلى التوظيف والدعم المستمر.
إنجازات ملموسة
لقد حقق مركز مسارات نجاحًا ملحوظًا في هذا المجال، حيث تمكن من توظيف أكثر من 360 فردًا من أصحاب الهمم في وظائف متنوعة في مختلف أنحاء إمارة الشارقة ودولة الإمارات العربية المتحدة بشكل عام. ويعكس هذا النجاح النهج الشامل الذي يتبعه المركز، والذي يتضمن:
- إشراك أصحاب العمل: العمل عن كثب مع أصحاب العمل لزيادة الوعي بقضايا الإعاقة، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وإنشاء أماكن عمل أكثر شمولًا وملاءمة.
- برامج تدريب مصممة خصيصًا: تزويد الباحثين عن عمل بالمهارات والمؤهلات المحددة التي يحتاجونها للنجاح في سوق العمل الحديث.
- دعم مستمر: توفير الدعم المستمر لكل من الموظفين وأصحاب العمل لضمان النجاح على المدى الطويل، بما في ذلك توفير التسهيلات اللازمة في مكان العمل، والتوجيه والإرشاد، وفرص التطوير المهني.
دعوة إلى التعاون
أكد محمد عبد الرضا حسين الشلواني على أهمية استمرار التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص لتعزيز قضية التوظيف الشامل. وأشار إلى وجود اهتمام متزايد من جانب أصحاب العمل بتوظيف أصحاب الهمم، مؤكدًا التزام المركز بالبناء على هذا الزخم الإيجابي. وأضاف أنه من خلال العمل المشترك، يمكن خلق سوق عمل تتاح فيه للجميع الفرصة لتحقيق إمكاناتهم الكاملة.
التحول الرقمي لخدمة أصحاب الهمم
تماشيًا مع أجندة التحول الرقمي الأوسع في دولة الإمارات العربية المتحدة، يجري حاليًا تحديث كل من خدمات التعليم والتوظيف المقدمة لأصحاب الهمم، وذلك بهدف تسهيل الوصول إليها وتحسين جودتها.
وفي هذا السياق، ينتقل مركز مسارات حاليًا إلى استخدام أنظمة ذكية وآلية، مما يسهل على الباحثين عن عمل من أصحاب الهمم الوصول إلى الخدمات التي يقدمها المركز دون الحاجة إلى زيارات مكتبية متكررة أو إجراءات بيروقراطية تقليدية.
وأوضح الشلواني أن هذا التحول الرقمي لا يقتصر على تحقيق الكفاءة، بل يهدف أيضًا إلى تعزيز كرامة أصحاب الهمم وتمكينهم. وأضاف أنه عندما يتمكن الأفراد من الوصول إلى الخدمات التي يحتاجونها بسهولة واستقلالية، فإن ذلك يعزز شعورهم بالقدرة على التحكم في حياتهم وتقدير الذات.
نموذج إماراتي رائد
يُعتبر النهج الشامل الذي تتبعه دولة الإمارات العربية المتحدة في مجالي التعليم والتوظيف الخاصين بأصحاب الهمم نموذجًا يحتذى به على مستوى المنطقة وخارجها. فمن خلال الجمع بين الأطر القانونية القوية والاستراتيجيات العملية الفعالة، تثبت الدولة أن الدمج الحقيقي ليس ممكنًا فحسب، بل هو مفيد للمجتمع بأسره.
واختتمت دعاء محمد حديثها بالتأكيد على أنه عندما نخلق بيئات شاملة، فإن الجميع يستفيد. فالطلاب من غير أصحاب الهمم يتعلمون التعاطف والقبول، بينما يكتشف أصحاب العمل الذين يوظفون أصحاب الهمم أن هؤلاء الموظفين يجلبون وجهات نظر فريدة، وأخلاقيات عمل قوية، ومستويات عالية من الولاء والانتماء.
و أخيرا وليس آخرا، إن جهود دولة الإمارات العربية المتحدة في دمج أصحاب الهمم تعكس رؤية طموحة تسعى إلى بناء مجتمع أكثر عدلاً ومساواة، مجتمع يقدر التنوع ويحتضن الجميع. فهل ستتمكن الدولة من تحقيق هذا الهدف الطموح بالكامل؟ وهل ستتمكن الدول الأخرى من الاقتداء بالنموذج الإماراتي الرائد في هذا المجال؟










