الذكاء الاصطناعي وسوق العمل الإماراتي: فرص وتحديات للخريجين الجدد
في ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، الذي بات يتولى أتمتة العديد من المهام الأساسية، يواجه الخريجون الجدد تحدياً ملحاً يتمثل في ضرورة الارتقاء بمهاراتهم ومعارفهم إلى مستويات متقدمة. وفي حين يشهد توظيف المبتدئين نمواً في الإمارات العربية المتحدة، يجد الشباب صعوبة متزايدة في الحصول على فرص عمل، وذلك بسبب التوسع في استخدام حلول الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل ChatGPT.
ووفقًا لبيانات “LinkedIn Economic Graph” الصادرة في أبريل 2025، سجل توظيف الخريجين الجدد في الإمارات ارتفاعاً ملحوظاً بنسبة 70%، وهو ما يتجاوز بكثير المعدل العام للتوظيف في الدولة. هذا النمو يأتي في وقت يشهد فيه التوظيف تراجعًا في مناطق أخرى مثل أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ما يعكس اهتمام الإمارات المتزايد بالاستثمار في توظيف الكفاءات الشابة.
في المقابل، تشير دراسة أجراها موقع “Adzuna” للبحث عن الوظائف إلى انخفاض فرص العمل المتاحة للمبتدئين بنحو الثلث منذ إطلاق ChatGPT في نوفمبر 2022.
الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل سوق العمل
مع تزايد أتمتة الوظائف الأساسية بواسطة الذكاء الاصطناعي، يجد الخريجون الجدد أنفسهم في موقف يتطلب تطوير قدراتهم بشكل مستمر. فالمهام التي كانت في السابق من مسؤولية المساعدين القانونيين أو موظفي خدمة العملاء المبتدئين، أصبحت تُنجز الآن بكفاءة عالية بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي في وقت قياسي.
وعلى المستوى العالمي، ارتفع معدل البطالة بين الخريجين الجدد بنسبة 30% منذ أواخر عام 2022، مقارنة بزيادة قدرها 18% في القوى العاملة بشكل عام. ومع ذلك، يبدو أن السياسات الاستباقية التي تتبناها الإمارات في مجال العمل، والتزامها بتطوير قدرات القوى العاملة، يسهمان في تخفيف هذه الآثار السلبية، وفقًا لما ذكرته نجاة عبد الهادي، الخبيرة المهنية في LinkedIn.
الإمارات نموذجاً رائداً في مواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي
التحدي الأكبر اليوم يكمن في ضمان أن يؤدي هذا الزخم إلى بناء مهارات بشرية مستدامة، تلبي احتياجات سوق العمل المتغيرة، مثل التفكير الإبداعي، وحل المشكلات الاستراتيجية، والتعاون بين مختلف التخصصات. وبهذا، يمكن لدولة الإمارات أن تصبح نموذجاً يحتذى به في كيفية التعامل مع التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، دون إقصاء الجيل القادم من الكفاءات الشابة، حسبما أوضحت نجاة.
من جانبه، أكد مايانك باتل، نائب الرئيس الأول لشركة Adecco، أن سوق العمل الإماراتي لا يزال يحمل الكثير من الفرص للمبتدئين، على الرغم من التغيرات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي والأتمتة، بما في ذلك أدوات مثل ChatGPT، في بعض الوظائف على مستوى العالم.
وأشار باتل إلى أن التنويع الاقتصادي، والمشاريع العمرانية الضخمة، والنمو الذي تشهده قطاعات مثل اللوجستيات والضيافة والتجزئة، ساهم في الحفاظ على مرونة الأدوار المبتدئة في مجالات التشغيل والخدمات. ولا تزال وظائف مثل مساعدي المستودعات، وموظفي الاستقبال، ومندوبي المبيعات تشهد طلباً متزايداً.
وأضاف أن العديد من وظائف الدعم تشهد تطوراً وتحسناً، بدلاً من الإلغاء. فالمهام التي كانت تُنفذ يدوياً في السابق، يتم تعزيزها الآن بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي، مما يتيح للعاملين تحسين مهاراتهم والتركيز على أنشطة أكثر استراتيجية.
تحديات الخريجين الجدد ومهارات المستقبل
أشارت نجاة عبد الهادي إلى أن المهام الأساسية التي كان يقوم بها الموظفون المبتدئون، مثل البرمجة الأساسية، ومراجعة المستندات، وخدمة العملاء، يتم أتمتتها بشكل متزايد، مما يثير تساؤلات حول التطور الوظيفي للخريجين الجدد على المدى الطويل.
وتشير بيانات LinkedIn إلى أن 96% من مهارات مهندس البرمجيات، على سبيل المثال، يمكن أن تتكرر بواسطة الذكاء الاصطناعي التوليدي، وفقاً لتحليل شمل أكثر من 500 مهارة يُحتمل أن تتأثر بهذه التقنية.
تحول في هيكلة فرص العمل والتركيز على القدرات
أوضح مايانك باتل أن سوق العمل يشهد تحولاً في هيكلة فرص العمل المتاحة للخريجين الجدد، بدلاً من مجرد انخفاض في عدد هذه الفرص.
وأكد أن برامج الخريجين والتدريب التقليدية يتم تطويرها لتلبية المتطلبات الجديدة لسوق العمل، وخاصة فيما يتعلق بالمعرفة الرقمية والقدرة على التكيف.
وأضاف أن العديد من الشركات، وخاصة في الإمارات، تستثمر بشكل متزايد في برامج تهدف إلى تزويد الكفاءات الشابة بالمهارات اللازمة لمواكبة التطورات المستقبلية في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، وتحليل البيانات، وبيئات العمل الهجينة.
وأشار إلى أن الشركات الإماراتية تتبنى مبادرات لتطوير مهارات الشباب، وخاصة أولئك الذين لا يحملون شهادات جامعية رسمية. ويتم التركيز على القدرات والمهارات، بدلاً من الشهادات، من خلال توفير برامج للتعلم المصغر، والتدريب المهني، والتنقل الوظيفي، التي تؤهلهم لمتطلبات سوق العمل المتغيرة.
الأدوار الوظيفية الأكثر تأثراً والتعاون بين الإنسان والآلة
أوضح نائب الرئيس الأول في Adecco أن ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل ChatGPT، أثر بشكل خاص على الأدوار الوظيفية التي تتطلب محتوى كثيفاً، وتتضمن مستويات عالية من معالجة المعلومات والتواصل، مثل وكلاء دعم العملاء ومكاتب المساعدة، وكتاب المحتوى، ومشغلي إدخال البيانات.
وأكد أنه بدلاً من إزاحة هذه الأدوار بالكامل، يقوم الذكاء الاصطناعي بأتمتة المهام المتكررة، مما يتيح للمحترفين التركيز بشكل أكبر على التفكير النقدي، والإبداع، والتفاعل البشري، مشيراً إلى أن التعاون بين الإنسان والآلة هو القاعدة الجديدة في سوق العمل.
و أخيرا وليس آخرا
في ختام هذا التحليل، نجد أن سوق العمل في الإمارات يواجه تحولات كبيرة نتيجة لتطور الذكاء الاصطناعي. ومع أن هناك تحديات تواجه الخريجين الجدد، إلا أن الفرص لا تزال متاحة، خاصة في ظل الاستثمارات الحكومية في تطوير المهارات والتركيز على القدرات الرقمية. يبقى السؤال مفتوحاً حول كيفية استثمار هذه الفرص وتطوير المهارات المطلوبة لمواكبة مستقبل العمل؟










