صحة القلب في الإمارات: اتجاه مقلق يصيب الشباب
تشير الإحصائيات إلى أن ما يقرب من نصف مرضى النوبات القلبية الذين يتلقون العلاج في شبكة الرعاية الصحية في دولة الإمارات العربية المتحدة هم دون سن الخمسين، وهو ما يسلط الضوء على اتجاه مقلق يتمثل في إصابة السكان الأصغر سنا بمشاكل خطيرة في القلب والأوعية الدموية.
ومع احتفال العالم باليوم العالمي للقلب، سلط الخبراء الطبيون في دولة الإمارات العربية المتحدة الضوء على الحاجة الملحة إلى معالجة المخاوف المتزايدة بشأن صحة القلب.
وتشير الدراسات السريرية إلى أن سكان المنطقة يُصابون بأمراض القلب قبل المتوسط العالمي بخمسة عشر عامًا، وقد انخفض متوسط عمر الإصابة بالنوبة القلبية الأولى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا بمقدار 5 إلى 10 سنوات.
قصة مريض تثير القلق
في الأسبوع الماضي، وصل شاب إماراتي يبلغ من العمر 35 عامًا إلى مستشفى في دبي يشكو من ألم في منطقة خلف القص وفوق المعدة. وروى تجربته لـ “المجد الإماراتية”، قائلاً: “زرتُ قسم الطوارئ في مستشفى بعد أن شعرتُ بألم شديد في منطقة البطن والأضلاع”.
أجرى له طاقم المستشفى فحوصات حيوية روتينية، بما في ذلك تخطيط كهربية القلب وفحوصات الدم، لكنهم لم يتمكنوا من اكتشاف أي مؤشرات لمشكلة كبيرة في تدفق الدم في القلب خلال فترة وجوده في غرفة الطوارئ.
أُحيل لاحقًا إلى عيادة القلب، حيث أوصى الأطباء بإجراء اختبار “مستكشف القلب“. وقال: “صُدمتُ في البداية عندما علمتُ أنني مُعرَّض لخطر متوسط للإصابة بأمراض القلب بعد إجراء اختبار مستكشف القلب، إذ لم أتوقع تلقي مثل هذا التشخيص في هذه السن المبكرة”. وأضاف أنه تلقى العلاج على يد الدكتور براجيش ميتال، رئيس قسم أمراض القلب في مستشفى الصفا.
وأشار المريض إلى أنه غير مدخن وغير مصاب بالسكري، لكنه لا يزال يحمل عوامل خطر كبيرة كالسمنة، وخلل شحميات الدم (انخفاض مستوى الكوليسترول الجيد)، والتاريخ العائلي لأمراض القلب والسكري.
وأضاف: “لم تعد صحة القلب حكرًا على كبار السن في الوقت الحاضر. فنظرًا لتزايد عوامل خطر الإصابة بأمراض القلب بين الشباب، من الضروري تبني استراتيجية استباقية للرصد والكشف المبكر لضمان حياة أطول وأكثر صحة”.
بيانات تكشف عن اتجاه مقلق
أكد الدكتور غسان نكد، أخصائي أمراض القلب التداخلية في مستشفى ميدكير الصفا، على أهمية التشخيصات المتقدمة. وقال: “ما يميز هذا الاختبار هو بساطته وأمانه وقيمته السريرية المثبتة. فهو يتجنب الإجراءات الجراحية والتعرض للإشعاع، مع توفير رؤى دقيقة وقابلة للتطبيق”.
وأضاف: “بالنسبة للمرضى الذين يعانون من عوامل خطر معروفة، مثل ارتفاع ضغط الدم، وداء السكري، أو تاريخ عائلي لأمراض القلب والأوعية الدموية، فهو يوفر لهم راحة البال أو فرصة مبكرة للتدخل”.
ووفقًا للدكتور نكد، تُظهر البيانات العالمية أن الشباب يُشكلون ما بين 10% و30% من حالات دخول المستشفى بسبب النوبات القلبية، وذلك بحسب المنطقة. وأضاف: “في مستشفياتنا، وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، لاحظنا أن حوالي 50% من مرضى القلب لدينا تقل أعمارهم عن 50 عامًا”.
في العام الماضي، من بين 11,631 مريضًا زاروا أقسام أمراض القلب الخارجية التابعة لشبكة ميدكير، كان 9,817 منهم في سن 45 عامًا أو أقل. وقد اشتبه في إصابة 30% من هؤلاء المرضى الأصغر سنًا بأمراض قلبية، مما أدى إلى إجراء فحوصات دقيقة، وشُخِّص حوالي 3% منهم بمشاكل قلبية خطيرة تتطلب علاجات إضافية.
ومن المثير للصدمة أن هذه النسبة قريبة من نسبة المرضى الأكبر سنًا، حيث خضع 46% منهم لفحوصات دقيقة، واحتاج حوالي 5% منهم إلى علاج. ويستنتج الدكتور نكد: “للأسف، يلحق الشباب بكبار السن في الأمراض المرتبطة بالعمر، حيث تبدأ مشاكل القلب مبكرًا”.
وأشار أيضًا إلى أن التقارير العالمية تُظهر انخفاض متوسط عمر الإصابة بالنوبة القلبية الأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب آسيا بمقدار 5-10 سنوات، مضيفًا: “يُصاب سكان الإمارات، في المتوسط، بمرض الشريان التاجي قبل 15 عامًا من سكان الدول الأخرى”.
الأسباب الشائعة وراء تزايد أمراض القلب
أعرب الأطباء عن قلقهم إزاء هذا الاتجاه، مع وجود حالات من السكتة القلبية حتى بين المرضى الذين تقل أعمارهم عن 35 عامًا، ويشيرون إلى أن نمط الحياة هو المساهم الرئيسي.
يقول الدكتور جورجي توماس، استشاري أمراض القلب التداخلية في مستشفى برجيل: “يعتقد الكثير من الشباب أنهم محصنون ضد أمراض القلب. ولكن في عالمنا المتسارع، تُلقي أنماط حياتنا بظلالها علينا. فنحن نتنقل باستمرار، ونتناول الطعام بسرعة، ونطلب الطعام عبر الإنترنت، ونحمل أعمالنا إلى المنزل، ونواجه ضغوطًا في المكتب والمنزل على حد سواء”.
وأضاف: “إذا أضفنا الكحول والتدخين وقلة النوم وقلة التمارين الرياضية أو انعدامها، فإن الجسم لا يستطيع أن يتحمل الكثير، وفي مرحلة ما، سوف ينكسر؛ ولهذا السبب فإن الحفاظ على التوازن الصحي بين العمل والحياة وإعطاء الأولوية للعناية الذاتية أمر بالغ الأهمية، وخاصة بالنسبة للأجيال الشابة”.
أكد الدكتور ياسر برفيز، أخصائي أمراض القلب التداخلية في مستشفى الإمارات جميرا، هذا التحذير قائلاً: “هناك أسباب عديدة وراء أمراض القلب والأوعية الدموية. بعضها، مثل العوامل الوراثية، لا يمكن تغييره. عدد كبير من المرضى هنا من منطقة جنوب آسيا، حيث ترتفع معدلات الإصابة بأمراض القلب بالفعل. ولكن هناك أيضًا عوامل قابلة للتغيير مثل العادات الغذائية السيئة، والسمنة، والوظائف الشاقة، وضغوط البيئة التنافسية”.
وأضاف: “يُفاقم نمط الحياة الخامل، إلى جانب التدخين والتدخين الإلكتروني، من خطر الإصابة. علاوة على ذلك، تنتشر أمراض مثل داء السكري وارتفاع ضغط الدم وارتفاع الكوليسترول في الشرق الأوسط. وتؤدي هذه العوامل مجتمعةً إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالنوبات القلبية في المنطقة”.
دور الذكاء الاصطناعي في إنقاذ الأرواح
لمواجهة هذا التوجه المُقلق، تُقدّم المستشفيات الآن أدوات تشخيصية مُدعّمة بالذكاء الاصطناعي. أطلق مستشفى ميدكير الصفا مؤخرًا برنامج Cardio Explorer، وهو خوارزمية ذكاء اصطناعي مُطوّرة في أوروبا، حاصلة على شهادة CE، وقادرة على التنبؤ ببداية أمراض القلب والأوعية الدموية بدقة تزيد عن 95%.
يحلل هذا الاختبار مجموعة من المؤشرات الحيوية في الدم، والمعايير السريرية كالعمر وضغط الدم، وعوامل الخطر الشخصية. بعد سحب عينة دم بسيطة وتسجيل المقاييس الرئيسية، تُسلم النتائج خلال 48-72 ساعة، ويراجعها طبيب قلب.
وبخلاف الاختبارات الباضعة، يُقدّم جهاز Cardio Explorer تقييمًا شخصيًا لمخاطر القلب دون التعرض للإشعاع أو بذل مجهود بدني. وهذا يجعله مفيدًا بشكل خاص للمرضى الذين يعانون من أمراض مثل داء السكري، وارتفاع ضغط الدم، أو من لديهم تاريخ عائلي لأمراض القلب والأوعية الدموية، بالإضافة إلى غير القادرين على الخضوع لاختبارات الإجهاد أو التصوير التقليدية.
ويؤكد الأطباء أن التكنولوجيا تسمح لهم بالتدخل في وقت مبكر للغاية، وغالباً قبل ظهور الأعراض الأولى، مما يمنح المرضى فرصة لاتخاذ خطوات وقائية وتجنب المضاعفات التي تهدد الحياة.
وأخيرا وليس آخرا
تسلط هذه المقالة الضوء على اتجاه مقلق في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تزداد حالات الإصابة بأمراض القلب بين الشباب. وتستعرض الأسباب المحتملة لهذا الارتفاع، بما في ذلك عوامل نمط الحياة والوراثة، وتستعرض التقنيات الحديثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي يمكن أن تساعد في الكشف المبكر والوقاية. فهل ستساهم هذه الجهود في تغيير هذا المسار؟ وهل سيتمكن الشباب من تبني نمط حياة صحي يقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب؟







