نحو مستقبل مستدام: مركز دبي المالي العالمي نموذجاً يحتذى به
في قلب دبي، يشمخ مركز دبي المالي العالمي (ICD Brookfield Place) كرمز لالتزام الإمارة الراسخ بالاستدامة والابتكار. هذا الصرح المعماري ليس مجرد تحفة فنية، بل هو أطول وأكبر مبنى يحمل شهادة LEED البلاتينية في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، مما يجعله نموذجاً رائداً للعقارات التجارية الطموحة التي تسعى جاهدة لتحقيق الحياد الكربوني. كيف استطاع هذا المبنى تحقيق هذا الإنجاز المذهل، وما الدروس المستفادة من هذه التجربة؟
رحلة طموحة نحو الحياد الكربوني
كيف يمكن للمباني الشاهقة أن تصبح صديقة للبيئة؟ ما هي المتطلبات اللازمة لجعل مبنى عملاق يتنفس بسهولة، وكأنه لمسة رقيقة في سماء تعج بالخرسانة والفولاذ؟
في ICD Brookfield Place، الذي يُعد عنواناً بارزاً لنمط الحياة والأعمال في دبي، يتطلب الأمر عزيمة قوية مدعومة بالبيانات، وتصميماً قائماً على الابتكار، ورؤية تتجاوز الواجهة الزجاجية اللامعة التي تتلألأ كمنارة في مركز دبي المالي العالمي. هذا يعني إعادة النظر في طريقة تدفق الطاقة، وكيفية تفاعل المستأجرين مع المساحات، وكيفية اختيار المواد، وإعادة استخدامها، أو التخلص منها بشكل مستدام.
من خلال تقليل الاعتماد على تبريد المناطق والكهرباء، واعتماد التوأم الرقمي الذكي لتحليل استهلاك الطاقة، يعمل ICD Brookfield Place باستمرار على تقليل الفاقد، وتحسين العمليات، وتخفيف البصمة الكربونية. كل مستشعر، وكل تدقيق، وكل تعديل في تدفق الهواء يمثل مساهمة صامتة في تحقيق التزام مناخي أوسع نطاقاً، يهدف إلى تحقيق صافي انبعاثات كربونية صفرية بحلول عام 2030 وصافي انبعاثات كربونية صفرية على مدار العمر التشغيلي للمبنى بحلول عام 2050.
إن جعل المبنى “يتنفس بسهولة” لا يقتصر فقط على خفض الانبعاثات، بل يتعلق أيضاً بأن نكون قدوة حسنة في منطقة مستعدة للتحول. يتعلق الأمر بإظهار أن العقارات التجارية يمكن أن تكون طموحة ومسؤولة في آن واحد، دون التضحية بميزاتها المعمارية أو التجارية. وتجسيداً لهذه المُثُل والأهداف البيئية السامية، أصدر ICD Brookfield Place تقريره الأول عن مسار صافي الانبعاثات الكربونية الصفرية، للإعلان عن جهوده في مجال الاستدامة وإظهار المساءلة عن تأثيره المناخي.
الالتزام بالشفافية والمساءلة: تقرير مسار الحياد الكربوني
هيثم إبراهيم، رئيس قسم الاستدامة في ICD Brookfield Place، أوضح أن التقرير يهدف إلى توفير رؤية أوضح لأهدافهم، وإجراءاتهم، وأدائهم، وذلك لشرح الجهود المبذولة في هذا العقار الذي يمتد على مساحة أربعة أفدنة في قلب المنطقة التجارية في دبي، والتزامه الجاد بتحقيق أهدافه. وأضاف، إدراكاً للطبيعة المتطورة للإفصاح عن المناخ في المنطقة، فقد أدركوا الحاجة إلى وضع معيار يستند إلى البيانات والتقدم القابل للقياس.
من الأهمية بمكان أن يعرف جميع أصحاب المصلحة إلى أين تتجه الوعود التي قطعتها الشركات الكبرى في مجال تقليل انبعاثات الكربون، وإلى أي اتجاه سيوجهون الكوكب. ويؤكد إبراهيم أن الوصول إلى صافي انبعاثات كربونية صفرية يتطلب الاتساق والشفافية والمسؤولية المشتركة، وهذا هو النهج الذي اتبعوه. وأشار إلى أنهم ملتزمون بتعهد المجلس العالمي للأبنية الخضراء بإنشاء مبانٍ خالية من الانبعاثات الكربونية الصفرية، والذي يوفر إطاراً واضحاً. وهذا يعني أنهم وافقوا على خطة واضحة لتقليل بصمتهم الكربونية في مجالين رئيسيين: الانبعاثات المباشرة من عملياتهم (المعروفة باسم النطاق 1) والانبعاثات الناتجة عن الطاقة التي يشترونها (النطاق 2).
لمعالجة هذه المشكلات، يوضح إبراهيم أن استراتيجيتهم تقوم على خفض الانبعاثات من المصدر، وذلك من خلال تحسين كفاءة الطاقة في جميع أنحاء المبنى، وتحديث الأنظمة عند الحاجة، والتحول إلى الطاقة المتجددة كلما أمكن ذلك. ويضيف أنهم لن يفكروا في استخدام تعويضات الكربون إلا إذا قصرت هذه الإجراءات، وحتى في هذه الحالة، سيختارون فقط تلك التي تستوفي أعلى المعايير.
أما بالنسبة لانبعاثات النطاق 3، التي تأتي بشكل غير مباشر من خلال الأشخاص الذين يعملون معهم، مثل المستأجرين والموردين، فهم يعتقدون أن التغيير يحدث بشكل أفضل من خلال التعاون. لذلك، يعملون عن كثب مع الجميع في شبكتهم لتشجيع الإجراءات المتوافقة، بهدف تحقيق تأثير أكبر ومشترك.
حقيقة أن العديد من الشركات والمؤسسات التي تقدم وعوداً كبيرة تفشل في الوفاء بها لا تثبط عزيمة ICD Brookfield Place. ويؤكد إبراهيم أن فرقهم الماهرة هي التي تدفع هذا التقدم، وتحول الخطط إلى نتائج قابلة للقياس.
نهج منظم وبيانات دقيقة: سر النجاح
يؤكد إبراهيم أن الناس بحاجة إلى خطط عمل ثابتة، وهذا يتطلب نهجاً منظماً يتضمن خطوات دقيقة، تتطلب كل منها خبرة متخصصة. ويشير إلى أنهم قاموا بإشراك مستشارين معترف بهم عالمياً في كل خطوة من العملية لإجراء دراسات متعمقة، مما ساعدهم في تحديد المسار الأكثر فعالية وقابلية للتحقيق لتحقيق أهدافهم المتعلقة بالاستدامة. ويضيف أن خبرة هؤلاء المستشارين كانت أساسية في تشكيل خرائط طريقهم التفصيلية نحو الحياد الكربوني الصفري، والتي حددت خيارات مختلفة مدعومة بإجراءات محددة وجداول زمنية وميزانيات وتقييمات للمخاطر.
بالإضافة إلى ذلك، ساعد المستشارون في وضع أهداف مؤقتة تتوافق مع علوم المناخ، مما يوفر هيكلاً موثوقاً به لقياس التقدم نحو أهدافهم لعام 2030. كما لعب الخبراء التقنيون دوراً رئيسياً في تنفيذ أنظمة إدارة الكربون المعقدة التي تسمح لهم بمراقبة وتتبع والتحكم في الانبعاثات في الوقت الفعلي بدقة وشفافية.
من خلال تحقيق انخفاض بنسبة 16% في الطلب على التبريد وانخفاض بنسبة 7% في استهلاك الطاقة في عام 2024، لم يتفوق ICD Brookfield Place على الآخرين في تحقيق الهدف فحسب، بل ساعد أيضاً في تصميم إطار عمل ليتبعه الآخرون. ويوضح إبراهيم أنه تم تركيب أدوات مراقبة الطاقة في الوقت الفعلي، مثل عدادات المرافق وأجهزة استشعار إنترنت الأشياء (IoT)، عبر المساحات التي يديرها الملاك والمستأجرون منذ البداية. هذه الأدوات متصلة بمنصة إدارة مركزية، وهي نظام رقمي مخصص يجمع البيانات من جميع أنحاء المبنى ويحولها إلى لوحات معلومات حية. لا تعرض لوحات المعلومات هذه استخدام الطاقة في الوقت الفعلي فحسب، بل تساعد أيضاً في اكتشاف الأعطال وتحليل كيفية عمل الأنظمة.
قام الفريق بتطوير نموذج مفصل للطاقة وأجرى عمليات تدقيق مكثفة، مما منحهم الأفكار اللازمة لتحديد أوجه القصور ودراسة كيفية أداء الأنظمة المختلفة في ظل ظروف الإشغال والطقس المتغيرة. واستناداً إلى هذه النتائج، تمت إعادة برمجة العديد من الأنظمة الرئيسية مثل التدفئة والتهوية وتكييف الهواء (HVAC)، ومراوح تهوية مواقف السيارات، والمصاعد والسلالم المتحركة لتعمل فقط عند الضرورة وفي أوضاع موفرة للطاقة.
يؤكد إبراهيم أن مبنى ICD Brookfield Place مصمم لدعم الاستدامة البيئية والاستدامة البشرية على حد سواء، مع التركيز على الرفاهية والثقافة والتجربة. ويعكس كل جزء من التصميم نهجاً يتمحور حول الإنسان، حيث تتعلق الاستدامة بكيفية شعور الناس وتواصلهم وازدهارهم.
في قلب المبنى تقع حديقة الصيف، وهي رواق داخلي يرتفع خمسة طوابق، يغمره الضوء الطبيعي وتصطف على جانبيه أشجار طويلة. يحافظ المكان على مناخ مريح على مدار العام ويعمل كمركز اجتماعي رئيسي لكل من المستأجرين والمجتمع الأوسع. يتم رعاية الرفاهية الاجتماعية من خلال مناطق مخصصة مثل نيتش (Niche)، وهي مساحة ثقافية نابضة بالحياة تستضيف الفعاليات والتجمعات غير الرسمية وفرص التواصل. تشجع محطات العمل المرنة والساحات الخارجية المظللة على الحركة والشعور بالتوازن طوال اليوم.
التعاون مع المستأجرين ورؤية لمستقبل المدن
لإشراك المستأجرين في أهداف الاستدامة الخاصة به، أطلق ICD Brookfield Place برنامجاً مرحلياً لإشراك المستأجرين. ومع سعي ما يقرب من نصف مستأجريه بالفعل لتحقيق أهداف ESG أو صافي الانبعاثات الصفرية، تدعم المبادرة التقدم المشترك.
يعزز البرنامج أيضاً المجتمع من خلال مبادرات مثل روتد (Rooted)، سوق الاستدامة السنوي الذي يوحد المستأجرين والمبتكرين وصناع التغيير في الاحتفال بالعمل الجماعي.
إن إطلاق مبادرات عالمية طموحة كهذه والحفاظ على النجاح في كل خطوة دون انتكاسات ليس بالأمر السهل، لكنه يمكن أن يكون مجزياً للغاية، كما يؤكد إبراهيم. ويضيف أن فرصة الانخراط مع الناس، بما في ذلك المستأجرين والزملاء وشركاء الصناعة، حول قضية مهمة أمر مجزٍ للغاية. فالاستدامة تفتح الباب أمام محادثات ذات مغزى وهدف مشترك وطرق جديدة للعمل معاً، ورؤية هذا الشعور بالتوافق ينمو كان تذكيراً قوياً بأن التغيير الحقيقي يبدأ بزخم جماعي.
من توقيع التزام المجلس العالمي للمباني الخضراء بمبانٍ خالية من الكربون الصفرية إلى نشر أول تقرير شامل عن مسار الحياد الكربوني في المنطقة، قاد ICD Brookfield Place برؤية ومساءلة. إنه يرعى نموذجاً لما يمكن وما يجب أن يكون عليه مستقبل المدن: مرناً ومسؤولاً وثورياً بهدوء.
و أخيرا وليس آخرا
في الختام، يمثل مركز دبي المالي العالمي (ICD Brookfield Place) نموذجاً رائداً في مجال الاستدامة والابتكار، ليس فقط في دبي بل في المنطقة بأسرها. من خلال التزامه بالشفافية والمساءلة، واعتماده على نهج منظم وبيانات دقيقة، وتعزيز التعاون مع المستأجرين، يضع ICD Brookfield Place معياراً جديداً للعقارات التجارية المستدامة. يبقى السؤال مفتوحاً: ما هي الدروس الرئيسية التي يمكن للمباني الأخرى، خاصة في المناطق الحارة، أن تستلهمها من تجربة ICD Brookfield Place لتحقيق أهداف الاستدامة وتقليل البصمة الكربونية؟










