فيصل علي فتيت: أسطورة كرة القدم الإماراتية بين الملاعب والأكاديمية
في سجلات كرة القدم الإماراتية، تبقى أسماء محفورة في ذاكرة الجماهير، ليست فقط لكونها نجوماً في الملاعب، بل لتمثيلها قصصاً ملهمة تعكس طموحات أجيال بأكملها. من بين هؤلاء، يبرز اسم فيصل علي فتيت، النجم السابق لنادي العين والمنتخب الوطني، الذي حوّل مسيرته من ملاعب الأحياء إلى صفحة مجد لا تُنسى في تاريخ الكرة الإماراتية. بدأت حكايته بلقب طفولي عفوي، وانتهت بكونه رمزاً رياضياً لا يزال صداه يتردد في أروقة “الزعيم” وفي قلوب محبي “الأبيض”.
بداية الرحلة
ترعرع فيصل في كنف البساطة، بين أقرانه الذين أطلقوا عليه لقب “فتيت” وهو في السادسة من عمره، إعجاباً بمهاراته الفذة التي وصفها أحدهم بقدرته على تفتيت الصخر لتجاوز الخصوم. لم يكن يخطر ببال أحد أن هذا الطفل سيصبح أيقونة كروية تزين ملاعب الإمارات وآسيا. لكن هذا الحلم واجه تحدياً كبيراً، حيث عارض والده – رحمه الله – فكرة انضمامه إلى الأندية، خوفاً من أن يطغى شغفه بالكرة على تحصيله الدراسي.
إلا أن الشغف لم يخذل قلب الفتى، فاستمر في ممارسة اللعبة في المدارس والبطولات المدرسية، محققاً جوائز فردية كأفضل لاعب وهداف، إلى أن تلقى دعوة حاسمة من محمد بن ثعلوب الدرعي، الذي نجح في إقناع والده بالسماح له بالانضمام إلى نادي العين وهو في السابعة عشرة. هناك، اكتشفه المدرب التونسي محمد المنسي، وآمن بقدراته ليشق طريقه نحو المنتخب الوطني للشباب ثم الفريق الأول.
نقطة التحول نحو النجومية
مباراة الزوراء العراقي
المنعطف الذي غيّر مسيرته جاء صدفة خلال بطولة آسيا أمام فريق الزوراء العراقي، حين أُشرك كبديل في الشوط الثاني. وفي غضون دقائق معدودة، تمكن من صناعة هدف وتسجيل آخر، معلناً عن ولادة نجم جديد يخطف الأنظار من قلب استاد العين. من تلك اللحظة، بدأت القصة الحقيقية، وارتبط اسمه بالزعيم والمنتخب لعقد كامل من الزمن.
محنة الإصابة والعودة القوية
لم تكن طريق المجد مفروشة بالورود؛ إذ تعرض فيصل لأصعب اختبار عندما أُصيب مع المنتخب في كأس الخليج بالكويت. نُقل إلى فرنسا حيث أخبره الأطباء باستحالة عودته إلى الملاعب. كان الخبر بمثابة الصدمة التي كادت تنهي مسيرة واعدة في بدايتها. لكنه رفض الاستسلام، وخاض رحلة علاج وتدريبات مضنية صباح مساء، حتى استعاد 80% من قدراته. هذه العودة جعلت منه بطلاً آخر، يناضل لتجاوز الصعاب ومواصلة تحقيق حلمه. ومن بين أبرز لحظاته الخالدة تسجيله هدفاً رائعاً في مرمى الهلال السعودي في دوري أبطال آسيا، وهي لحظة ترسخت في ذاكرة الجماهير.
من الملاعب إلى الأكاديمية
فصل جديد في مسيرة النجم
اليوم، وبعد أن طوى صفحة مسيرته كلاعب، قرر فيصل أن يبدأ فصلاً جديداً في عالم التدريب. يعمل حالياً في أكاديمية نادي العين، إيماناً منه بأن دوره الآن يتمثل في صناعة نجوم المستقبل، ونقل خبراته المتراكمة للأجيال الطموحة، مؤكداً أن اللاعب الإماراتي قادر على الاحتراف عالمياً إذا ما توفرت له البيئة الداعمة والمنظومة المتكاملة: فرص للاحتكاك بالأندية الأوروبية، بيئة احترافية، وإرادة لا تعرف اليأس.
رؤى وتطلعات حول العين والمنتخب
مستقبل “الزعيم” و”الأبيض”
بالنسبة لنادي العين، يرى فيصل أن الحكم على أداء الفريق في الموسم الحالي لا يزال مبكراً بعد مرور ثلاث جولات فقط، لكنه يلمس مؤشرات إيجابية تنبئ بمستوى أفضل. ويؤكد أن الإخفاقات السابقة في تحقيق البطولات لن تتكرر، حيث يسعى النادي لبناء فريق قادر على المنافسة القارية والوصول إلى منصات التتويج الآسيوية للمرة الثالثة.
أما فيما يتعلق بالمنتخب الوطني، فيثني فيصل على التغيير الإيجابي الذي طرأ مع تولي المدرب كوزمين زمام الأمور، حيث لاحظ انضباطاً تكتيكياً وروحاً معنوية عالية. ويوضح أن فرص الإمارات في الملحق الآسيوي المؤهل لمونديال 2026 لا تزال قائمة، مع أفضلية نسبية بفضل المزج بين الخبرة والشباب. وينصح اللاعبين الشبان بالاهتمام بأنفسهم على الصعيد المهني: النوم المبكر، التغذية السليمة، والجدية في التدريبات… وهي عوامل يعتبرها ضرورية لتحقيق حلم رؤية علم الإمارات يرفرف في كأس العالم بعد غياب منذ عام 1990.
وأخيرا وليس آخرا
فيصل علي فتيت ليس مجرد لاعب كرة قدم، بل هو رمز للعزيمة والإصرار. من ملاعب الأحياء المتواضعة إلى البطولات الآسيوية، ومن لحظات الانكسار إلى الانتصارات، تحكي مسيرته قصة ملهمة للأجيال: أن كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل هي مدرسة للحياة. واليوم، يواصل من موقعه الجديد بناء الجسور نحو جيل جديد، آملاً أن يرى “الأبيض” يوماً ما يحقق المجد العالمي من جديد.










