الإبداع والابتكار في مواجهة الاكتئاب
الحياة والمعيشة: من الألم إلى الإبداع رحلة نعيمة كريم
كارل يونج: “أولئك الذين تعافوا من الجروح النفسية هم الأقدر على مساعدة الآخرين.”
تخصيص يوم عالمي للصحة النفسية هو أمر بالغ الأهمية، وقد شهد هذا اليوم تطوراً ملحوظاً في منطقة الخليج، حيث بدأ الاهتمام يتزايد بأهمية الصحة النفسية. ومع ذلك، يبقى تخصيص شهر كامل لهذا الموضوع الحيوي أكثر ملاءمة لتعزيز الوعي بأهميته وتأثيره في حياتنا.
بدلاً من البدء بالإحصائيات والأرقام التقليدية حول الصحة النفسية، أجد أن القصص الشخصية والكلمات الصادقة لأولئك الذين عاشوا تجارب الاكتئاب هي الأكثر تأثيراً. كما قالت الشاعرة شارلوت سميث، “أولئك الذين يرسمون الحزن بشكل أفضل هم الذين يشعرون به أكثر”.
قصة ملهمة من الواقع
نعيمة كريم ورحلة ابنتها مع الاكتئاب
تعرفت على نعيمة كريم، الفنانة والأم التي واجهت تحدياً كبيراً عندما تم تشخيص ابنتها المراهقة باضطراب اكتئابي حاد. في البداية، لم تدرك نعيمة أن ابنتها تعاني من مشكلة صحية نفسية قابلة للعلاج. وبالمثل، لم يكن المعلمون في المدرسة ولا الطفلة نفسها على دراية بالمشكلة.
التغيرات في المزاج والطاقة والدافع أدت إلى خلافات وانخفاض في الأداء الأكاديمي، مما زاد الأمور تعقيداً.
قبل التشخيص، كانت نعيمة ترى ابنتها مدللة وكسولة وغير شاكرة، وهي تصورات انعكست في تعليقات معلمات المدرسة. هذه الكلمات القاسية تسببت في تفاقم حالة الابنة، مما أدى إلى دخولها في حلقة مفرغة من التدهور النفسي.
في ذروة الاكتئاب، قررت نعيمة أخذ ابنتها إلى أخصائي الصحة النفسية، الذي تمكن من تشخيص الأعراض الكلاسيكية للاكتئاب. من خلال العمل المشترك مع الأم والابنة، استخدم الطبيب تقنيات سلوكية معرفية لمساعدتهما على تحسين حالتهما والحفاظ على هذا التحسن.
من الندم إلى المبادرة
تشعر نعيمة بالندم لعدم طلب المساعدة في وقت مبكر، وتعتقد أن رد فعلها الأولي ربما ساهم في تفاقم الوضع. الآن، تلتزم نعيمة بمساعدة الآخرين على التعرف على علامات وأعراض الاكتئاب في وقت مبكر وتقديم الدعم اللازم.
هذا الالتزام قاد نعيمة إلى برنامج الإقامة للحلول الإبداعية في مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء)، وهي مبادرة تدعم تطوير المهارات الإبداعية الرقمية في مجالات التكنولوجيا الغامرة. يوفر البرنامج الوصول إلى أحدث التقنيات مثل الواقع الافتراضي والواقع المعزز، بالإضافة إلى الإرشاد من خبراء في هذا المجال.
مشروع “ميريج”
تجربة غامرة لفهم الاكتئاب
مشروع نعيمة، المسمى “ميريج“، هو نموذج أولي عملي يهدف إلى مساعدة الناس على فهم الاكتئاب بشكل أفضل. تسمي نعيمة التطبيق “ميريج” لأنه يعكس شعور الشخص المصاب بالاكتئاب بأنه يعيش في وهم، حيث يختبر سعادة زائفة.
يتجاوز “ميريج” مجرد عرض الأعراض، ويسعى إلى إثارة التعاطف والرحمة تجاه أولئك الذين يعانون من الاكتئاب. يتم استخدام سماعة الواقع الافتراضي للدخول إلى عالم افتراضي حيث يتفاعل المستخدم مع طفل يعاني من الاكتئاب.
تستخدم التجربة أيضاً تقنية اللمس، حيث تشكل الأحاسيس الجسدية جزءاً من التجربة التي تحفز التعاطف. يتم التفاعل مع الطفل الافتراضي بطريقة عاطفية، وكلما كان المستخدم أكثر تعاطفاً، كلما تمكن الطفل من التعافي بشكل أسرع.
تعاون ملهم بين الأم وابنتها
الشيء الأكثر تأثيراً هو أن صوت الطفلة المستخدم في المشروع هو صوت ابنة نعيمة التي تعافت الآن. إنه تعاون إبداعي بين الأم وابنتها لمساعدة الآخرين على اجتياز مسار مؤلم سلكوه معاً.
قوة التعافي والمشاركة
كما كتب كارل يونج، المعالج النفسي السويسري، “الطبيب الجريح وحده هو القادر على الشفاء… ولكن فقط إلى الحد الذي تمكن فيه من شفاء نفسه.” وأشار إلى أن أنجح المعالجين النفسيين يستعينون بمعرفتهم بآلامهم لمساعدة الآخرين. مشاركة القصص هي واحدة من أقدم وأقوى الطرق لتحقيق ذلك.
ستعرض أعمال نعيمة خلال مؤتمر تنوين للإبداع الذي سيعقد قريباً في إثراء بالظهران. الإبداع يمكن أن يلعب دوراً كبيراً في منع مشاكل الصحة العقلية وتعزيز ازدهار الإنسان.
الدكتور جاستن توماس هو طبيب نفساني معتمد وباحث أول في برنامج الرفاهية الرقمية (سينك) في مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء).
و أخيرا وليس آخرا : قصة نعيمة كريم وابنتها تجسد قوة الإبداع في مواجهة التحديات النفسية. من خلال مشروع “ميريج”، تسعى نعيمة إلى تعزيز الفهم والتعاطف مع الاكتئاب، وتحويل الألم إلى أداة للشفاء والمساعدة. فهل يمكن لمبادرات مماثلة أن تحدث فرقاً ملموساً في نظرتنا للصحة النفسية ودعمنا للمتضررين؟










