الفن كهوية وذاكرة: تأملات من جنوب آسيا
في أمسية فنية ساحرة في كولومبو، خطفت الفنانة السريلانكية الشابة هيما شيروني الألباب بأعمالها التي استكشفت موضوعات الوطن والنزوح والهوية، في أعقاب حرب أهلية دامت 26 عاماً في الجزيرة. تجسد شيروني في أحد أعمالها المطرزة يدوياً، منزلاً جميلاً في قرية مهجورة، وهمست بعبارة تترك أثراً أعمق من الصراخ: “الآن يمكن لأطفالنا اللعب والدراسة في راحة”، مؤكدة أن وجود سقف يحميك قد يكون أعظم امتياز، خاصة في أوقات النزاع.
كالا جنوب آسيا: منصة للإبداع والتعبير
عرضت أعمال شيروني المؤثرة في كالا جنوب آسيا، وهو تجمع فني سنوي يقام في كولومبو للاحتفاء بالفن في جنوب آسيا. وتشارك شيروني، إلى جانب فنانين من بنغلاديش والهند وباكستان ونيبال، في برنامج كالا والاستوديو المفتوح. تعترف شيروني بأن أعمالها تستلهم غالباً من قصص والدتها وجدتها، لتعبّر عن تجارب جيل نشأ في ظل الحرب.
الوطن المتنقل: ذاكرة لا تفارق
“بالنسبة لي، المنزل ليس شيئاً ثابتاً، بل متحرك باستمرار. كيف يمكن أن يكون العنوان ثابتاً للشباب السريلانكيين الذين نشأوا في ظل الحرب؟ لذلك نحمل منازلنا وذكرياتنا معنا”، تقول شيروني، التي تستخدم مواد موجودة مثل الأقمشة من مناطق مختلفة في جزيرة سيلان في أعمالها الفنية.
رؤى فنية متنوعة من جنوب آسيا
في نفس المعرض، قدم أحمد راسل، وهو مصور من بنغلاديش، مشروعاً بحثياً استكشف آثار التوسع الحضري وتغير المناخ والذاكرة التاريخية في بلاده. كما عرض أحمد جاويد المقيم في لاهور سلسلة من الأعمال اللافتة، تميزت بمهارته الحرفية وماديته وابتكاراته المفاهيمية.
أحمد جاويد: إحياء فن المنمنمات
تكمن عبقرية جاويد في عملية إبداعية دقيقة تتعمق في التاريخ البصري لشبه القارة الهندية، خاصة في استكشاف الاحتمالات السردية للوحات المنمنمات على الطراز المغولي. يرسم جاويد صوراً شخصية رفيعة المستوى ومرحة لفنانين في الاستوديو الخاص به منذ عام 2018.
تكريم الفنانين وتوثيق تاريخهم
يقول جاويد إنه غالباً ما يستخدم ألوان النيون في أعماله، محاولاً التقاط الملابس الملونة التي يرتديها الفنانون أو تسليط الضوء على التفاصيل الغريبة لتمجيد الجالسين عمداً. يبدو أنه يسعى لتبديد الصورة النمطية عن الفنانين باعتبارهم منبوذين يعيشون حياة فقيرة. يمكن وصف جاويد بأنه مصور وثائقي وناشط.
إحياء فن المنمنمات بمحتوى معاصر
يضيف الفنان البالغ من العمر 32 عاماً: “عندما بدأت أطروحتي عن الرسم المصغر كطالب، أدركت الحاجة إلى ملء فراغين تاريخيين. الفنانون من العصر المغولي كسروا العديد من الحدود، ولكن في النهاية، تبخرت فكرة المنمنمات. أردت من خلال عملي إحياء ذلك”.
توثيق حياة الفنانين المغول
ويتابع: “كان الفن المصغر المغولي فناً يمارس في الفترة من القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر، وكان في الأساس شكلاً من أشكال فن البلاط. نظراً لعدم اختراع الكاميرا، استخدم الفنانون الفن لتوثيق الحياة خلال العصر المغولي. ومن المفارقات أن الفنانين الموهوبين الذين وثقوا كل هذا للأجيال القادمة لم يتم توثيقهم، لهذا السبب بدأت هذا المشروع”.
كولومبو: محطة جديدة في رحلة المنمنمات
بدا جاويد سعيداً بالوقت الذي أمضاه في كولومبو، حيث حصل على فرصة لرسم فنانين سريلانكيين في استوديوهاتهم، وهي خطوة أخرى مثيرة في هوسه المستمر بالمنمنمات.
Pivot Glide Echo: احتفال بالإرث الفني لسريلانكا
بالإضافة إلى برنامج الإقامة في كالا، تضمن الحدث عرضاً جماعياً تاريخياً أقيم في جامعة كولومبو للفنون البصرية والمسرحية (UVPA). كان Pivot Glide Echo احتفالاً بالإرث الفني لسريلانكا على مدى ثمانية عقود، وعكس اتساع وتنوع الفن السريلانكي.
تسليط الضوء على المواهب الفنية المتنوعة
لم يكن اختيار المكان أكثر ملاءمة، حيث تزامن معرض Pivot Glide Echo مع الذكرى السنوية الخامسة والسبعين لتأسيس جامعة الفنون البصرية والأدائية. أراد القائمون على المعرض تسليط الضوء على طيف أوسع من المواهب الفنية في بلادهم في معرض كالا.
الفن كصوت للمجتمع في سريلانكا
تشتهر سريلانكا بشواطئها ومواقعها البوذية ومزارع الشاي، ولكن تاريخها كان مضطرباً وعنيفاً. لقد شكلت هذه التحديات هوية الجزيرة، حيث ظهر الفن كصوت لعامة الناس. استخدم فنانون مثل شاندراجوبثا ثينوارا قوة وجمال الفن لمواجهة الحرب الإثنية اللغوية التي هيمنت على وعي سريلانكا ما بعد الاستقلال.
الفن كترياق في أوقات الحرب
غالباً ما يتحدث ثينوارا عن مذبحة يوليو الأسود عام 1983 باعتبارها مؤثرة على فنه، وتشهد أعماله الاستفزازية في كالا على كيف يمكن للفن أن يعمل كترياق في أوقات الحرب والتذبذب.
كالا: منصة لتكريم الفن في جنوب آسيا
تقول المديرة المؤسسة لجمعية كالا، ساسكيا فرناندو، إن الفكرة وراء بدء الحدث السنوي كانت إنشاء منصة تكرم الفن الحديث والمعاصر في جنوب آسيا وتوفر رؤية أكبر لفن سريلانكا، مع تعزيز الحوار بين الجزيرة وجيرانها في جنوب آسيا.
تعزيز الحوار والتعاون في عالم الفن
بالإضافة إلى المعارض، تضمن برنامج كالا جلسات حوارية ديناميكية أشرف عليها مشروع آرت جنوب آسيا (ASAP) ومقره لندن. دعمت فرناندو المشهد الفني المحلي لمدة عقدين من الزمان، بمساعدة والدها أودايشانث فرناندو، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره قديساً راعياً للتصميم والجماليات في سريلانكا.
دور كالا في تعزيز عالم الفن في جنوب آسيا
تهدف ساسكيا فرناندو من كالا إلى أن يعمل كمحفز للنمو في هذه المنطقة. “نأمل في لعب دور في المبادرات الرائعة التي تعمل جميعها على تعزيز عالم الفن في جنوب آسيا. نود تشجيع بناء المجتمع في جميع بلداننا ومنظماتنا”، توضح فرناندو.
مستقبل مشرق للفن والثقافة السريلانكية
“لطالما كان الفن والثقافة السريلانكية في حركة تصاعدية ثابتة، طوال أوقات الأزمات، وقد أطلقت كالا نفسها في وقت تزدهر فيه المبادرات محلياً. العقود القادمة مليئة بالأمل لنا جميعاً”، تختتم فرناندو.
و أخيرا وليس آخرا :
تبرز أهمية الفن كمرآة عاكسة للهوية والذاكرة في سياق جنوب آسيا، حيث تعكس أعمال الفنانين تحديات الماضي وآمال المستقبل. من خلال منصات فنية مثل كالا، يتم تعزيز الحوار الثقافي والتعاون الإقليمي، مما يفتح آفاقاً جديدة للإبداع والتعبير. فهل يمكن للفن أن يكون حقاً قادراً على تغيير مسار التاريخ وشفاء الجراح؟










