الإمارات تتصدر المشهد الاستثماري بمبادرة “صفر بيروقراطية”
في سياق التطورات الاقتصادية المتسارعة، يبرز التوجه نحو تبسيط الإجراءات الحكومية كعامل حاسم في جذب الاستثمارات وتعزيز النمو. وقد أجمع الخبراء على أن مبادرة “صفر بيروقراطية” التي تتبناها حكومة الإمارات العربية المتحدة، سيكون لها أثر إيجابي كبير على تسريع وتيرة النشاط الاقتصادي، ورفع إنتاجية القطاعين العام والخاص، وبالتالي زيادة الناتج المحلي الإجمالي.
برنامج القضاء على البيروقراطية يعزز جاذبية الإمارات للاستثمار
يؤكد اقتصاديون ومحللون بارزون، إضافة إلى مسؤولين تنفيذيين، أن برنامج القضاء على البيروقراطية يعكس التزام حكومة الإمارات الراسخ بتعزيز بيئة أعمال مزدهرة، مع إعطاء الأولوية لرفاهية المواطنين. هذا البرنامج الطموح يمهد الطريق لتسهيل ممارسة الأعمال، ويعزز ثقة المستثمرين الراغبين في الحصول على تراخيص لمزاولة أنشطة منظمة في الإمارات.
ويشير أحد الاقتصاديين إلى أن غياب البيروقراطية في الإمارات يسهل بشكل ملحوظ تسجيل الشركات الجديدة، مما يجعلها وجهة جاذبة لرواد الأعمال والمستثمرين. كما أن الجهات الحكومية تعالج الطلبات بسرعة أكبر بفضل الإجراءات المبسطة.
الإمارات وجهة مفضلة للمستثمرين
أظهرت أحدث البيانات أن المستثمرين ورواد الأعمال فضلوا تسجيل شركاتهم في دولة الإمارات، وذلك بفضل السياسات الحكومية المتسقة، والبنية التحتية الممتازة، وبيئة الأعمال المواتية، إضافة إلى المبادرات الرائدة مثل “صفر بيروقراطية”.
وسجلت غرفة تجارة وصناعة أبوظبي زيادة في عدد أعضائها بنسبة 4.9% خلال النصف الأول من عام 2025، متجاوزة 158 ألف شركة، مما يشير إلى ثقة قوية في بيئة الأعمال. وتعد قطاعات الزراعة والفنون والتكنولوجيا من القطاعات الرئيسية التي يستهدفها رجال الأعمال والمستثمرون.
تصريحات المسؤولين تعكس الثقة في النمو الاقتصادي
أكد شامس علي الظاهري، النائب الثاني لرئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لغرفة تجارة وصناعة أبوظبي، أن هذه الأرقام تؤكد الدور المحوري للقطاع الخاص في دفع عجلة النمو المتسارع الذي تشهده أبوظبي. وأضاف أن الارتفاع الملحوظ في عدد الأعضاء في قطاعات مثل الزراعة والتقنيات الحديثة والفنون يعكس الأثر الواسع النطاق لأجندة التنمية الطموحة للإمارة.
من جانبه، صرح سلطان بن سعيد المنصوري، رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة دبي، بأن نتائج النصف الأول من العام تعكس مكانة دبي كمركز عالمي رائد للتجارة والاستثمار، ومنظومة الأعمال المتكاملة التي تتمتع بها الإمارة، الأمر الذي عزز ثقة المستثمرين في الاقتصاد الوطني.
أرقام قياسية في نمو الشركات والتجارة
سجلت غرفة تجارة وصناعة دبي 35,532 شركة جديدة كأعضاء خلال النصف الأول من عام 2025، بزيادة قدرها 4% مقارنة بالعام السابق، في حين ارتفعت قيمة صادرات وإعادة صادرات الأعضاء بنسبة 18% إلى 171.9 مليار درهم، أو 46.8 مليار دولار.
كما أعلنت غرفة دبي العالمية عن زيادة بنسبة 138% في عدد الشركات الخاضعة لسلطتها، حيث استقطبت 143 شركة خلال الفترة المذكورة. وأكد سعادة سلطان أحمد بن سليم، رئيس مجلس إدارة غرفة دبي العالمية، أن شبكة مكاتبها التمثيلية العالمية تلعب دورًا محوريًا في استقطاب رواد الأعمال والمستثمرين والشركات متعددة الجنسيات.
وأشار إلى أنهم يحرزون تقدمًا قويًا ومطردًا في ترسيخ مكانة دبي كوجهة عالمية مفضلة للاستثمار الأجنبي المباشر، ومنصة انطلاق للشركات التي تستهدف النمو الدولي. ويستمد هذا الزخم قوته من المزايا التنافسية الفريدة التي تتمتع بها دبي، والتي تشمل بنية تحتية عالمية المستوى، وبيئة تنظيمية داعمة للأعمال، وموقعًا استراتيجيًا يربط الأسواق العالمية.
الشارقة تسجل نمواً ملحوظاً في العضويات الجديدة
على نحو مماثل، سجلت غرفة تجارة وصناعة الشارقة أداءً قوياً ونمواً ملحوظاً في مختلف المؤشرات الرئيسية خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2025، حيث سجلت أكثر من 37 ألف عضوية جديدة وتجديد للعضوية، مسجلة نمواً يزيد عن 12% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، والتي سجلت 33 ألف عضوية.
وأكد عبدالله سلطان العويس، رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة الشارقة، أن النمو الملحوظ في أعداد الأعضاء خلال النصف الأول من عام 2025 يعكس ثقة المستثمرين المتنامية في منظومة الأعمال في الشارقة.
هيئة الأوراق المالية والسلع تحقق نمواً استثنائياً
في النصف الأول من عام 2025، سجلت هيئة الأوراق المالية والسلع نموًا استثنائيًا، مع زيادة بنسبة 55% في التراخيص الصادرة حديثًا وزيادة بنسبة 60% في إجمالي عدد الشركات المرخصة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024. كما زادت صناديق الاستثمار المحلية المرخصة بنسبة 79%، مما ساهم في نمو قياسي بنسبة 230% في إجمالي الأصول المدارة.
آراء الخبراء حول تأثير مبادرة “صفر بيروقراطية”
من جهته، قال أتيك مونشي، الشريك الإداري في فينيكسبيرتيزا الإمارات العربية المتحدة، لـ “المجد الإماراتية”: تعاني جميع دول العالم تقريبًا من شكل من أشكال البيروقراطية. وتُعدّ الإمارات العربية المتحدة من الدول القليلة التي تتمتع بمستوى بيروقراطي منخفض جدًا. والآن، ومع مبادرة حكومة الإمارات العربية المتحدة لجعل البلاد خالية تمامًا من البيروقراطية، فإن هذه الخطوة ستجذب بالتأكيد اهتمام الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي.
المرحلة الثانية من البرنامج تستهدف البيروقراطية الرقمية
وقد أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي في يونيو/حزيران المرحلة الثانية من برنامج صفر بيروقراطية حكومية، وهو مشروع وطني يهدف إلى إنشاء خدمات حكومية أبسط وأسرع وأكثر تأثيراً.
ستوسع المرحلة الثانية من البرنامج نطاقه ليشمل التخلص التام من البيروقراطية الرقمية، وتبسيط العمليات والتطبيقات الإلكترونية. ويشمل ذلك تحديث جميع الأنظمة الرقمية الحكومية، ودمج الذكاء الاصطناعي بفعالية.
وسيواصل البرنامج أيضًا إلغاء الإجراءات والخدمات الحكومية غير الضرورية، وإزالة التكرار بين الكيانات، وإلغاء جميع الأعباء والمتطلبات غير الضرورية.
نتائج المرحلة الأولى من البرنامج
أُطلقت المرحلة الأولى في نوفمبر 2023، واستهدفت تقليص 2000 إجراء حكومي، ثم تضاعف هذا الهدف، وخفضت زمن تقديم الخدمة بأكثر من 70%، وألغت أكثر من 4000 إجراء غير ضروري، ووفرت على المتعاملين أكثر من 12 مليون ساعة. وقد بسّطت المرحلة الأولى 200 مليون معاملة سنوية، موفرةً على المتعاملين والشركات 12 مليون ساعة و1.12 مليار درهم سنويًا، حيث شاركت أكثر من 30 جهة حكومية وطنية في تبسيط الإجراءات الحكومية.
تبسيط الإجراءات يعزز الثقة ويختصر الوقت
لاحظ مونشي من شركة Finexpertiza الإمارات العربية المتحدة أن الاستثمارات الكبيرة والمعقدة، لا سيما في القطاعات الخاضعة للتنظيم – والتي قد تشمل اللوائح المالية والبيئية ولوائح الرعاية الاجتماعية وغيرها – عادةً ما تشهد المزيد من البيروقراطية نظرًا لحساسية هذه المجالات. وقال: في مثل هذه الحالات، غالبًا ما يكون المسؤولون الحكوميون حذرين للغاية، مما يؤدي غالبًا إما إلى تأخير المشروع أو حتى إلى القضاء على الفكرة نفسها. من خلال تبسيط البيروقراطية، يتم تقليل عدد العمليات والوثائق بشكل كبير، مما يُسرّع بدوره منهجية الموافقة أو الرفض.
ورأى أن المسؤولين المطلعين ذوي المبادرات الفعّالة يمكنهم اختصار الجداول الزمنية. وسيؤدي نظام النافذة الواحدة إلى تقليص البيروقراطية بشكل كبير؛ وهذا يتطلب من الجهات الحكومية المعنية العمل بشكل منظم واتخاذ القرارات بسلاسة.
واختتم مونشي قائلاً: إن الإعفاءات الضريبية، التي تُستخدم لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، هي مجال آخر تلعب فيه البيروقراطية دوراً حيوياً – ومن شأن وجود سياسة واضحة أن يعزز أداء الإدارات ويعزز ثقة المستثمرين.
وأخيرا وليس آخرا
تُظهر الأرقام والتحليلات أن مبادرة “صفر بيروقراطية” ليست مجرد برنامج حكومي، بل هي رؤية شاملة تهدف إلى تحويل الإمارات إلى بيئة استثمارية جاذبة ومحفزة للنمو الاقتصادي. ومع استمرار الجهود لتبسيط الإجراءات وتسهيل ممارسة الأعمال، يبقى السؤال: كيف ستنعكس هذه المبادرة على مستقبل الاقتصاد الإماراتي وقدرته التنافسية على المدى الطويل؟










