تأثير ازدحام المرور على قرارات السكن في الإمارات: بحثًا عن الراحة وتوفير الوقت
مع تزايد الكثافة المرورية في دولة الإمارات العربية المتحدة، يضطر العديد من السكان إلى دفع إيجارات أعلى للسكن بالقرب من أماكن عملهم. ففي ظل الازدحام المتزايد في مدينتي دبي وأبوظبي، بدأ الكثير من المهنيين في إعادة تقييم رحلاتهم اليومية وتأثيرها على إنتاجيتهم وصحتهم النفسية ووقت فراغهم الشخصي.
بالنسبة لـ “ثمجد محمد صديق”، أصبحت صعوبة التنقلات الطويلة والحفاظ على التوازن بين العمل والحياة تحديًا كبيرًا. ورغبةً منه في توفير المزيد من الوقت لنفسه ولعائلته وتجنب الإرهاق الناتج عن الزحام، اتخذ قرارًا بالانتقال وتغيير مقر عمله.
انتقل “صديق”، الذي كان يقيم في الشارقة، إلى منطقة الورقاء لتقليل مدة رحلته اليومية، لكن هذا القرار كلفه زيادة كبيرة في الإيجار. وفي مقابلة مع المجد الإماراتية، أوضح “صديق”: “كان يستغرق مني الوصول إلى العمل ساعة في الصباح وساعة و15 دقيقة عند العودة. الآن تستغرق الرحلة 20 دقيقة في الصباح ونحو 30 دقيقة في المساء من المكتب إلى المنزل. لكن هذا جاء بتكلفة باهظة؛ فقد ارتفع إيجاري من 42 ألف درهم إلى 90 ألف درهم. ومع زيادة الضغوط المالية، كنت أراهن على الوقت الذي سأحصل عليه للتركيز على صحتي وعائلتي. لذا كان لا بد أن أنتقل.”
أفاد مسؤولو التوظيف والعقارات في الإمارات بأن العديد من السكان والموظفين يتخذون قرارات مماثلة لقرار “صديق”، وذلك بالانتقال إلى مناطق أقرب إلى مقار عملهم بهدف تحسين التوازن بين العمل والحياة نتيجة للزيادة الملحوظة في الازدحام المروري.
وقد ازداد الازدحام على طرق الإمارات بشكل ملحوظ مع عودة المقيمين إلى البلاد بعد انتهاء العطلة الصيفية التي استمرت شهرين، وقبل إعادة فتح المدارس.
ووفقًا لبيانات المجد الإماراتية للنصف الأول من عام 2025، بلغ عدد المركبات النشطة المسجلة في الربع الثاني من عام 2025 نحو 4.56 مليون مركبة، مقارنة بـ 4.17 مليون مركبة في الفترة نفسها من العام الماضي.
التحول في أولويات الموظفين
نشهد تحولًا متزايدًا في أولويات الموظفين فيما يتعلق بالتوازن بين العمل والحياة. ومع ازدياد حركة المرور في المدن الكبرى مثل دبي وأبوظبي، بدأ العديد من المهنيين في إعادة تقييم تنقلاتهم اليومية وتأثيرها على الإنتاجية والرفاهية ووقتهم الشخصي.
يرى “بيدرو لاسيردا”، المدير القطري لمجموعة “تاسك” في الإمارات، أن هناك تحولًا ملحوظًا في أولويات الموظفين فيما يتعلق بالتوازن بين العمل والحياة. وأضاف: “مع ازدياد الكثافة المرورية في مدن كبرى مثل دبي وأبوظبي، بدأ الكثير من المهنيين في إعادة التفكير في تنقلاتهم اليومية وتأثيرها على الإنتاجية والصحة ووقت الفراغ الشخصي. أصبح الموظفون أكثر وعيًا بقيمة الوقت، وساعات الطريق الطويلة تدفع الكثيرين للنظر في الانتقال أقرب إلى مقار العمل، مما يساعدهم ليس فقط على توفير وقت التنقل، بل يقلل أيضًا من التوتر، ويوفر لهم وقتًا أكبر مع العائلة أو لممارسة اهتماماتهم الشخصية.”
وأضاف “لاسيردا”: “يتبع العديد من الموظفين نهجًا أكثر وعيًا في رحلاتهم اليومية، حيث يستفيد البعض من الوقت الإضافي للاستماع إلى الكتب المسموعة أو متابعة البودكاست أو تطوير مهاراتهم المهنية، بينما يلجأ آخرون إلى مشاركة الرحلات (الكار بولينغ) لخفض التكاليف وبناء علاقات أفضل مع الزملاء.”
البحث عن مساكن قريبة من العمل والمدارس
مع النمو السريع للمدينة وزيادة عدد السكان، تشير “سفيتلانا فاسيلييفا”، رئيسة المبيعات الثانوية في “ميتروبوليتان للعقارات الفاخرة”، إلى وجود تحول واضح في ما يفضله الناس عند البحث عن مساكن جديدة. وقالت: “يتجه السكان بشكل متزايد للبحث عن عقارات أقرب إلى أماكن عملهم ومدارس أولادهم، وذلك بدافع تحقيق توازن أفضل بين العمل والحياة وتقليل وقت التنقل. ومع ازدياد الزحام المروري، زادت جاذبية تقليل زمن الطريق بشكل ملحوظ. فمثلًا، يفضل كثير من المهنيين العاملين في مركز دبي المالي العالمي السكن في المنطقة ذاتها أو في وسط المدينة القريب منها، ما يجعلهم على بعد دقائق فقط من مكاتبهم.”
يتزايد بحث السكان عن عقارات أقرب إلى أماكن عملهم ومدارسهم، ويعزى هذا التوجه إلى الرغبة في تحقيق توازن أفضل بين العمل والحياة الشخصية وتقليل وقت التنقل. ومع ازدياد ازدحام الطرق، ازدادت بشكل ملحوظ جاذبية توفير الوقت الذي كان يُقضى في زحمة المرور. على سبيل المثال، يختار العديد من المهنيين العاملين في مركز دبي المالي العالمي الآن السكن داخل المركز نفسه أو في مناطق قريبة من وسط المدينة، على بُعد دقائق فقط من مكاتبهم.
وأضافت “فاسيلييفا” أن غالبية موظفي شركة “ميتروبوليتان للعقارات” اختاروا أيضًا الانتقال إلى مناطق قريبة من مقر مكاتبهم.
تحسين نمط الحياة
قال “يفغيني راتسكيفيتش”، الرئيس التنفيذي لشركة “ميتروبوليتان كابيتال العقارية”، إن ما يميز أبوظبي هو البنية التحتية المتميزة من طرق وجسور وشبكات نقل طُوِّرت لتتجاوز احتياجات الطلب الحالية. وأضاف: “يمكن لنظام الطرق الحالي استيعاب ما لا يقل عن 50% إضافية من أعداد المركبات دون ازدحام، بعكس مدن كبرى مثل لندن أو نيويورك أو طوكيو حيث يُعتبر الازدحام اليومي أمرًا عاديًا.”
أبوظبي: ترقية في أسلوب الحياة
وأكد أن الانتقال إلى مكان أقرب للعمل في أبوظبي غالبًا ما يمثل ترقية في أسلوب الحياة وليس مجرد حل وسط، حيث يحصل المنتقلون على مساكن راقية ومدارس متميزة وإطلالات بحرية وزيارات لمراكز تسوق ووجهات ترفيهية، وكل ذلك في مجتمعات متكاملة قابلة للمشي. وأوضح أن أحياء مثل جزيرة الريم وماريه ورحا بيتش وسعديات وجزيرة ياس توفر خيارات سكنية متعددة، من الشقق العصرية إلى الفلل العائلية الفسيحة، مع الجمع بين قرب العمل وارتفاع جودة الحياة.
على عكس المدن الأخرى، حيث قد يبدو الانتقال إلى مكان أقرب إلى العمل بمثابة حل وسط، ففي أبوظبي، غالبًا ما يُمثل ذلك نقلة نوعية في نمط الحياة. ويحصل الكثير ممن ينتقلون إلى مكان أقرب إلى أماكن عملهم على مساكن فاخرة، ومدارس راقية، وإطلالات خلابة على الواجهة البحرية، ووجهات تسوق، ومرافق ترفيهية – كل ذلك ضمن مجتمعات سكنية متكاملة يسهل الوصول إليها سيرًا على الأقدام.
وأوضح أن أحياءً سكنيةً مثل جزيرة الريم، وجزيرة المارية، وشاطئ الراحة، والسعديات، وجزيرة ياس، توفر خياراتٍ سكنيةً متنوعة، من الشقق العصرية إلى الفلل العائلية الفسيحة. وتوفر هذه المناطق مزيجًا مثاليًا من القرب من أماكن العمل وجودة الحياة الراقية.
وختم “راتسكيفيتش”: “باختصار، تعني البنية التحتية والتخطيط الحضري المدروس في أبوظبي أن الانتقال بالقرب من مقر العمل لا يتعلق فقط بتقليل زمن التنقل، بل يتعلق أيضًا بتحسين الحياة اليومية في مدينة بُنيت للكفاءة والرفاهية على حد سواء.”
و أخيرا وليس آخرا
في الختام، يظهر جليًا أن الازدحام المروري المتزايد في دولة الإمارات، وخاصة في دبي وأبوظبي، قد أثر بشكل كبير على قرارات السكن لدى السكان. فالبحث عن التوازن بين العمل والحياة، وتوفير الوقت والجهد المهدر في التنقلات اليومية، أصبح دافعًا قويًا يدفع الكثيرين إلى تغيير أماكن إقامتهم ودفع إيجارات أعلى للسكن بالقرب من أماكن عملهم. ومع ذلك، فإن هذا التوجه لا يقتصر فقط على تقليل زمن التنقل، بل يمتد ليشمل تحسين نمط الحياة والاستمتاع بمزايا السكن في مجتمعات متكاملة توفر كافة سبل الراحة والرفاهية. فهل ستستمر هذه الظاهرة في التزايد، وهل ستتمكن البنية التحتية المتطورة في الإمارات من استيعاب هذا النمو المتزايد في عدد السكان والمركبات؟










