مخاطر البخور: تهديد لصحة الفم والجهاز التنفسي
البخور، برائحته العطرة التي تهدئ الأعصاب، قد يحمل في طياته مخاطر صحية غير متوقعة. فالدخان المتصاعد منه يحتوي على مواد مهيجة قادرة على إثارة ردود فعل تحسسية في مناطق مختلفة من الجسم، إضافة إلى تأثيراته السلبية على صحة الفم.
وعلى الرغم من شعبيته الواسعة في دولة الإمارات العربية المتحدة بين المواطنين والمقيمين على حد سواء، يحذر خبراء الصحة من أن حرق البخور قد يؤدي إلى تهيج العينين، الأنف، الحنجرة، والجلد. ووفقًا لـ”المجد الإماراتية”، فإن 86% من الأسر في الإمارات تستخدم البخور مرة واحدة على الأقل أسبوعيًا.
تأثير البخور على ميكروبات الفم
أظهرت دراسات سابقة أجرتها جامعة نيويورك أبوظبي وجود صلة بين استخدام البخور والتغيرات في التركيبة الميكروبية للفم، وقد نُشرت نتائج هذه الدراسة في مجلة “التقارير العلمية” التابعة لمجلة “نيتشر”.
في هذه الدراسة، تم جمع عينات من غسول الفم لـ 303 بالغين إماراتيين بهدف تقييم ميكروبات الفم، وجرى تحليل الارتباطات بناءً على استبيان حول معدل استخدام البخور.
انخفاض البكتيريا المفيدة
تشير النتائج إلى أن حرق البخور قد يكون له تأثير كبير على صحة الفم وأنواع البكتيريا الموجودة فيه. إن انخفاض عدد البكتيريا المفيدة قد يؤدي إلى زيادة البكتيريا الضارة، مما قد يسهم في مشاكل مثل تسوس الأسنان، أمراض اللثة، ورائحة الفم الكريهة.
وأوضحت إيفون فاليس، الباحثة الرئيسية في الدراسة والمحاضرة في علم الوراثة بجامعة جزر الهند الغربية في بربادوس، وفقًا لما ذكره موقع جامعة نيويورك أبوظبي: “للمرة الأولى، أظهرنا وجود علاقة بين استخدام البخور والتغيرات في تكوين الكائنات الحية الدقيقة التي تستوطن تجويف الفم. وعلى الرغم من أن هذا تحليل أولي، إلا أنه اكتشاف مهم وله آثار صحية محتملة”.
وأضافت: “نأمل من خلال البيانات الجديدة التي نجمعها من المشروع أن نتمكن من اختبار العلاقة السببية، حيث يكون التعرض لدخان البخور هو السبب وراء التغيرات التي تم رصدها. ويبدو أن هناك نقصًا حادًا في الوعي بين عامة الناس، والأمر الأكثر إثارة للقلق هو عدم وجود سياسات لتنظيم استخدام البخور، وخاصة في الأماكن العامة”.
أصل كلمة البخور وتأثيراته الصحية
كلمة “بخور” مشتقة من الكلمة اللاتينية “incendere”، والتي تعني “الحرق”. لطالما كان حرق البخور ممارسة تقليدية لأغراض متنوعة منذ العصور القديمة، خاصة في الدول الشرقية.
تأثير البخور على القلب والأوعية الدموية
أوضح الدكتور سانديب بارجي، أخصائي أمراض الرئة في مستشفى برايم ومركز برايم الطبي فرع برجمان، أن “دخان البخور يحتوي على عدد من المواد المهيجة التي يمكن أن تؤدي إلى حالات مزعجة، بما في ذلك ردود الفعل التحسسية في مناطق مختلفة من الجسم مثل العينين، الأنف، الحلق، أو الجلد”.
وبحسب بيانات المكتبة الوطنية للطب، من المتوقع أن يتجاوز الاستهلاك العالمي للبخور 200 مليون طن سنويًا، وتعتبر آسيا أكبر سوق له.
وأضاف الدكتور بارجي أن هناك زيادة في خطر الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي المختلفة وأعراضها مثل الربو، السعال، والصفير، وذلك تبعًا لطريقة التعرض والاستجابة.
وأشار الدكتور بارجي إلى العديد من الدراسات الوبائية والطبية الحيوية التي تؤكد تأثير دخان البخور في التسبب في أمراض القلب والأوعية الدموية المختلفة، مؤكدًا على العلاقة القوية بين استخدام البخور والوفاة بسبب هذه الأمراض.
وأكد على أن تقليل أو الحد من استخدام البخور والتعرض لدخانه قد يساهم في تقليل المخاطر، وأن فتح النوافذ أثناء الاستخدام أو بعده يعد إحدى الطرق الفعالة لتقليل التعرض.
آراء المختصين حول استخدام البخور
أفاد الدكتور فراس عثمان، المتخصص في جراحة الفم والوجه والفكين في مركز الدانة الطبي التخصصي بدبي، أن “الروائح الناتجة عن حرق النباتات العطرية تأتي في الغالب من أبخرة الزيوت العطرية التي تحتويها، ولكل مادة درجة حرارة تبخر واحتراق محددة، ولا ينصح باستنشاق الزيوت العطرية المحروقة”.
وأضاف أن التعرض للعطور والأبخرة الزيتية لبعض النباتات الطبية قد يكون ضروريًا في بعض الأحيان لأغراض علاجية، خاصة لعلاج الجهاز التنفسي العلوي والشعب الهوائية والقصبات الهوائية، إلا أن أنواعًا أخرى قد تسبب الحساسية والتهيج للجهاز التنفسي.
وأكد المختصون أن صحة الفم يمكن أن تحدد الصحة العامة للشخص، وأن ضعف صحة الفم قد يشير إلى أو يساهم في العديد من المشكلات الصحية، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية، السكري، والتهابات الجهاز التنفسي.
كما أوضح الدكتور محمد يوسف جان، أخصائي الطب الباطني في مستشفى زليخة بدبي، أنه “من خلال الحفاظ على صحة الفم، يمكن تقليل خطر إدخال البكتيريا الضارة إلى الجهاز التنفسي. ومع ذلك، فإن البخور الطبيعي عالي الجودة يشكل مخاطر صحية ضئيلة عند استخدامه باعتدال ووعي سليم”.
وأخيرا وليس آخرا
على الرغم من أن البخور جزء لا يتجزأ من التراث والثقافة في دولة الإمارات، إلا أن الدراسات والأبحاث الطبية الحديثة تلقي الضوء على المخاطر الصحية المحتملة المرتبطة باستخدامه. يبقى السؤال: كيف يمكن الموازنة بين الحفاظ على التقاليد وتجنب المخاطر الصحية المحتملة؟ هل سنشهد تنظيمات جديدة تحد من استخدام البخور في الأماكن العامة لحماية صحة المجتمع؟










