بيوت منتصف الطريق في أبوظبي: دعم شامل للمتعافين
لا تقتصر مهمة بيوت منتصف الطريق في أبوظبي على توفير مأوى للمتعافين من الإدمان، بل تتعداها إلى تقديم نظام علاجي متكامل ومنظم، يهدف إلى دمجهم مجددًا في المجتمع بكفاءة وفعالية.
تعتمد هذه البيوت على أساليب علاجية مبتكرة وشاملة، تولي اهتمامًا خاصًا بإشراك أفراد العائلة في عملية التعافي، وتساعدهم على الاندماج التدريجي في المجتمع. وقد أوضح أطباء متخصصون من المجد الإماراتية كيف يدعم هذا المشروع إعادة دمج الأفراد في المجتمع بشكل مستدام.
انطلاق المشروع وأهدافه
أُطلق مشروع بيوت منتصف الطريق في مايو 2023 من قبل هيئة رعاية الأسرة، بهدف تقديم الدعم اللازم للأفراد بعد إتمامهم مرحلة إزالة السموم الطبية أو تلقي الرعاية النفسية اللازمة. وأكدت مديرة عام هيئة رعاية الأسرة، أن الهدف الأساسي هو إعادة دمج المتعافين في المجتمع ليصبحوا عناصر فاعلة اقتصاديًا واجتماعيًا بعد انتهاء فترة العلاج.
تتميز بيوت منتصف الطريق التابعة لهيئة رعاية الأسرة بجمعها بين خدمات المرضى الداخليين والخارجيين، بطاقة استيعابية تصل إلى 21 مريضًا مقيمًا وما يقارب 200 مريض في العيادات الخارجية، ما يجعلها أكثر شمولية من مراكز التأهيل التقليدية.
رحلة تعافي منظمة ومتكاملة
تستقبل بيوت منتصف الطريق الحالات المحولة إليها مباشرة، أو عن طريق مرافق العلاج الأخرى، أو من خلال الشرطة والنيابة والمحاكم. وأشارت العميمي إلى أن العمل يتركز على إعادة برمجة السلوك الإنساني، من خلال التركيز على الجوانب النفسية والعاطفية والمهنية، وتعزيز قدرة الفرد على العودة إلى الحياة الطبيعية وتحمل مسؤولياته.
يعتمد برنامج بيوت منتصف الطريق نهجًا تدريجيًا ومنظمًا. وأوضحت مديرة قسم بيوت منتصف الطريق أن المرحلة الأولى تركز على الاستقرار الطبي خلال الشهر الأول، بينما تهتم المرحلة الثانية بالتأهيل النفسي والاجتماعي، من خلال برامج متخصصة مثل العلاج السلوكي. أما المرحلة الثالثة، فهي مرحلة إعادة الإدماج، حيث يتم التأكد من قدرة الشخص على العمل والاستعداد لمقابلات التوظيف والاندماج التدريجي في المجتمع.
برنامج يومي متكامل
يتميز البرنامج اليومي في بيوت منتصف الطريق بتنظيمه الدقيق. حيث يبدأ اليوم بالاستيقاظ وتناول وجبة الإفطار والأدوية، ثم ممارسة التأمل، يليه العلاج الجماعي.
تغطي الجلسات العلاجية جوانب متعددة مثل العلاج السلوكي المعرفي، والعلاج السلوكي الجدلي، والوقاية من الانتكاس، وبرنامج الـ 12 خطوة. وفي فترة ما بعد الظهر، يمارس المستفيدون التمارين الرياضية، ويخصص لهم وقت للقراءة والواجبات المنزلية والترفيه تحت الإشراف. وفي نهاية اليوم، تُعقد جلسات للتفكير، وتُطفأ الأنوار بحلول منتصف الليل.
دور الأسرة في صميم عملية التعافي
يتميز نموذج أبوظبي بدمج العائلات في عملية التعافي. فالأسرة تمثل نظام دعم مهمًا، يساعد على تجنب إصدار الأحكام السلبية من قبل المجتمع أو أفراد العائلة.
تبدأ مشاركة الأسرة منذ اليوم الأول، من خلال تقديم استشارات أسرية وعلاج أسري وعلاج للأزواج، حسب الحالة الاجتماعية. ويهدف البرنامج إلى تغيير النظرة السلبية للإدمان، وفهم أنه اضطراب وليس مجرد سلوك سيئ.
منع الانتكاس أولوية قصوى
يُعدّ منع الانتكاس أولوية قصوى للبرنامج، من خلال وضع خطط فردية تتناول ثلاثة عوامل خطر رئيسية، هي الأماكن والمواقف والأشخاص. وتتضمن الخطة تجنب الأماكن التي تحمل ذكريات مرتبطة بالتعاطي والأشخاص الذين لا يزالون يتعاطون. وفي حال تعرض المستفيد لموقف خطير، يُشجع على العودة إلى الفريق الطبي للحماية.
وقد أثبت هذا النهج فعاليته، حيث تمكن معظم المستفيدين من الاندماج بنجاح مع عائلاتهم، وحصل نصفهم على الأقل على وظائف في القطاع الخاص.
علاجات مبتكرة وغير تقليدية
تستخدم بيوت منتصف الطريق مجموعة من الأساليب العلاجية المبتكرة، مثل العلاج النفسي بمساعدة الخيول، الذي يساعد المستفيدين على التعبير عن صراعاتهم العاطفية التي لا يمكنهم التعبير عنها لفظيًا.
كما يُستخدم الارتجاع العصبي لاستهداف مناطق معينة في الدماغ مرتبطة بالإدمان والاكتئاب واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، بهدف تعديل وظيفة خلايا الدماغ للعودة إلى مستوياتها الطبيعية. ويدعم العلاج بالفن والحركة التعبير العاطفي.
عودة تدريجية إلى الحياة الطبيعية
يتم دمج المستفيدين في المجتمع بحذر وتدريج. حيث يقضي المريض يومين في المنزل ثم يعود إلى بيت منتصف الطريق، وتزداد الأيام التي يقضيها في المنزل تدريجيًا مع التأكد من تطبيقه للمهارات التي تعلمها. وفي حال واجه تحديات، يجب أن يعود إلى الفريق الطبي.
البرنامج تطوعي، وهو ما يعتبر عامل نجاح في حد ذاته. فطالما أن الشخص يرغب في العلاج طواعية، تتحقق النتائج الإيجابية.
التحديات والمخاوف
بالنسبة للكثيرين، أكبر خوف ليس من المخدرات، بل من الحياة نفسها. فالعيش في بيئات منظمة لفترة طويلة يجعلهم يشعرون بالخوف عند المغادرة، ويخشون عودة الشك وانعدام الثقة من قبل عائلاتهم.
تأمل هيئة رعاية الأسرة في توسيع هذا النموذج في جميع أنحاء إمارة أبوظبي، لدعم هذه المجموعة التي تحتاج إلى هذا النوع من الدعم الطبي والاجتماعي للعودة إلى الحياة الطبيعية.
وأخيرا وليس آخرا
تبرز بيوت منتصف الطريق في أبوظبي كنموذج رائد ومتكامل لدعم المتعافين من الإدمان، من خلال توفير بيئة علاجية شاملة ومنظمة، تركز على إعادة دمجهم في المجتمع كأفراد فاعلين ومسؤولين. يبقى السؤال مفتوحًا حول إمكانية تعميم هذا النموذج على نطاق أوسع، والاستفادة من الأساليب العلاجية المبتكرة التي يقدمها، لتحقيق نتائج أكثر استدامة وفاعلية في مجال مكافحة الإدمان.










