كنوز مدافن جبل حفيت: نافذة على تاريخ الإمارات العريقة
تعتبر مدافن جبل حفيت من أبرز المواقع الأثرية في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تحتضن بين جنباتها شواهد حية على حضارات تعاقبت على هذه الأرض. في هذا المقال، نغوص في تفاصيل هذه المدافن، مستعرضين أهميتها التاريخية والأثرية، والاكتشافات التي كشفت عنها.
لمحة عن مدافن جبل حفيت
تُعرف أيضًا باسم مقابر جبل حفيت، وهي عبارة عن مدافن يعود تاريخها إلى ما يقارب 5000 عام. يزيد عددها عن 500 مدفن، تم العثور عليها في جبل حفيت، الذي يُعدّ من أعلى الجبال في إمارة أبو ظبي وثاني أعلى جبل في دولة الإمارات. تعود هذه المقابر إلى العصر البرونزي، وتشير المصادر إلى أن بناءها استغرق حوالي 500 عام، وتحديدًا بين عامي 3200 و 2700 قبل الميلاد. من أبرز المدافن التي تم اكتشافها خلال عمليات التنقيب الأثرية، تلك التي وُجدت في السفوح الشرقية لجبل حفيت، بالإضافة إلى المقابر الواقعة شمالًا باتجاه مدينة العين. تُعتبر مدافن جبل حفيت دليلًا قاطعًا على أن البشر قد استوطنوا منطقة العين منذ نهاية الألفية الرابعة قبل الميلاد، كما عُثر في الموقع على العديد من القطع الأثرية القيّمة.
تاريخ مدافن جبل حفيت
واحات العين والبريمي: مهداً للحضارات القديمة
خلال عصور ما قبل التاريخ، تميزت كل من واحة العين وواحة البريمي بوفرة المياه، والتي استُخدمت في الأنشطة الزراعية، مما ساهم في استقرار البشر في المنطقة خلال العصر الحجري والبرونزي والحديدي.
فترة حفيت: حقبة تاريخية فريدة
تنتمي مدافن حفيت إلى فترة تاريخية تُعرف بـ “فترة حفيت” أو “حضارة حفيت”، والتي يرجع تاريخها إلى الفترة بين الأعوام 3200 و 2700 قبل الميلاد تقريبًا. يرى بعض المؤرخين أن هذه الحضارة كانت جزءًا من حضارة ماجان التي ازدهرت قديمًا في المنطقة.
اكتشافات أثرية تعود إلى منتصف القرن العشرين
بالنسبة لمدافن جبل حفيت الواقعة على سفوح الجبل، يعود تاريخ اكتشافها إلى العام 1950م. في عام 1959م، قامت بعثة دنماركية بإجراء عمليات تنقيب في الموقع، حيث تم العثور على هياكل عظمية، ودلائل تشير إلى أن كل مقبرة كانت تحتوي على ما يصل إلى عشرة أفراد. بالإضافة إلى ذلك، تم العثور على اكتشافات أثرية أخرى تدل على أهمية المنطقة في العصور القديمة.
وصف مدافن جبل حفيت
تتميز مدافن جبل حفيت بطراز معماري فريد ذي شكل مقبب. يتكون كل مدفن من غرفة واحدة، تتميز بشكلها البيضوي أو الدائري، ويبلغ عرض (أو قطر) كل واحدة منها 2-3 أمتار. تشمل المواد المستخدمة في البناء صخورًا تم تكسيرها بأشكال مختلفة، أو صخور استُخدمت كما هي، وجميعها من البيئة المحلية. تم بناء المدافن باستخدام هذه الصخور بأسلوب لا يُوصف بالمتناسق. يحيط بكل غرفة في المدافن جدران يبلغ ارتفاعها 3-4 أمتار، وتنحدر هذه الجدران نحو الغرفة من الداخل، حتى تلتقي مع بعضها، وتشكل قبة تعلو المدفن. أما المداخل في مقابر جبل حفيت فهي ضيقة، وتستطيع كل واحدة من المدافن استيعاب رفات 2-5 أفراد. على النقيض من ذلك، كانت مدافن أم النار، التي تنتمي إلى حضارة أم النار التي قامت لاحقًا في المنطقة، تستوعب المئات من الأفراد الذين كان يجري دفنهم فيها.
الاكتشافات الأثرية في مدافن جبل حفيت
كشفت عمليات التنقيب في الموقع عن قطع أثرية تعتبر دليلاً على التبادل التجاري الذي كان قائمًا في تلك الفترة مع حضارات أخرى، مثل بلاد الرافدين وبلاد فارس ووادي السند. تشمل هذه القطع الأواني الفخارية، والخرز، والخناجر، والدبابيس النحاسية، والتحف النحاسية. كما تم العثور على قطع أثرية تدل على أن مدافن جبل حفيت قد أُعيد استخدامها في عصور لاحقة، وخاصة العصر الحديدي، ومنها أوانٍ صنعت من الحجر الصابوني (الحجر الأملس) ورؤوس حراب وخناجر.
الأهمية التاريخية لمدافن جبل حفيت
تعكس الأمور التالية المكانة والأهمية التاريخية لمدافن جبل حفيت:
- تدل العديد من الاكتشافات الأثرية التي تم العثور عليها في موقع مدافن جبل حفيت على المهارات المرتبطة بالحرف اليدوية، والتي ميزت سكان العين قديمًا.
- بسبب الأهمية التاريخية التي تحظى بها مدافن جبل حفيت، فقد تم إدراجها في قائمة مواقع اليونسكو للتراث العالمي في عام 2011، وهي بذلك واحدة من 4 مواقع في منطقة العين تم إدراجها في القائمة.
- يتم عرض العديد من القطع الأثرية المكتشفة في مدافن جبل حفيت في متحف العين الوطني.
- تشرف دائرة الثقافة والسياحة في أبو ظبي على مدافن جبل حفيت، وهي مفتوحة للزيارة طوال أيام السنة.
و أخيرا وليس آخرا:
تُعتبر مدافن جبل حفيت كنزًا تاريخيًا يجسد عراقة وأصالة دولة الإمارات العربية المتحدة. فمن خلال هذه المدافن، نطل على حقبة زمنية موغلة في القدم، ونستكشف جوانب من حياة ومعتقدات أولئك الذين استوطنوا هذه الأرض قبل آلاف السنين. فهل ستظل هذه المدافن مصدر إلهام للأجيال القادمة، وشاهدًا على غنى التراث الإماراتي؟









