حماية الطفل في مدارس الإمارات: جهود متكاملة لمكافحة التنمر
بالنسبة لكل أب وأم، يمثل التنمر هاجساً كبيراً، سواء كان الخوف من أن يقع طفلهم ضحية له أو أن يتحول هو نفسه إلى متنمر.
في دولة الإمارات العربية المتحدة، تتخذ المدارس خطوات جادة للتأكيد على فهمها العميق لهذا القلق، مؤكدة أن أنظمة حماية الطفل اليوم تتميز بقوة وشفافية وتركيز أكبر على مصلحة الطفل، أكثر من أي وقت مضى.
تتبنى المدارس سياسة عدم التسامح مطلقاً مع التنمر، مستندة في ذلك إلى القانون الاتحادي رقم 3 لسنة 2016، المعروف باسم قانون وديمة، الذي يهدف إلى حماية الأطفال من جميع أشكال الإساءة، بما في ذلك التنمر.
قوانين صارمة وغرامات للمخالفين
تفرض الدولة غرامات مالية تصل إلى مليون درهم على المؤسسات التعليمية التي تتهاون في التعامل مع حالات التنمر، وقد يصل الأمر إلى حد إغلاق المؤسسة. لكن قادة المدارس يؤكدون أن الهدف الأسمى يتجاوز مجرد الامتثال للقانون، إذ يركزون بشكل أساسي على الاكتشاف المبكر لحالات التنمر، وتعزيز التواصل المفتوح، وتقديم الدعم اللازم للضحايا والجناة على حد سواء.
قنوات إبلاغ واضحة وثقافة التحدث
تبنت معظم مدارس الإمارات أنظمة إبلاغ متعددة المستويات، تشمل قنوات سرية للإبلاغ، وبرامج توجيه الأقران، ومراجعات سنوية للسياسات، بما يتماشى مع المعايير المحلية والدولية.
يؤكد مديرو المدارس على إمكانية إبلاغ فرق حماية الطفل المركزية أو وحدات حماية الطفل أو السلطات المختصة بشكل مباشر عن أي مخاوف تتعلق بالتنمر، مما يضمن عدم تجاهل أي بلاغ.
في مدرسة جميرا للبكالوريا، تشدد ميليسا كلاريدج، مساعدة المدير للشؤون الرعوية، على أهمية التفاعلات اليومية في الكشف المبكر عن علامات الاستغاثة.
تساعد الفحوصات المنتظمة في تحديد العلامات المبكرة للاضطراب أو المشكلات الاجتماعية. يرى معلمو الفصول الطلاب يومياً وأثناء دروس التطوير الشخصي الأسبوعية، مما يجعلهم في وضع جيد لملاحظة التغييرات الطفيفة في المزاج أو السلوك.
إن سؤالاً بسيطاً مثل “كيف حالك؟” يمكن أن يفتح الباب أمام محادثات أعمق. كما أن توثيق المخاوف يساعد على تتبع الأنماط وضمان اتساق التدخلات. هذا النهج المتعدد الطبقات يمكّن الموظفين من التمييز بسرعة بين تقلبات المزاج الطبيعية والمؤشرات المحتملة للتنمر.
تعزيز ثقافة الدعم والمساءلة
تضيف كلاريدج أن الجلسات الأسبوعية تساعد الطلاب على التمييز بين المزاح البريء والسلوك الضار، وتشجعهم على الدفاع عن أنفسهم وعن الآخرين. يتم تشجيع التلاميذ على التحدث علناً عن أنفسهم وأقرانهم. وبدلاً من مجرد فرض العقوبات، تركز المدرسة على إصلاح العلاقات وتعزيز المساءلة. قد تؤدي حالات التنمر المتعمد المثبتة إلى الإيقاف أو الفصل.
مراقبة السلوك والدعم التصحيحي
في مدرسة غرينفيلد الدولية، يتم تدريب المعلمين على تحديد حتى التغييرات الطفيفة في سلوك الطلاب.
يوضح نيال كرولي، نائب رئيس المرحلة الابتدائية والمسؤول عن حماية الطفل، أن مراقبة الرفاهية تبدأ بإجراء فحوصات بسيطة وغير رسمية.
ويشير إلى أنه في حال ظهور تغيير في سلوك الطالب، مهما كان صغيراً، تتم مراقبة رفاهيته من قبل معلمه من خلال فحوصات غير رسمية داخل وخارج الفصل. وفي حال ظهور نمط مثير للقلق، يتم التواصل مع أولياء الأمور لضمان دعم الطفل بشكل كامل. من المهم أيضاً الاستماع إلى وجهة نظر الطفل حول شعوره وسبب ذلك، سواء من خلال محادثة أو أنشطة لعب موجهة أو من خلال التفكير الذاتي.
ويضيف أنه عندما ترتبط التغييرات السلوكية بأفعال الآخرين، تحقق المدرسة على الفور لتحديد السبب الجذري للقلق. وباتباع نهج العدالة التصالحية، يتحمل الطلاب مسؤولية أفعالهم ويتم إبلاغ أولياء الأمور في كل مرحلة. وفي الحالات النادرة جداً للتنمر (السلوك المستهدف والمتكرر من طالب لآخر)، يتم الالتزام بسياسة السلوك الخاصة بالمدرسة لضمان معالجة هذه الحالات وتوثيقها ومتابعتها.
يؤكد كرولي على أهمية العمل الوقائي، من خلال رفع الوعي بأهمية اتخاذ خيارات إيجابية من خلال مبادرات مثل أسبوع مكافحة التنمر، بالإضافة إلى تنفيذ منهج الرفاهية في جميع الصفوف.
ويوضح أنه بعد أي حادث، تتم مراقبة كل طفل متأثر – سواء كان ضحية أو مسؤولاً – عن كثب لضمان دعم جميع الطلاب لاتخاذ خيارات إيجابية تؤثر بشكل إيجابي على أنفسهم ومن حولهم.
الآباء كشركاء في الحماية
في مؤسسة جيمس للتعليم، تشدد فرق الحماية على أن التحولات السلوكية – الأكاديمية أو العاطفية أو الاجتماعية – تؤخذ على محمل الجد.
تشير كلير سكوين، رئيسة فريق حماية الطفل، إلى أن الاكتشاف المبكر يعتمد على الاستماع بعمق للأطفال والآباء. وتضيف أن أي تغيير ملحوظ في سلوك الطفل أو حضوره أو أدائه الأكاديمي أو حالته العاطفية يتم التعامل معه على أنه مصدر قلق محتمل. تتبع المدارس، تماشياً مع سياسة مكافحة التنمر وسياسة حماية الطفل وتوقعات هيئة المعرفة والتنمية البشرية (KHDA) للحماية، عملية منظمة للتعرف المبكر تعطي الأولوية لصوت الطفل والفهم الشامل. الاكتشاف المبكر يدور بشكل أساسي حول خلق ثقافة مدرسية يشعر فيها الطلاب بأنهم مسموعون ومصدقون ومدعومون.
التواصل الفعال مع أولياء الأمور
توضح سكوين أن المحادثات المبكرة مع الآباء تتم في جو خالٍ من الأحكام وداعم. وتقول: “نبدأ بالاستماع، ومنح الآباء مساحة لشرح مخاوفهم. نحن ندرك أن التواصل قد يكون صعباً، ونطمئن العائلات بأن دورنا هو الدعم وليس اللوم”.
وتضيف: “بالنسبة للآباء القلقين من أن طفلهم قد يتنمر على الآخرين، فإننا نؤكد أن السلوك هو شكل من أشكال التواصل وأن تركيزنا ينصب على الفهم والتعليم والتغيير السلوكي الإيجابي – وليس العقاب. وبالنسبة لآباء الأطفال الذين قد يتعرضون للتنمر، فإننا نؤكد صحة مخاوفهم ونشرح بوضوح الخطوات التي ستتخذها المدرسة للتحقيق وحماية طفلهم وإبقاء الأسرة على اطلاع دائم”.
وتشير سكوين إلى أن الاستشارة والرعاية الرعوية والتواصل المستمر مع العائلات تشكل العمود الفقري لنهجهم. وتوضح أن الرعاية الرعوية والاستشارة والدعم المنظم للرفاهية متوفرة. كما أن صوت الطالب يؤثر في الاستجابة؛ حيث يشارك الطلاب في القرارات عند الاقتضاء، ويتم إطلاعهم على الخطوات التالية، ويتم إجراء فحوصات منتظمة للتأكد من شعورهم بالاستماع والدعم. وكما هو مطلوب من هيئة المعرفة والتنمية البشرية، يتم أيضاً تحديث الآباء في كل مرحلة، مما يعزز الشفافية والشراكة.
يتم وضع العمل التصحيحي في مركز تصحيح السلوك. تلعب الممارسة التصالحية دوراً مهماً في الموازنة بين الانضباط والتعاطف.
ضمان شعور كل طفل بالأمان
في مدرسة وودليم بارك في القصيص، يكرر المدير أنطوني كوشي أن أي تحول سلوكي يؤدي إلى تفعيل إجراءات الحماية الفورية.
ويوضح أن أي تغيير في سلوك التلميذ يتم التعامل معه على أنه تنبيه للحماية بموجب سياسة سلامة وحماية الطلاب الخاصة بالمدرسة. ويضيف: “نتواصل مع العائلات على الفور، ونستمع دون إصدار أحكام، ونتبع إجراءاتنا المتوافقة مع هيئة المعرفة والتنمية البشرية للتحقيق في المخاوف. يوازن نهجنا بين المساءلة الحازمة والاستشارة والدعم التصالحي، مما يضمن حصول كل طفل – سواء كان متأثراً أو مؤثراً على الآخرين – على التوجيه اللازم ليشعر بالأمان والدعم في المدرسة”.
و أخيرا وليس آخرا : تضافر جهود المدارس الإماراتية، مدعومة بالقوانين الصارمة والشراكة الفعالة مع أولياء الأمور، يشكل خط الدفاع الأول لحماية الأطفال من التنمر. يبقى السؤال: كيف يمكننا تطوير هذه الجهود لتشمل المجتمع بأكمله، لخلق بيئة آمنة وداعمة لجميع أطفالنا؟










