أبوظبي: شواهد تاريخية على مر العصور في ندوة ثقافية
في سياق موسمه الثقافي لعام 2025، استعرض الأرشيف والمكتبة الوطنية في ندوة ثقافية بعنوان “آثار وشواهد في تاريخ أبوظبي العريق”، الأدلة التاريخية التي تؤكد عمق تاريخ أبوظبي. تأتي هذه المبادرة في إطار حرص المؤسسة على إبراز دور التاريخ في تشكيل الهوية الوطنية. وقد سلطت الندوة الضوء على معالم تاريخية بارزة وشواهد حضارية قديمة حظيت باهتمام كبير من القيادة الرشيدة، التي أكدت على أهمية الحفاظ عليها للأجيال القادمة، باعتبارها جسوراً تربط الحاضر بتاريخ الوطن العريق وبأمجاد الأجداد التي تمثل إرثاً وطنياً يجب صونه.
دور الآثار في إبراز الخصوصية الثقافية
أدارت الندوة الدكتورة حسنية العلي، مستشار التعليم في الأرشيف والمكتبة الوطنية، والتي أشارت إلى أن تزامن الندوة مع عام المجتمع يضاعف من أهميتها، مؤكدة على دور الآثار والشواهد التاريخية في إبراز الخصوصية الثقافية والتراثية لإمارة أبوظبي، والتي تعكس مسيرتها المظفرة وتطورها المستمر تحت القيادة الرشيدة نحو مستقبل مزدهر.
عمق تاريخ الإمارات العربية المتحدة
بدأت الأستاذة شيخة الجابري، المستشار الثقافي بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، الندوة بالإشارة إلى أن مجتمع إمارة أبوظبي جزء لا يتجزأ من مجتمع الإمارات الأوسع. وأوضحت أن كل منطقة في الإمارات تزخر بالدلائل والآثار التي تشير إلى أن حضارة دولة الإمارات العربية المتحدة ضاربة بجذورها في عمق التاريخ. تتميز الإمارات بوجود مستوطنات بشرية قديمة، وتنوع بيئي فريد، وتراث غني بالعادات والتقاليد والموروث الثقافي الذي يمنحها تفردًا وتميزًا.
شواهد تاريخية بارزة
استشهدت الجابري بآثار هيلي وأم النار، وجبل حفيت ومليحة، وجزيرة دلما وجزيرة صير بني ياس، وجزيرة غاغا، وغيرها من المواقع الأثرية. وأكدت أن اللقى الأثرية المكتشفة تتماثل مع مكتشفات أخرى في بلاد فارس والرافدين وبلاد السند، وتشير إلى التعايش مع الحضارات الهلنستية والهيلينية، ثم الحضارة الإسلامية، وصولًا إلى دخول البرتغاليين. هذا يؤكد استمرارية الوجود البشري على أرض الإمارات، مما يمنحها تراثًا عريقًا وتاريخًا مجيدًا.
الدور الاقتصادي في تشكيل الهوية
أشارت الجابري إلى الدور الذي لعبته الحركة الاقتصادية في أبوظبي، والمرتبطة بالصيد والغوص على اللؤلؤ، في تشكيل هوية المنطقة. وتؤكد اللقى الأثرية أن ساس النخل كان ميناء بحريًا مزدهرًا. وأكدت أن مدينة العين غنية بالشواهد التاريخية، والأفلاج التي حظيت باهتمام الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان -طيب الله ثراه- تعد دليلًا على تاريخية المنطقة، بالإضافة إلى المقتنيات النادرة في متحف العين الذي يعكس اهتمام الشيخ زايد المبكر بالآثار.
أهمية الاستدامة الثقافية والذاكرة الوطنية
أكد الأستاذ صقر خالد السويدي، الباحث في مركز تريندز للبحوث والاستشارات، على أهمية الاستدامة الثقافية واستدامة الذاكرة الوطنية، معتبراً ذلك واجبًا وطنيًا. وأشار إلى أهمية تحويل التراث من مجرد سجل للماضي إلى أداة لفهم الحاضر وصياغة المستقبل. وأكد أن الزيارات الطلابية للمواقع الأثرية والمتاحف تساهم في توعية النشء بأهمية التراث وتعزيز مشاعر الفخر والاعتزاز بالانتماء الوطني.
العلاقة بين الهوية والتراث
استعرض السويدي أهم المواقع الأثرية مثل قصر الحصن، والمواقع في صير بني ياس، وأم النار، وجبل حفيت، مشيراً إلى أن هذه الآثار تستدعي الاهتمام بالتاريخ غير المادي المتمثل في المرويات الشفهية والحرف التقليدية، والفنون المحلية ومظاهر الحياة اليومية، لما لها من أهمية في فهم روح المكان والحفاظ على الذاكرة الثقافية. وتحدث عن العلاقة التبادلية بين الهوية والتراث، مؤكداً أن الهوية الوطنية لا تبنى على الحدود السياسية فقط، وإنما على القيم الثقافية أيضاً، وأن الآثار ليست مجرد دليل على الماضي، بل هي إطار مرجعي لفهم الذات ومصدر إلهام لمواجهة التحديات المعاصرة.
و أخيرا وليس آخرا
في ختام هذه الندوة الثقافية، يتبين لنا الدور المحوري الذي يلعبه الأرشيف والمكتبة الوطنية في إحياء الذاكرة الجماعية وتسليط الضوء على الشواهد التاريخية التي تؤكد عراقة أبوظبي. هذه المبادرات لا تعزز فقط من فهمنا لتاريخنا، بل تلهمنا أيضاً للمحافظة على هذا الإرث الثقافي للأجيال القادمة. فهل يمكن اعتبار هذه الجهود كافية لضمان استدامة الذاكرة الوطنية في ظل التحديات المعاصرة؟








