مهرجان التراث البحري في أبوظبي: نافذة على الماضي العريق
في نسخته الرابعة، تألق مهرجان التراث البحري 2025 في أبوظبي ليحول كورنيش العاصمة إلى قلب نابض بالحياة البحرية لمدة عشرة أيام. لقد كان تحولاً مدهشاً، حيث أصبح الكورنيش نقطة التقاء تجمع بين الترفيه والمعرفة، ويحكي قصص الماضي الساحلي لدولة الإمارات بأسلوب جذاب يأسر الزوار من جميع الأعمار.
نظرة عامة على المهرجان
تمتد فعاليات المهرجان من 14 إلى 23 نوفمبر في منطقة عَ البحر على كورنيش أبوظبي، بتنظيم من دائرة الثقافة والسياحة بأبوظبي.
هذا الحدث يمثل احتفاءً بالإرث الثقافي البحري الإماراتي، ويستقطب العديد من الجهات التراثية والمكتبة الوطنية لعرض وثائق وصور نادرة تثري التجربة المعرفية وتزيد من قيمة الأنشطة المتنوعة.
أنشطة تفاعلية تثري التجربة
عيش تجربة الأجداد
ينتقل الزائر بين أروقة مخصصة تجسد حياة الأجداد وقيمهم، مما يتيح له فرصة التعلم المباشر من الحرفيين. يتم ذلك من خلال عروض حية تكشف أسرار سبع من الحرف التقليدية الإماراتية، مثل صناعة الحبال، والمجاديف، والأشرعة، والمالح، وشباك الصيد وغيرها. إن مشاركة الشباب في محور الحرفيين الشباب تمثل فرصة ذهبية لنقل المهارات إلى الأجيال الجديدة وتوثيقها بشكل عملي.
بيت الحرفيين ومعرض اللؤلؤ
يسلط بيت الحرفيين الضوء على رحلة الغوص بحثاً عن اللؤلؤ، مقدماً معرضاً فنياً يصور مراحل المغامرة البحرية وتحديات الأجداد في مواجهة الأمواج وتقلبات الظروف. كما يستمتع الزوار بسماع القصص ومشاهدة الأدوات المرتبطة بالحرف من خلال ركن حماة التراث، حيث يعرض الخبراء مهاراتهم وقصصهم التراثية.
أسواق وتفاعل مباشر مع التراث البحري
سوق السمك: تجربة حية
يعد سوق السمك من أبرز محطات المهرجان، حيث يفتح أبوابه للتفاعل مع الصيادين في مزاد علني للأسماك يمكن للزوار المشاركة فيه وشراء الأسماك وتحضيرها في محال السوق، مما يعيد إحياء أجواء المزادات والمهن القديمة. أما دكان الحرف البحرية، فيمنح الزوار فرصة معايشة واقعية لصناعة الأدوات التقليدية التي تمثل جزءاً مهماً من الثقافة الساحلية.
منطقة ميلس السيف والضيافة الإماراتية
تجمع منطقة ميلس السيف بين التواصل وتجربة المجتمع الإماراتي من خلال عروض الفنون الشعبية، مثل فن الصوت، واليزوة، والعيالة الساحلية، والنعاشات، والأهلة والنهّمة. وقد أضاف المهرجان هذا العام بيت القهوة لتجسيد معنى الضيافة الإماراتية، حيث يتعلم الضيوف السنع المرتبط بتحضير وتقديم القهوة، مع التركيز على الأحاسيس الأصيلة المرتبطة بهذا الطقس الاجتماعي.
عروض مبتكرة تأسر الحواس
مسار القيم وتجربة الدانات
ابتكر المهرجان تجربة صوتية ثلاثية الأبعاد في مسار القيم من التراث البحري، حيث تتداخل المؤثرات الصوتية مع الأعمال الفنية لإنشاء قصة تنقل قيم المجتمع الإماراتي البحري من خلال مشاهد جذابة وسقف ممر مزين بحبات اللؤلؤ كرمز لقيمته التاريخية. بالإضافة إلى ذلك، يقدم عرض الدانات دراما موسيقية على المسرح تحكي تحديات حياة الغواصين وتسرد عادات وتقاليد مجتمع البحر قديماً.
تجربة الصياد والألعاب الشعبية
توفر منطقة على المحمل تجربة الصياد، حيث يتعلم الزوار، وخاصة الأطفال والعائلات، مهارات الصيد بالسنارة وأسرار وتقنيات الصيد القديمة. كما يضم المهرجان مساحة للألعاب الشعبية التي تعزز الروح الرياضية وتنقل مفاهيم العمل الجماعي وقيم التضامن التي كانت سائدة في الحياة الساحلية.
السوق والمشاركات المجتمعية
يضم السوق في المهرجان أكثر من 23 محلاً للأسر المنتجة، و36 مطعماً تقدم مأكولات بحرية محلية، بالإضافة إلى مشاركة 28 جهة شريكة وداعمة من المجتمع المحلي.
جوهر المهرجان ورسالته
يهدف مهرجان التراث البحري إلى إبراز القيم الإماراتية المتجذرة وكيفية انتقالها بين الأجيال، من خلال تجربة تفاعلية تجمع بين أصالة الماضي وروح العصر، داعياً جميع الفئات الاجتماعية للانغماس في عالم البحر الإماراتي واكتشاف الإرث الثقافي الذي أثر في هوية الإمارة. تعزز مشاركة الأرشيف والمكتبة الوطنية هذه الرسالة من خلال توثيق الجذور والصور النادرة، وتقديم روايات وتجارب حية تتجسد في لقاءات مباشرة مع الحرفيين وخبراء التراث الذين يعملون على إحياء ذاكرة البحر ونقلها إلى الأجيال القادمة.
دور المرأة والأنشطة المجتمعية
لم يغفل المهرجان الاهتمام بدور المرأة في المجتمع الساحلي الإماراتي، حيث تشارك الأسر المنتجة في السوق بعرض منتجات محلية، ويحظى الأطفال بمجموعة من الورش التي تمكنهم من التفاعل مع الموروث وتجربة حرف البحر تحت إشراف خبراء وحرفيين متخصصين. كما يشمل الحدث مبادرات لتعزيز التوعية البيئية، من خلال عروض حول حماية الحياة البحرية وتنمية روح المسؤولية لدى الصغار والكبار، بما يتماشى مع الرسالة الثقافية والمجتمعية للمهرجان.
وأخيراً وليس آخراً
هذه الرحلة التراثية المميزة ليست مجرد معرض ثقافي، بل حدث حي يستحضر الذاكرة الجماعية الإماراتية، ويمنح الزوار تجربة تفاعلية أصيلة تكشف قوة العلاقة بين الإنسان والبحر، فهل سيستمر هذا المهرجان في تعزيز الهوية الوطنية ونقلها للأجيال القادمة؟









