نادي ساجرا للعشاء الرمضاني: احتفاء بالقصص والتراث في قلب دبي
في أمسية رمضانية ساحرة من شهر مارس، تزدحم إحدى الفيلات الأنيقة في جميرا بأصداء الأحاديث الممتعة، وروائح الأسماك المشوية الشهية، وحكايات مستوحاة من الأساطير القديمة. يجتمع الضيوف، الذين غالباً ما يكونون غرباء عن بعضهم البعض، حول موائد الإفطار الأنيقة، ليشاركوا الخبز معاً للمرة الأولى. مع مرور الوقت، ينغمس الحاضرون في نادي ساجرا للعشاء الرمضاني في الاستماع إلى قصص آسرة يرويها رواة محترفون، ويستمتعون بأطايب قائمة الطعام الشرق أوسطية والإيطالية المُعدّة خصيصاً لهذه الليلة.
جوهر نادي ساجرا: الاحتفاء بالتراث الثقافي المشترك
تقول باولا بالبي، راوية القصص الشهرية والمؤسسة المشاركة لنادي ساجرا لسرد الحكايات في دبي: “لا يوجد ما هو أبهج من ترابط المجتمعات من خلال تبادل القصص. جوهر نادي الإفطار لدينا هو الاحتفاء بالتراث الثقافي المشترك، وما هو أفضل من شهر رمضان المبارك لنتشارك الجلوس والاستمتاع بالقصص؟” انطلق هذا النادي الفريد في عام 2023، نتيجة لتعاون بين بالبي، الإيطالية، وصديقتها الهندية، ديبانجانا تشودري، بهدف دمج تجربة سرد القصص مع طقوس “ساجرا” الإيطالية التقليدية. “ساجرا” هي معارض طعام تُقام في القرى الإيطالية الريفية خلال فصل الصيف، حيث يحتفل كل معرض بمكون معين أو وصفة تُطهى طازجة على يد كبار القرية. من خلال نادي العشاء، يسعى المؤسسون إلى إحياء تقليد قديم يتمثل في فتح الأبواب للغرباء.
تجسيد التعددية الثقافية في دولة الإمارات
تجسيداً لروح التعددية الثقافية في دولة الإمارات العربية المتحدة، استضاف نادي ساجرا للعشاء الرمضاني ضيوفاً ينتمون إلى 18 جنسية مختلفة. وبينما كانوا يتذوقون خبز العيد الفلسطيني الهلالي، المغموس بزيت الزيتون، والمقدم مع حساء زيمينو الإيطالي، المكون من الحمص والسبانخ والأعشاب الطازجة والحبار، روت بالبي حكاية فلسطينية قديمة عن امرأة كانت تخبز الخبز وتحتفظ به على حافة النافذة لتشاركه مع الآخرين.
وتضيف بالبي: “القصص التي نرويها متعددة الأوجه، وغالباً ما تحمل رسائل خفية. في بعض الأحيان، تكون مجرد أحداث وحكايات واقعية. كل شخص يستخلص معناها بطريقته الفريدة”.
عروض مسرحية آسرة وحكايات من التراث الإيطالي
بينما يستمتع الضيوف بأطباق التبولة الطازجة، يبدأ لورينزو كافيليا، راوي قصص آخر، بسرد حكاية إيطالية قديمة تدور حول عشبة البقدونس. وفي عرض مسرحي آسر، تقف كافيليا، وهي راوية قصص من إيطاليا، وتحمل هاوناً ومدقةً، وتروي أسطورة قديمة عن أم شابة اضطرت للتخلي عن ابنتها للساحرات بعد أن ضُبط زوجها وهو يسرق البقدونس من حديقة الساحرات. هذه الرواية الجميلة تبقي الجميع في حالة من الانبهار.
تجارب الضيوف وانطباعاتهم
زينة بشير، الوافدة اللبنانية المقيمة في دبي، سمعت عن نادي ساجرا للعشاء قبل أيام قليلة فقط من صديقتها، وهي تحضر الفعالية للمرة الأولى. تقول: “أقرأ القصص لابنتي كل يوم، ولكنني الآن أشعر بالإلهام لإضافة المزيد من المشاعر وحركات اليد لجعلها أكثر متعة”. أما سنا، وهي وافدة سورية، فتؤكد أن الاستماع إلى القصص يجعلها دائماً تفكر في حياتها، وتضيف: “بغض النظر عن خلفيتك، يمكنك التواصل مع القصص الشعبية ودروسها وأصولها. إنها تعيدني دائماً إلى طفولتي عندما كنت أستمع إلى القصص من جدتي”. وبالنسبة إلى سونيا خوسيه، الوافدة الهندية، فإن نادي ساجرا هو وسيلة رائعة لاكتشاف ثقافات أخرى. “إنه لأمر رائع أن نلقي نظرة على الطعام والقصص من جميع أنحاء العالم، بالإضافة إلى فرصة مقابلة العديد من الأشخاص الجدد”.
مواسم “ساجرا” المختلفة وقائمة الطعام الرمضانية
يقول شودري، المؤسس المشارك للنادي: “لكل ساجرا موضوع خاص، يتوافق غالباً مع الموسم والمكونات المتوفرة في ذلك الوقت. تضمنت فعاليات ساجرا السابقة المأكولات البحرية، وبيستو اليقطين تزامناً مع فصل الخريف، وكرنفال، احتفالاً بكرنفال الشارع الإيطالي، وترافل الفستق احتفالاً بمشاعر الحب في عيد الحب. هذه هي ساجرا رمضان الرابعة لدينا، وقائمة الطعام لهذا العام إيطالية فلسطينية”.
بالإضافة إلى حساء الزيمينو والخبز الفلسطيني والتبولة، يشتمل إفطار رمضان على بارميجيانا نابوليتانا (باذنجان مقلي مغطى بصلصة الطماطم وجبنة الموزاريلا والبارميزان)، ولازانيا البيستو، والسمك الغزاوي المخبوز، والباستييرا، وهي فطيرة نابوليتانية للحلوى.
جهود مجتمعية لإحياء التراث الفلسطيني
كانت صاجة رمضان نتاج تعاون بين داليا عرجة، مديرة مخبز كرمية في دبي، التي أعدّت الخبز الفلسطيني، ووصفة السمك الغزاوي المشوي التي جمعتها سيدات غزاويات مسنات، وأُعيد ابتكارها بتوابل من أطباق السماق. وكما هو الحال في الصاجة الإيطالية، لا يقوم بإعداد الطعام طاهٍ محترف، بل بالبي ومساعدوها.
توضح عرجة، وهي وافدة فلسطينية، أن صنع خبز العيد، المخبوز مع الزيتون الطازج والمنكّه بالسمسم والشمر واليانسون، هو تجربة تبعث على الحنين إلى الماضي: “نشأتُ في الأردن ولم أزر فلسطين قط. الطعام الآن هو صلتي بعائلتي وتراثي”.
إحياء مجالس القصص الرمضانية القديمة
يُقدّم الطبق الأخير من الوجبة، وهو الحلوى، مع شاي الأعشاب والقهوة في مجلس الحديقة. توضح بالبي، التي جمعت سلسلة من حكايات الخراريف من الإمارات العربية المتحدة: “أردنا إعادة إحياء مجلس القصص، الذي كان شائعاً خلال شهر رمضان قديماً في الصحراء”. بصفتها راوية قصص شغوفة، أمضت بالبي السنوات القليلة الماضية في البحث وجمع القصص من الإمارات العربية المتحدة على نطاق واسع، والتي تُعد جزءاً من التراث الشفهي المحلي. على الرغم من ضياعها الآن، إلا أن شخصية راوي القصص المتفرغ كانت موجودة في الإمارات العربية المتحدة، على الأقل حتى السبعينيات. يتذكر العديد من كبار السن الذين قابلتهم بمودة كبيرة امرأة تُدعى مريم، كانت تزور منازلهم في بر دبي، لسرد القصص، عندما كان الناس يجتمعون في فناء أو سوق خلال فترة الظهيرة، وأيضاً خلال شهر رمضان بين الإفطار والسحور.
وفي معظم قصص الخراريف، تساعد الحيوانات ذات القوى السحرية الشخصيات على تجاوز الصعوبات. ففي الحكايات الإماراتية، كانت السمكة السحرية تحل محل الجنية العرابة في النسخة المحلية من سندريلا، وفي قصص أخرى، كان الديك الناطق أو الكلب السلوقي هو من يأتي لمساعدة الناس.
القصص كوسيلة لكسر الحواجز وتعزيز التفاهم الثقافي
في مجالس نادي العشاء الرمضاني، تُصبح القصص وسيلة لكسر الجمود بين الضيوف، الذين سرعان ما ينغمسون في أحاديث جانبية. تضيف بالبي: “يميل الكبار إلى قضاء الوقت مع أفراد من مجتمعاتهم الخاصة، لذا نحن بحاجة إلى سرد القصص لكسر هذه العادة. ويمكنك أن تشهد في هذا المجلس على جمال رؤية أشخاص من جميع الخلفيات يحتفون بالتنوع الثقافي والتفاهم”.
و أخيرا وليس آخرا
في ختام هذه الأمسية الرمضانية الساحرة، يتبين لنا أن نادي ساجرا للعشاء الرمضاني ليس مجرد تجمع لتناول الطعام، بل هو احتفاء بالتراث الثقافي المشترك، ومنصة لتبادل القصص والتجارب، وفرصة لتعزيز التفاهم والتواصل بين مختلف الثقافات. فهل يمكن لمبادرات مماثلة أن تساهم في إحياء التراث الشفهي وتعزيز التنوع الثقافي في مجتمعاتنا؟










