قمة “بريدج 2025”: أبوظبي مركز عالمي لصياغة مستقبل الإعلام وتوحيد الرؤى
شهدت أبوظبي، مركز الإبداع والابتكار العالمي، حدثًا استثنائيًا تمثل في انطلاق فعاليات قمة “بريدج 2025”، التي استقطبت آلاف الحضور من شتى بقاع العالم. لم تكن هذه القمة مجرد تجمع عابر، بل مثلت نقطة تحول مفصلية في مسيرة التعاون والتكامل بين الدول والمؤسسات وصناع المحتوى ضمن قطاعات الإعلام والترفيه. لقد جسدت القمة، باحتضانها لدبلوماسيين ووزراء ووفود دولية وقادة قطاع، المكانة المتنامية لدولة الإمارات العربية المتحدة كمنصة عالمية جامعة للأفكار الخلاقة ومستقطبة للمواهب، مؤكدة على دورها المحوري في رسم ملامح مستقبل تتشابك فيه الرؤى وتتعمق فيه جسور التواصل.
إن البناء على مبادئ التعاون والتآزر ليس بجديد على الساحة الإماراتية؛ فلطالما كانت رؤية القيادة الرشيدة ترتكز على مد جسور الحوار والتفاهم بين الشعوب والحضارات. وتأتي قمة “بريدج 2025” لتترجم هذه الرؤية إلى واقع ملموس، مقدمةً نموذجًا يحتذى به في كيفية تجاوز الحواجز التقليدية، والعمل المشترك نحو إعلام أكثر مصداقية ومسؤولية وإنسانية. إنها دعوة عالمية لإعادة تعريف قواعد اللعبة في عالم يشهد تحولات سريعة بفعل التقنيات الحديثة، مع الحفاظ على الجوهر الإنساني كقيمة عليا.
“بريدج”: رؤية إماراتية لمستقبل الإعلام
رسم حفل الافتتاح لقمة “بريدج 2025” ملامح توجهات القمة التي امتدت على مدار ثلاثة أيام، مؤكدًا على كونها ساحة دولية موحدة يجتمع فيها المبدعون والمبتكرون والمؤسسات من مختلف الدول. الهدف الأسمى كان إعادة صياغة مستقبل الإعلام وتوسيع آفاق التعاون العابر للقطاعات، وصولاً إلى بناء منظومة عالمية أكثر ثقة وترابطًا واستشرافًا للمستقبل. وقد عبرت الرسائل الافتتاحية عن جوهر هذه الرؤية التي تتجاوز مجرد التكنولوجيا لتلامس القيم الإنسانية العميقة.
رسالة من قيادة “بريدج”: تقارب الشعوب وبناء الجسور
في كلمة معالي الشيخ عبدالله بن محمد بن بطي آل حامد، رئيس “بريدج”، أكد أن القمة تمثل امتدادًا حيًا للروح الإماراتية المنفتحة على العالم، والتي جعلت من التقارب بين الشعوب هوية، ومن التواصل رسالة، ومن مد الجسور بين الحضارات مسؤولية. انطلق هذا التأكيد من إيمان راسخ بأن العالم ليس بحاجة إلى مزيد من الجدران العازلة، بل إلى نوافذ مشرعة وأبواب مفتوحة تعزز التفاهم المشترك.
شدد معاليه على أن قمة “بريدج” تسعى لتأسيس مرحلة جديدة لدور الإعلام في المستقبل. ومع أن الذكاء الاصطناعي يخلق عوالم موازية يتفاعل معها الإنسان بوتيرة متسارعة، إلا أن دولة الإمارات تؤمن بأن التقنية مهما بلغت من تطور، لا يمكن أن تحل محل القيمة الإنسانية التي تشكل جوهر الإعلام الحقيقي. فالقيم هي التي تمنح الكلمة معناها، والمصداقية هي التي تمنح الخبر وزنه، والمسؤولية هي التي تمنح الإعلام شرعيته أمام الناس. ومن دون هذه القيم، سيصبح الإعلام صدى للفوضى بدلاً من أن يكون صوتًا للوعي.
أضاف معالي عبدالله آل حامد أن “بريدج” منصة متجددة لتأسيس حوار عالمي حول مستقبل الإعلام ومسؤولياته الأخلاقية والمجتمعية، مؤكداً أن الإعلام المؤثر ليس من يُحدث ضجيجاً، بل من يترك أثراً نبيلاً في العقول والقلوب. وفي إطار مستلهم من قيادة الإمارات، أكد معاليه أن الريادة مسؤولية وليست امتيازاً، وأن المستقبل يُبنى ولا يُنتظر، وأن النجاح الحقيقي يُقاس بالأثر لا بالسبق. من هذا المنطلق، يجب أن تقوم صناعة الإعلام القادمة على ثلاث ركائز أساسية.
الركائز الثلاث للإعلام المستقبلي
تتجلى رؤية قمة “بريدج” في تحديد ثلاث ركائز جوهرية لقطاع الإعلام:
- الإعلام الموثوق: يضع الحقيقة فوق أي اعتبارات، ويمنح الإنسان حق المعرفة دون تلاعب أو تحريف.
- الإعلام المبتكر: يوظف التقنيات الحديثة، من الذكاء الاصطناعي إلى التحليل البياني، ليخدم الوعي لا التلاعب به.
- الإعلام الإنساني: ينظر إلى العالم من زاوية الرحمة والتفاهم، ويحتفي بالاختلاف كقيمة إيجابية لا كتهديد.
اختتم معالي الشيخ عبدالله بن محمد بن بطي آل حامد تصريحه بالتأكيد على أن القمة خطوة محورية في مسار طويل تبنيه دولة الإمارات لإعلاء قيمة الحوار، وتمكين الإعلام من أداء دوره في توثيق الروابط البشرية. وعبر عن ثقته بأن ما سينبثق عن القمة من رؤى وشراكات سيُسهم في إرساء مستقبل إعلامي أكثر تعاونًا، مؤكداً أن الجسور التي تُشاد اليوم ستمنح الأجيال المقبلة مستقبلاً أرحب. وقد افتتح معاليه قمة “بريدج” برسالة وجهها للعالم أجمع بسبع لغات، في دلالة رمزية على رسالة القمة القائمة على ربط الشعوب والحضارات عبر الحوار والتقنية والغاية المشتركة.
قوة عالمية لصناعة التأثير: أرقام تتحدث عن نفسها
رحب سعادة الدكتور جمال الكعبي، نائب رئيس “بريدج”، بضيوف القمة، مستعرضًا أرقامًا مذهلة لتطبيق BRIDGE قبل الافتتاح بيوم واحد. حيث سجل التطبيق 14,618 رسالة متبادلة، و425,000 عملية بحث، وأكثر من مليوني تفاعل، و7,000 عملية تواصل، إلى جانب 871 اجتماعًا محجوزًا مسبقًا. هذه الأرقام، بلغة التقنية، تعكس “التوافق بين المنتج والسوق” وتؤكد أن القمة انطلقت قبل افتتاحها الفعلي، بجمهور متصل ومتحرك.
أكد سعادة الدكتور الكعبي أن الاتصال وحده لا يكفي، فالثقة هي ما يحافظ على هذا التواصل ويمنحه المعنى، وهي تنمو من خلال القصص التي تحرك العالم. وكشف أن “بريدج” استمعت لأشهر إلى قصص ملهمة من عواصم العالم، من واشنطن إلى لندن، ومن كان إلى طوكيو، ومن سيؤول إلى شنغهاي والقاهرة. وعندما يُخصص الوقت الكافي للاستماع إلى قصص الآخرين، يبدأ فهم رحلاتهم وتحدياتهم وأحلامهم، وتصبح قصتهم جزءًا من قصتنا. من هذا الفهم المشترك تولد الأفكار والشراكات والجسور الجديدة، لتتحول من قصة منظمة واحدة إلى قصة عالمية نكتبها معًا.
أشار نائب رئيس “بريدج” إلى أن التحالف لا يقوم على المصادفة، بل على الإيمان المشترك بأن الإعلام والمحتوى والترفيه هي قوى للخير الذي يحتاجه العالم، وأن القمة تضع أسس تحول شامل في القطاع الإعلامي العالمي. وأوضح أن “بريدج” كانت قبل ثمانية أشهر مجرد فكرة ولدت من سؤال جوهري: لماذا لا يزال قادة التحولات الجذرية التي تعيد تشكيل الإعلام والتكنولوجيا والثقافة عالميًا يعملون في عزلة؟ من هنا جاءت فكرة إنشاء مساحة موحدة يلتقي فيها المبدعون والمبتكرون والقادة كقوة عالمية موحدة، لا كقطاعات منفصلة.
وشدد على أن قمة “بريدج” لم تنطلق من خطة جامدة، بل من إيمان، وأن الإيمان هو ما يصنع التغيير الحقيقي. واختتم الكعبي كلمته بالتأكيد على أن الإعلام والمحتوى والترفيه لم تعد مجرد صناعات اقتصادية، بل أصبحت قوى مؤثرة في بناء الثقة وتحفيز النمو وتعزيز الوحدة الإنسانية. ورغم ذلك، لطالما افتقدت هذه القطاعات موطنًا جامعًا إلى أن جاءت قمة “بريدج”، حيث التغيير الجذري ليس هو الهدف بحد ذاته، وإنما هو الأداة التي عندما تتوافق مع الهدف، تتحول إلى تقدم ملموس.
هدية أبوظبي للعالم: منصة إعلامية فريدة
من جانبه، أكد ريتشارد آتياس على قناعة بسيطة لكنها قوية: المجتمع الإعلامي العالمي يفتقر إلى موطن حقيقي، ومساحة للتفكير الإبداعي، والتواصل، وتصور المستقبل، وبناء الشراكات، أو لفهم ما يحدث فعلاً في عالمنا. واليوم، تتحول تلك الفكرة إلى واقع ملموس، فقمة “بريدج” لم تعد مجرد تصور، بل أصبحت تحالفًا وبيئة متكاملة ولدت من الحاجة، وتغذّت بالإبداع، وارتقت بحضور الجميع.
أشار آتياس إلى أن قمة “بريدج” بُنيت بشغف وعطاء ومحبة على يد أكثر من ألف شخص من دولة الإمارات، لتكون “هدية من أبوظبي إلى العالم”. إنها المنصة الإعلامية الأولى عالمياً التي يحتاجها العالم، حيث تسهم القمة في بناء مستقبل مستدام. وفي “بريدج”، يجد الإعلام العالمي لأول مرة موطنًا وصوتًا ومستقبلاً.
عروض مرئية تروي تاريخ الاتصال وتجسد رؤية القمة
شهد حفل افتتاح القمة عرض فيلم قصير استعرض مسيرة تطور التواصل الإنساني. بدأ الفيلم من الإشارات البدائية ورسومات الكهوف، مرورًا بولادة اللغة والكتابة في حضارات وادي الرافدين، ثم مكتبة الإسكندرية، وظهور الطباعة، والسينما، والإذاعة، والتلفزيون. ووصل الفيلم إلى اللحظة المفصلية عام 1969 حين انتقلت أول رسالة بين حاسوبين، وهو ما غير مسار العالم بشكل جذري. لم يغفل الفيلم عن تناول تحديات العصر الرقمي، من صعود الإمبراطوريات الافتراضية وانتشار المعلومات المضللة إلى التسارع المذهل في تطور الذكاء الاصطناعي، مما وضع الحضور في سياق تاريخي وراهن للتحولات الإعلامية.
سلّطت تومي ماكغابو، عريفة الحفل، الضوء على التوسع الهائل في مشهد المحتوى العالمي. أشارت إلى أن صناعة الألعاب أصبحت تضاهي السينما والتلفزيون مجتمعين من حيث التأثير والجمهور. كما لفتت الانتباه إلى أن 67% من صانعي المحتوى باتوا يستخدمون الذكاء الاصطناعي في أعمالهم، مسجلةً ارتفاعًا في الشراكات العابرة للحدود بنسبة 340% خلال ثلاث سنوات فقط، مما يؤكد على الطابع المتشابك والمتطور لهذا القطاع.
نخبة المبدعين وقادة الفكر
واصلت فعاليات قمة “بريدج 2025” أعمالها بمشاركة تجاوزت 60 ألف مشارك من 132 دولة، وحضور 430 متحدثًا من 45 دولة، يمثلون نخبة من كبار المبدعين وصناع السياسات والمستثمرين وخبراء التكنولوجيا والمؤسسات الإعلامية وقادة الثقافة. قدم هؤلاء أكثر من 300 جلسة حوارية موزعة على المسارات السبعة للقمة: الإعلام، اقتصاد صناعة المحتوى، الفن والموسيقى، الألعاب الإلكترونية، التقنية، التسويق، وصناعة الأفلام. هذا التنوع يبرهن على شمولية القمة ورغبتها في تغطية كافة جوانب صناعة المحتوى والإعلام الحديث.
وأخيرًا وليس آخراً
لقد جسدت قمة “بريدج 2025” في أبوظبي نموذجًا يحتذى به في صياغة مستقبل الإعلام، ليس كمجرد صناعة، بل كقوة دافعة للتقارب الإنساني والتفاهم الحضاري. من خلال التأكيد على ركائز الإعلام الموثوق والمبتكر والإنساني، سعت القمة إلى تجاوز التحديات التي يفرضها العصر الرقمي، خاصة مع تنامي الذكاء الاصطناعي وانتشار المعلومات المضللة. فهل ستنجح هذه المبادرة الإماراتية الرائدة في إرساء معايير جديدة للمصداقية والمسؤولية في فضاء إعلامي عالمي متزايد التعقيد، وهل يمكن لهذه الجسور التي تُشاد اليوم أن تتحمل عبء المستقبل وتلبي طموحات الأجيال القادمة؟










