قمة بريدج 2025: رؤية استشرافية لتعزيز صناعة المحتوى والإعلام الرقمي في الإمارات والعالم
تُعدّ صناعة المحتوى والإعلام الرقمي اليوم واحدة من الركائز الأساسية التي تشكل الوعي المجتمعي وتدفع عجلة الاقتصاد العالمي. ففي خضم التطورات التكنولوجية المتسارعة، وتحديداً مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في كل تفاصيل حياتنا، يبرز التساؤل حول مستقبل هذه الصناعة الحيوية، وكيف يمكن لدولة مثل الإمارات العربية المتحدة أن تقود هذا التحول. لطالما كانت الإمارات سبّاقة في تبني الابتكار وتوفير بيئة حاضنة للمواهب، وهو ما يتجلى بوضوح في مبادراتها المتواصلة التي تهدف إلى ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للإعلام الرقمي وصناعة المحتوى. هذه الرؤية الطموحة تتجسد في فعاليات نوعية تسعى إلى رسم خارطة طريق للمستقبل، مع التركيز على أهمية المحتوى الهادف والمؤثر.
انطلاق قمة بريدج 2025: محاور الابتكار والإبداع
شهدت العاصمة أبوظبي، في وقت سابق، انطلاق فعاليات قمة بريدج 2025، التي مثلت ملتقىً عالمياً بارزاً للمختصين والخبراء في قطاعات الإعلام والمحتوى والترفيه. ركزت القمة على سبعة مسارات رئيسة تلامس جوهر التحولات الراهنة والمستقبلية، وهي: المحتوى الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والإعلام الإنساني، والإنتاج السينمائي، والاقتصاد الإبداعي، ومستقبل الصحافة، وصناعة التأثير. هذه المحاور لم تكن مجرد عناوين، بل كانت نقاط ارتكاز لمناقشات عميقة، استشرفت آفاقاً جديدة للتعاون والابتكار في صناعة يزداد تأثيرها يوماً بعد يوم على النسيج الاجتماعي والاقتصادي العالمي.
تحالف “بريدج”: شريك عالمي للنهوض بالصناعة
لم تكن قمة بريدج حدثاً معزولاً، بل كانت إحدى المبادرات الرائدة لتحالف “بريدج”، الذي يمثل منظمة عالمية مستقلة فريدة من نوعها. يهدف هذا التحالف إلى دفع عجلة التطور في قطاعات الإعلام والمحتوى والترفيه، معززاً تنوعها وقدرتها على إحداث تأثير إيجابي ومستدام في الاقتصادات والمجتمعات على حد سواء. وقد حرص التحالف على التعاون مع شركاء عالميين من الطراز الأول، على غرار “ميتا”، لضمان تقديم أحدث الابتكارات وتطوير أدوات جديدة تخدم صناع المحتوى وتثري المشهد الرقمي.
يتخذ تحالف “بريدج” من دولة الإمارات مقراً له، منطلقاً من هذه الأرض الطموحة لتحقيق تأثير عالمي إيجابي. وتكمن رؤيته في بناء إطار عالمي أكثر ترابطاً ومرونة، يلتزم بالقيم المهنية والأخلاقية في قطاعات الإعلام والمحتوى والترفيه، مجسداً بذلك مبادئ التعاون والمسؤولية المجتمعية. هذا التوجه يعكس التزام الإمارات الراسخ بدعم المبادرات التي تعزز الحوار العالمي والتقدم المعرفي.
الإمارات: مركز إقليمي وعالمي للإعلام الرقمي والإبداع
تتزامن جهود تحالف “بريدج” وقمة بريدج 2025 مع مسيرة الإمارات الدؤوبة لتحديث قطاعها الإعلامي، بهدف تعزيز تنافسيته وجاذبيته على الصعيد العالمي. وقد شهدت الأعوام الماضية إطلاق منظومة متكاملة لتنظيم وتمكين هذا القطاع الحيوي. تضمنت هذه المنظومة إصدار قرارات حيوية مثل تنظيم الإعلانات عبر وسائل التواصل الاجتماعي للأفراد، وتطوير سياسة جديدة لترخيص المنصات الإخبارية الرقمية. هذه السياسات تضع أطراً مهنية وتنظيمية واضحة، مما يعزز من مصداقية العمل الإعلامي الرقمي ويضمن جودته.
مبادرات داعمة للمبدعين وتطوير المحتوى
لإيمانها المطلق بأهمية دعم المواهب الوطنية، نصت المنظومة الإعلامية الجديدة على إعفاء عدد من الخدمات الإعلامية من الرسوم. تأتي هذه الخطوة لدعم المنتجين والكتاب والمبدعين الإماراتيين، وتشجيعهم على تطوير محتوى يعكس الهوية الوطنية والقيم الأصيلة، ويرتقي بجودة الرسالة الإعلامية. يضاف إلى ذلك، اعتماد مجلس الوزراء لقرارات بشأن رسوم الخدمات الإعلامية والمخالفات والجزاءات الإدارية، في خطوة محورية نحو بناء منظومة خدمات إعلامية موحدة ومرنة، تتسم بالشفافية وسهولة الاستخدام، مما يرسخ بيئة عمل جاذبة ومحفزة.
نمو متصاعد في القطاع الإعلامي والنشر
شهد القطاع الإعلامي في الدولة نمواً متصاعداً خلال السنوات الأخيرة. فقد أصدر مجلس الإمارات للإعلام، على سبيل المثال، خلال فترة سابقة، آلاف الرخص والتصاريح الإعلامية، شملت رخصاً إعلامية تقليدية، ورخصاً للإعلام الرقمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى تصاريح التصوير ورخص الصحف والمجلات. يعكس هذا الزخم تسارع وتيرة النمو في بيئة الأعمال الإعلامية بالدولة، ويؤكد جاذبيتها للمستثمرين والمحترفين في هذا المجال.
وفي مجال النشر، تم التعامل مع مئات الآلاف من العناوين، وإصدار عشرات الآلاف من أذون التداول للكتب في أسواق الدولة. وفي المقابل، تم منع دخول عدد محدود من العناوين المخالفة التي تتعارض مع القيم المجتمعية أو التشريعات النافذة، مما يؤكد التزام الدولة بالحفاظ على بيئة ثقافية واجتماعية متوازنة. كما أولى المجلس اهتماماً خاصاً بالسينما والألعاب الإلكترونية، حيث تم إصدار مئات الموافقات لعرض الأفلام السينمائية، التي حققت إيرادات ضخمة، ومنح الموافقات لتداول مئات الألعاب الإلكترونية، مما يبرز حيوية قطاع الترفيه في الإمارات.
دعم الكفاءات الوطنية وصناعة المحتوى المتخصص
ولم يقتصر اهتمام الإمارات على البنية التحتية والتشريعية، بل امتد ليشمل دعم الكفاءات الوطنية وصناعة المحتوى المتخصص. أُطلقت مبادرات تدريبية طموحة تستهدف صقل مهارات صناع المحتوى، منها مبادرة “صنّاع الأثر” التي ركزت على الإعلام الإنساني، وبرامج إعداد صناع المحتوى المتخصصين في مجالات حيوية مثل الاقتصاد والقانون والصحة والأمن الغذائي. كما أطلقت الأكاديميات الإعلامية في الدولة برامج جديدة تعزز حضور الإعلاميين الإماراتيين في الميادين العالمية، مما يؤهلهم للمنافسة والتميز على الساحة الدولية.
وأخيراً وليس آخراً
لقد أثبتت الإمارات العربية المتحدة، من خلال مبادراتها المستمرة وفعالياتها النوعية مثل قمة بريدج 2025، قدرتها على أن تكون من أبرز المراكز الإعلامية في العالم. لقد نجحت الدولة في الجمع بين البيئة التشريعية المرنة، والبنية التقنية المتقدمة، فضلاً عن تأثيرها الفاعل في صناعة المحتوى البناء وتمكين الإعلاميين. إن هذا النموذج المتقدم للحوكمة الإعلامية الحديثة القائمة على الابتكار وجودة الإنتاج، لا يعكس فقط طموح دولة، بل يرسم ملامح مستقبل الإبداع الإعلامي على مستوى عالمي. فإلى أي مدى ستستمر هذه الرؤية في إعادة تشكيل المشهد الإعلامي العالمي، وما هي التحديات الجديدة التي تنتظرها هذه الصناعة في ظل التغيرات المتسارعة؟










