تعزيز الشراكات الاقتصادية: منتدى أبوظبي – صربيا يفتح آفاقاً جديدة
في عالم تتشابك فيه المصالح وتتعدد فيه فرص التعاون، تبرز أهمية المنتديات الاقتصادية كمنصات حيوية لرسم ملامح مستقبل مزدهر. يأتي منتدى أعمال “أبوظبي – صربيا” ليعكس هذا التوجه، حيث استضافت إمارة أبوظبي مؤخراً وفداً اقتصادياً صربياً رفيع المستوى، ضم ممثلين عن أكثر من ثلاثين شركة تعمل في قطاعات اقتصادية متنوعة. هذا الحدث، الذي نظمته غرفة تجارة وصناعة أبوظبي بالتعاون مع غرفة تجارة وصناعة صربيا، لم يكن مجرد لقاء عابر، بل كان تجسيداً لرغبة عميقة في تعزيز الروابط التجارية والاستثمارية، وفتح آفاق جديدة لشراكات مستقبلية واعدة بين الجانبين، مستفيداً من الزخم الاقتصادي المتنامي والتطورات الإقليمية والدولية.
العلاقات الاقتصادية المتنامية: نظرة تاريخية وتحليلية
إن تنظيم منتدى “أبوظبي – صربيا” لم يأتِ من فراغ، بل هو تتويج لمسيرة متصاعدة من العلاقات التجارية بين دولة الإمارات وجمهورية صربيا. ففي السنوات الأخيرة، شهدت هذه العلاقات نمواً ملحوظاً، حيث بلغت قيمة التجارة غير النفطية بين البلدين نحو 98 مليون دولار أمريكي في عام 2024، وواصلت صعودها لتصل إلى نحو 23.6 مليون دولار أمريكي خلال الربع الأول من عام 2025. هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم التبادل التجاري، بل تؤشر أيضاً إلى تنوع المنتجات والخدمات المتبادلة، وتؤكد على مكانة الإمارات كشريك تجاري رئيسي.
وتعتبر دولة الإمارات، وفقاً لبيانات عام 2024، ثاني أكبر شريك تجاري لصربيا على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، مستحوذة على ما يقرب من 43% من إجمالي تجارة صربيا مع دول المجلس. هذا التفوق يعكس الثقة المتبادلة، والبيئة الاستثمارية الجاذبة التي توفرها الإمارات، والجهود المستمرة لتسهيل التجارة البينية. ويمكن تحليل هذا النمو من خلال عوامل عدة، أبرزها السياسات الاقتصادية المنفتحة للدولتين، والبحث عن أسواق جديدة، بالإضافة إلى تعزيز التفاهم الثقافي والتعاون الدبلوماسي الذي يمهد الطريق للتعاون الاقتصادي.
رؤى القيادات الاقتصادية: دفعة نحو شراكات نوعية
أكدت القيادات الاقتصادية من الجانبين على الأهمية الاستراتيجية لهذا المنتدى. فمن جانب أبوظبي، صرح علي محمد المرزوقي، مدير عام غرفة تجارة وصناعة أبوظبي، بأن المنتدى يجسد عمق العلاقات الاقتصادية المتنامية ويعكس حرص الجانبين على تطوير شراكات نوعية. وأشار إلى أن مجالات مثل الصناعة والطاقة والتكنولوجيا والأمن الغذائي تمثل ركائز أساسية لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز التبادل التجاري والاستثماري. هذا التأكيد يتسق مع “خارطة طريق غرفة أبوظبي 2025–2028″، التي تسعى لتعزيز مساهمة القطاع الخاص في بناء اقتصاد مستدام ومتكامل قائم على الابتكار والانفتاح والتنافسية.
من جانبه، وصف ميهايلو فيسوفيتش، نائب رئيس غرفة تجارة وصناعة صربيا، العلاقات الاقتصادية بأنها تشهد تحولاً نوعياً، خاصة مع دخول اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة حيز التنفيذ. وتوقع أن تسهم هذه الاتفاقية في مضاعفة حجم التبادل التجاري خلال السنوات المقبلة، مما يعكس طموح صربيا في تعميق روابطها الاقتصادية. كما أكد فيسوفيتش على أن صربيا تمثل بوابة استراتيجية للأسواق الأوروبية الناشئة، بينما تُعد أبوظبي شريكاً استثمارياً طويل الأمد في قطاعات حيوية مثل الزراعة والصناعة والطاقة المتجددة والابتكار.
أبوظبي: وجهة استثمارية عالمية
تتعزز جاذبية أبوظبي الاقتصادية بفضل منظومة متكاملة من الحوافز والتسهيلات التي توفرها للمستثمرين. هذه المنظومة تشمل الإعفاءات الجمركية، والدعم اللوجستي الفعال، وتبسيط إجراءات تأسيس الأعمال عبر القنوات الرقمية، مما يقلل من العقبات البيروقراطية ويسهل دخول السوق. علاوة على ذلك، تواصل الإمارة تنفيذ استراتيجيات طموحة لتنمية القطاعات غير النفطية، وتشجيع الابتكار، واستقطاب الاستثمارات النوعية في مجالات التكنولوجيا، والطاقة النظيفة، والصناعة المتقدمة.
هذه الجهود المتضافرة تجعل من أبوظبي وجهة مفضلة للمستثمرين الدوليين ومركزاً عالمياً للأعمال المستدامة. إن تنويع مصادر الدخل والاعتماد على اقتصاد المعرفة والابتكار يمثلان ركيزة أساسية لرؤية أبوظبي المستقبلية، وتتماشى هذه الرؤية مع توجهات الاقتصاد العالمي نحو الاستدامة والتقنيات الحديثة، مما يوفر بيئة خصبة للتعاون مع شركاء دوليين مثل صربيا.
اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة: محرك للنمو
تضمن المنتدى أيضاً اجتماعات أعمال ثنائية مباشرة بين الشركات الإماراتية والصربية، بهدف استكشاف فرص التعاون ومناقشة سبل تعزيز الاستثمارات المشتركة في القطاعات ذات الأولوية. وقد استعرض الجانبان آفاق التعاون ضمن إطار اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة التي دخلت حيز التنفيذ في يونيو 2025. هذه الاتفاقية تعد بمثابة محرك رئيسي لتسهيل التجارة في السلع والخدمات، ودعم التحول نحو اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.
إن الشراكات الاقتصادية الشاملة ليست مجرد اتفاقيات تجارية تقليدية، بل هي أطر عمل متكاملة تهدف إلى تعزيز التعاون في مجالات متعددة تتجاوز التبادل التجاري، لتشمل الاستثمار ونقل المعرفة والتقنيات الحديثة. وتعتبر هذه الاتفاقيات عنصراً محورياً في استراتيجية الإمارات لتعزيز مكانتها كمركز اقتصادي عالمي، وربط أسواقها بأسواق واعدة في مناطق جغرافية مختلفة، مما يعكس نظرة استشرافية للنمو الاقتصادي المستقبلي.
و أخيرا وليس آخرا
لقد كان منتدى أعمال “أبوظبي – صربيا” علامة فارقة في مسيرة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، مؤكداً على الإرادة المشتركة نحو تعميق التعاون وبناء شراكات استراتيجية. إن الأرقام المتصاعدة للتجارة غير النفطية، والرؤى الطموحة للقيادات الاقتصادية، واتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، كلها عوامل تشير إلى مستقبل مشرق لهذه العلاقات. فهل ستنجح هذه الشراكة في تحقيق التوقعات بمضاعفة حجم التبادل التجاري، وهل ستصبح أبوظبي وصربيا نموذجاً يحتذى به في التعاون الاقتصادي بين الشرق والغرب؟ الأيام القادمة ستحمل الإجابات، لكن المؤشرات الأولية تبدو واعدة للغاية.










