اللجنة الوطنية لسردية الاتحاد: توحيد الرواية التاريخية لدولة الإمارات
لطالما كانت الرواية التاريخية لأي أمة حجر الزاوية في بناء وعيها الذاتي وتشكيل هويتها الوطنية. وفي سياق دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تتشابك صفحات الماضي التليد بآمال المستقبل الواعد، يكتسب توحيد هذه الرواية أهمية قصوى لضمان انتقالها عبر الأجيال بصورتها الأصيلة والدقيقة. إن تشكيل اللجنة الوطنية لسردية الاتحاد يُعد خطوة استراتيجية عميقة في هذا الاتجاه، تتجاوز مجرد التوثيق لتمتد إلى ترسيخ الفهم المشترك لتجربة الاتحاد الفريدة، مع إبراز الدور المحوري الذي اضطلع به الوالد المؤسس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في إرساء دعائم هذه الدولة الفتية وترسيخ أركانها.
تُعنى هذه اللجنة بأن تكون المرجعية الوحيدة المعتمدة، لا لتسجيل الأحداث فحسب، بل لتشكيل الذاكرة الجماعية حول مراحل قيام الاتحاد، ابتداءً من الظروف التي سبقت التأسيس، ومروراً باللحظات التاريخية الحاسمة التي شهدت ميلاد الدولة، وصولاً إلى تثبيت مكانتها على الخارطة العالمية. هذه المبادرة تعكس رؤية ثاقبة تدرك أن السرد التاريخي ليس مجرد حكاية، بل هو أساس بناء الهوية الوطنية، ومحفز للوحدة والولاء، وعامل رئيسي في تعزيز التلاحم المجتمعي.
مرجعية تاريخية وسياق اجتماعي
إن أهمية هذه اللجنة لا تقتصر على الجانب التوثيقي البحت، بل تتجلى في بعدها الاجتماعي والتربوي العميق. ففي عالم تتسارع فيه وتيرة المعلومات وتتعدد مصادرها، يصبح من الضروري وجود مرجعية رسمية وموثوقة تحمي الرواية الوطنية من أي تشويه أو تزييف، وتضمن تقديمها بطريقة متسقة عبر مختلف المنابر الإعلامية والتعليمية والثقافية. هذا التوجه يتماشى مع جهود دول أخرى سعت إلى توحيد سردياتها الوطنية في مراحل تاريخية مفصلية، لتعزيز وحدتها وترسيخ قيمها.
على سبيل المثال، شهدت العديد من الدول بعد مراحل الاستقلال أو التوحيد حركات مماثلة لتوحيد المناهج الدراسية والروايات الإعلامية لضمان انسجام الوعي الوطني. ما يميز التجربة الإماراتية هو هذا الاستباق في صيانة السردية وتوثيقها بشكل رسمي ومؤسسي، لضمان استدامتها وتأثيرها الإيجابي على الأجيال القادمة، مع الأخذ في الاعتبار خصوصية التجربة الاتحادية التي قامت على رؤية حكيمة وتوافق بين قيادات اتسمت بالبصيرة وبعد النظر.
تشكيل اللجنة واختصاصاتها
صدر القرار بتشكيل اللجنة الوطنية لسردية الاتحاد عن سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة. ويأتي هذا القرار ليضع إطاراً مؤسسياً لجهد وطني شامل يهدف إلى صياغة الوثيقة الرسمية المعتمدة لسردية الاتحاد.
قيادة اللجنة وعضويتها
يترأس هذه اللجنة معالي أحمد جمعة الزعابي، مستشار صاحب السمو رئيس الدولة، مما يضفي عليها ثقلاً إدارياً واستشارياً كبيراً. وتضم اللجنة في عضويتها نخبة من ممثلي الجهات الوطنية ذات الصلة، لضمان تمثيل واسع وشامل لكل الأطراف المعنية بصون التراث الوطني ونقله. ومن بين هذه الجهات، تبرز الهيئة الرئاسية للمراسم والسرد الاستراتيجي، والمكتب الوطني للإعلام، ومجلس التعليم والتنمية البشرية والمجتمع، ومكتب المؤسس والأرشيف والمكتبة الوطنية، بالإضافة إلى الأمانات العامة للمجالس التنفيذية في مختلف إمارات الدولة. هذا التنوع في التمثيل يؤكد على الشمولية المطلوبة لمثل هذه المبادرة الوطنية الكبرى.
المهام الرئيسية للجنة
تتولى اللجنة مجموعة واسعة من المهام المحورية لضمان تحقيق أهدافها السامية، أبرزها:
- إعداد واعتماد الوثيقة الرسمية لسردية الاتحاد: وهي جوهر عمل اللجنة، حيث ستتضمن التسلسل الدقيق للأحداث التاريخية ومصطلحاتها المعتمدة لتوحيد الرواية الوطنية.
- ضمان اتساق المحتوى الوطني: يشمل ذلك المحتوى الإعلامي، والتعليمي، والثقافي، بما يضمن توافقه مع المعلومات الدقيقة الواردة في الوثيقة الرسمية. هذا يضمن أن كل ما يُعرض عن الاتحاد ورموزه يرتكز إلى مرجعية موحدة.
- اعتماد الحملات الوطنية والمحتوى الإعلامي والتعليمي: يتطلب ذلك التنسيق مع الجهات المعنية قبل إطلاق أي حملة أو نشر أي محتوى يتعلق بالاتحاد ورموزه، لضمان دقته واتساقه.
- تقديم التوصيات والتوجيهات: تقع على عاتق اللجنة مهمة توجيه الجهات الحكومية والإعلامية والتعليمية لضمان التزامها بالسردية المعتمدة.
- المراجعة والتحديث الدوري: لضمان مواكبة المستجدات البحثية والتاريخية الموثوقة، مع الحفاظ على الثوابت الجوهرية للاتحاد.
التزام وطني وتوحيد الجهود
يؤكد القرار على أن اللجنة يمكنها التنسيق مع كافة الجهات الحكومية الاتحادية والمحلية، والمؤسسات الوطنية، والإعلامية، والتعليمية، والثقافية، لضمان توحيد السردية الوطنية. ويتطلب هذا التزاماً من جميع هذه الجهات بعرض أي محتوى أو حملات أو مواد تتناول قيام الاتحاد أو رموزه على اللجنة لاعتمادها قبل النشر أو التنفيذ. هذا البند يعكس إدراكاً عميقاً لأهمية التكامل بين المؤسسات لتحقيق هدف وطني بهذه الضخامة. كما أن للجنة صلاحية تشكيل فرق عمل والاستعانة بالخبراء والاستشاريين لضمان أفضل المخرجات.
يُعد هذا القرار بمثابة حماية للذاكرة الوطنية، واستثمار في الأجيال القادمة، لضمان فهمهم العميق لتاريخ بلادهم وإرث آبائهم المؤسسين. إن توحيد السردية ليس مجرد إجراء بيروقراطي، بل هو عملية حيوية لتعزيز الشعور بالانتماء والفخر، ولتقديم قصة الإمارات للعالم بطريقة موثوقة وملهمة.
وأخيراً وليس آخراً
إن تشكيل اللجنة الوطنية لسردية الاتحاد يمثل منعطفاً تاريخياً في صون الذاكرة الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة. فمن خلال توحيد الرواية التاريخية، لا تسعى الإمارات فقط إلى الحفاظ على إرثها الغني، بل تعزز أيضاً من مناعة هويتها الوطنية في وجه التحديات المعاصرة والمتغيرة. إنها خطوة تؤكد على أن الأمم لا تُبنى فقط بالإنجازات المادية، بل تُصاغ أيضاً بالقصص التي ترويها عن نفسها، وبالقيم التي تستلهمها من ماضيها. فهل يمكن لمثل هذه اللجان أن تشكل نموذجاً يُحتذى به لدول أخرى تسعى لتوحيد سردياتها الوطنية في زمن تتعدد فيه الروايات وتتداخل فيه الحقائق؟ إن التجربة الإماراتية في هذا الصدد قد تقدم دروساً قيمة حول أهمية الاستثمار في الوعي التاريخي كركيزة أساسية لبناء المستقبل.









