الابتكار القصصي للطفل الإماراتي: ركيزة في بناء المستقبل الواعد
يُعدّ الإبداع الطفولي حجر الزاوية في بناء مجتمعات مزدهرة ومستقبل مستنير، فهو ليس مجرد تعبير عابر، بل هو انعكاس عميق لقدرات الجيل الصاعد على التخيل والابتكار والتعبير عن ذاته. في عالم تتسارع فيه وتيرة التغيرات، يصبح رعاية هذه المواهب وصقلها ضرورة ملحة، لا سيما في مراحل الطفولة المبكرة حيث تتشكل لبنات الشخصية والفكر. وفي هذا السياق، تتجلى أهمية المبادرات التي تحتفي بالقدرات الكامنة لدى الأطفال، وتوفر لهم منصات لإطلاق عنان خيالهم، وتغرس فيهم قيم الابتكار والتعبير الحر، بما يمهد الطريق لجيل قادر على قيادة عجلة التنمية والتقدم.
تزامناً مع الاحتفاء بـ اليوم العالمي للطفل، وشهدت دولة الإمارات العربية المتحدة، بتوجيهات قيادتها الرشيدة، إطلاق العديد من البرامج الرائدة التي تهدف إلى دعم وتطوير المواهب الصاعدة. ومن هذه المبادرات النوعية، برزت جائزة خليفة لإبداع الطفل القصصي، التي أعلنت عنها الأمانة العامة لجائزة خليفة التربوية، إحدى المؤسسات التابعة لـ “مؤسسة إرث زايد الإنساني”. هذه المسابقة الإبداعية استهدفت الأطفال في الفئة العمرية من 7 إلى 15 عاماً، وشكلت جزءاً محورياً من فعاليات النسخة الثانية من أسبوع أبوظبي للطفولة المبكرة، الذي أُقيم في الفترة من 17 إلى 23 نوفمبر 2025، تحت شعار “معاً نجعل أبوظبي إمارة صديقة للأسرة”، في كل من أبوظبي، والعين، والظفرة.
جائزة خليفة لإبداع الطفل القصصي: منصة للمواهب الشابة
تأتي جائزة خليفة لإبداع الطفل القصصي لتعكس الرؤية الثاقبة لأهمية الاستثمار في الجيل الجديد، وتقديم الدعم اللازم لتمكين الأطفال من التعبير عن أفكارهم وقصصهم الخيالية. أظهرت المسابقة، منذ إطلاقها، إقبالاً واسعاً ومشاركة لافتة من مختلف أنحاء الدولة، مما يؤكد على الثراء الفكري والإبداعي الكامن لدى أطفال الإمارات.
مشاركة واسعة واكتشاف للمواهب
لقد شهدت الجائزة، بحسب تصريحات الأمين العام للجائزة، حميد الهوتي، مشاركة واسعة النطاق تجاوزت التوقعات. استقبلت اللجنة العلمية للجائزة 1804 مشاركات من أطفال مبدعين قصصياً، ما يعكس حرص الأسر والمؤسسات التعليمية على تشجيع الأطفال على استكشاف قدراتهم الأدبية. عكفت اللجنة على فرز هذه الأعمال بدقة وعناية، بهدف اكتشاف المواهب الأدبية الواعدة واختيار الفائزين الذين تميزوا بابتكارهم وعمق أفكارهم.
أهداف الجائزة: تعزيز الهوية والإبداع
تتجاوز أهداف هذه المبادرة مجرد اكتشاف المواهب، فهي تأتي في إطار رسالة وأهداف جائزة خليفة التربوية، وبالتعاون الوثيق مع هيئة أبوظبي للطفولة المبكرة. تهدف الجائزة إلى دعم الإبداع وتنمية المواهب منذ الصغر، وتعزيز الخيال القصصي لدى الأطفال، وتشجيعهم على التعبير عن أفكارهم بأسلوب إبداعي يكشف عن مكنوناتهم.
كما تضمنت الجائزة عدداً من الأهداف المحورية التي تُعنى بتنمية شاملة للطفل، منها:
- تعزيز الهوية الوطنية وصقل شخصية الطفل.
- توسيع مداركه تجاه مبادئ الولاء والانتماء للوطن والقيادة الرشيدة.
- ترسيخ مبادئ المواطنة الصالحة والإيجابية وخدمة المجتمع.
- الحفاظ على البيئة وتشجيع مفاهيم الاستدامة.
- تعزيز مكانة اللغة العربية في نفوس الأطفال المشاركين.
- تنمية الخيال والإبداع الأدبي لدى الطلبة الصغار.
- غرس القيم التربوية والإنسانية الإيجابية.
- إتاحة الفرصة لاكتشاف مواهب مبكرة في مجال أدب الطفل.
رؤية قيادية داعمة للطفولة
أكد حميد الهوتي أن هذه الجائزة تجسد رسالة مؤسسة إرث زايد الإنساني، وتترجم توجيهات سمو الشيخ ذياب بن محمد بن زايد آل نهيان، نائب رئيس ديوان الرئاسة للشؤون التنموية وأسر الشهداء، رئيس مجلس الشؤون الإنسانية الدولية، ورئيس مجلس أمناء مؤسسة إرث زايد الإنساني. كما تحظى بمتابعة معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح والتعايش، رئيس مجلس أمناء جائزة خليفة التربوية.
لطالما شكل الاهتمام بالطفولة أحد المرتكزات الأساسية في مسيرة نهضة دولة الاتحاد منذ انطلاقها. ومع الاحتفال بـ اليوم العالمي للطفل، يتجدد الفخر بما تحقق من إنجازات وطنية في قطاع الطفولة بجميع فئاته، مما جعل من دولة الإمارات نموذجاً يُحتذى به عالمياً في رعاية ودعم الطفولة. يعكس هذا الدعم التزام القيادة بتوفير بيئة حاضنة للنمو والتطور، وتأهيل جيل من القادة والمبتكرين القادرين على استكمال مسيرة البناء والتنمية.
تكريم الفائزين: نماذج للإبداع القصصي
أسفرت جهود اللجنة العلمية عن اختيار 6 أطفال فائزين من إجمالي المشاركين، وهو ما يمثل نسبة إنجاز عالية تعكس مستوى التنافسية والإبداع. وقد جاءت قائمة الفائزين لتسلط الضوء على القصص التي أبهرت المحكمين بفكرتها وجمال أسلوبها:
الفئة العمرية 7-9 سنوات:
- المرتبة الأولى: قصة “روبوتي البطل” للطفل عبدالوهاب عثمان الهنيدي.
- المرتبة الثانية: قصة “الطائر الغريب في حديقة منزلنا” للطفل سالم علي سالم الكعبي.
- المرتبة الثالثة: قصة “الأصدقاء الثلاثة” للطفلة حصة حمد أحمد المزروعي.
الفئة العمرية 10-15 سنة:
- المرتبة الأولى: قصة “راشد بين القلم والبندقية” للطفل سليمان عبد الحليم.
- المرتبة الثانية: قصة “فكرة من القلب” للطفل على إبراهيم.
- المرتبة الثالثة: قصة “غزلان والصحراء المجهولة” للطفلة غزلان المنهالي.
هذه القصص الفائزة ليست مجرد حكايات، بل هي نافذة على عوالم الأطفال الداخلية، تعكس رؤاهم وتطلعاتهم، وتبرهن على قدراتهم الفريدة في صياغة الأفكار وتحويلها إلى أعمال أدبية تحمل في طياتها معاني عميقة ورسائل ملهمة.
جائزة خليفة العالمية للتعليم المبكر: رؤية عالمية للتمكين
لم يقتصر اهتمام جائزة خليفة التربوية على المستوى المحلي، بل امتد ليشمل آفاقاً عالمية من خلال طرح مجال جائزة خليفة العالمية للتعليم المبكر. تعتبر هذه الجائزة الأولى من نوعها على مستوى العالم، وتستهدف تسليط الضوء على أفضل الممارسات العالمية في رعاية وتمكين هذه الفئة العمرية في مختلف أنحاء العالم.
جاء إطلاق هذه الجائزة العالمية ضمن فعاليات أسبوع أبوظبي للطفولة المبكرة في نسخته الثانية، الذي يشكل منصة جامعة للأسر ومقدمي الرعاية والجهات المختلفة للتعاون على تصميم تجارب تعليمية وترفيهية ملهمة للأطفال. هذا يعكس رؤية هيئة أبوظبي للطفولة المبكرة بأن يتمكن كل طفل من الازدهار في بيئة آمنة وصديقة للأسرة، وأن يحظى بفرص متكافئة للتعلم والنمو والتعبير عن ذاته.
اللجنة العلمية: خبرات متخصصة في خدمة الإبداع
لضمان أعلى معايير الشفافية والاحترافية في تقييم الأعمال، شكلت الجائزة لجنة علمية ضمت نخبة من الأكاديميين والخبراء المتخصصين في مجالات علم النفس التربوي، ونمو الطفولة، واللغة العربية. وقد ضمت اللجنة كلاً من:
- الدكتور غانم البسطامي، أستاذ علم النفس التربوي ونمو الطفولة والمراهقة في جامعة أبوظبي.
- الدكتور إبراهيم الحربي، أخصائي أول في قيادة القوى العاملة في مرحلة الطفولة المبكرة في هيئة أبوظبي للطفولة المبكرة.
- فاطمة العامري، محرر في مركز أبوظبي للغة العربية.
يعكس تشكيل هذه اللجنة التزام الجائزة بالاستعانة بالخبرات المتخصصة لضمان تقييم موضوعي وعادل لأعمال الأطفال المشاركين، مما يضيف قيمة علمية وتربوية للنتائج المعلنة.
وأخيرا وليس آخرا: مستقبل الإبداع الطفولي
لقد أثبتت جائزة خليفة لإبداع الطفل القصصي أن الاهتمام بالإبداع الطفولي ليس مجرد ترف، بل هو استثمار حيوي في صُناع المستقبل. من خلال هذه المبادرات، لا نكتشف المواهب فحسب، بل نُسهم في بناء جيل متكامل الشخصية، يمتلك القدرة على التفكير النقدي، والتعبير الإبداعي، والولاء لوطنه. إن احتضان الخيال الطفولي وتنمية مهارات السرد القصصي يضع الأطفال على أولى درجات سلم المعرفة والابتكار. فكيف يمكن للمجتمعات أن تُعزز من هذه الثقافة الإبداعية لضمان استمرارية التطور الفكري والأدبي للأجيال القادمة، وتجاوز التحديات التي قد تواجهها في عالم يتسم بالسرعة والتحول؟








