“مسراح”: رحلة الألف كيلومتر تعزز الهوية الوطنية والتراث الإماراتي الأصيل
في سعيها الدؤوب لترسيخ الهوية الوطنية وتمكين جيل الشباب، أطلقت دولة الإمارات العربية المتحدة مبادرات نوعية تتجاوز الأطر التقليدية للتنمية. ومن بين هذه المبادرات الملهمة، يبرز حدث “مسراح”، الذي أعلن عنه في ديسمبر 2025، ليمثل نقلة نوعية في ربط الشباب بجذورهم الثقافية الأصيلة عبر تجربة ميدانية فريدة. هذه الرحلة ليست مجرد تحدٍ بدني، بل هي استحضار عميق لروح الأجداد، وتجسيد لقيم الصبر والمثابرة والانتماء التي لطالما ميّزت المجتمع الإماراتي، لتقدم نموذجًا حيًا لكيفية دمج الموروث الغني في صميم برامج تمكين الشباب المعاصرة.
انطلاق “مسراح”: رحلة الألف كيلومتر وتحديات التراث
أعلنت مؤسسة الإمارات وبرنامج أكتف أبوظبي عن بدء مهمة مبادرة “مسراح” بمشاركة 100 شاب وشابة مؤهلين لخوض رحلة تمتد لمسافة 1000 كيلومتر، والتي انطلقت فعليًا في 8 ديسمبر 2025، وتختتم في 22 من الشهر ذاته. يأتي هذا الحدث ضمن فعاليات “عام المجتمع 2025″، مؤكدًا التزام الدولة بتعزيز المشاركة المجتمعية وإبراز دور الشباب. تهدف “مسراح” إلى تمكين الشباب من خلال تجربة وطنية مجتمعية غير مسبوقة، تمزج بين النشاط البدني الأصيل والتراث الإماراتي العريق، وتُرسخ في الوقت ذاته دور المجتمع في دعم مبادرات ترسيخ الهوية الوطنية.
إعداد مكثف لرحلة استثنائية
سبق انطلاق الرحلة الكبرى مرحلة تدريبية مكثفة شارك فيها نحو 500 شاب وشابة من مختلف أنحاء الدولة ومن 35 جنسية مختلفة، مما يعكس البعد الوطني والإنساني للمبادرة. استمر البرنامج التدريبي لمدة أربعة أشهر، وشمل تدريبات على المهارات البدنية والتراثية الضرورية لرحلات الصحراء الطويلة. وقد خضع المشاركون لتدريبات نظرية وعملية تحت إشراف هيئة أبوظبي للتراث، حيث شملت هذه التدريبات مهارات ركوب الإبل، وفنون السنع الإماراتي، وأساليب الترحال في الصحراء. يهدف هذا التدريب إلى تزويد المشاركين بتجربة مستوحاة من حياة الأجداد وأنماط التنقل التقليدية، معززًا بذلك ارتباطهم بالماضي العريق لدولة الإمارات.
مسار الأجداد: من السلع إلى الوثبة
تمتد رحلة “مسراح” عبر مسار يحاكي طرق الترحال القديمة التي سلكها الأجداد في تنقلاتهم. ينطلق المشاركون من منطقة السلع في الظفرة، مرورًا بصحراء ليوا الساحرة، ووصولًا إلى جبل حفيت الشامخ ومدينة العين، لتختتم الرحلة في منطقة الوثبة. على مدى أسبوعين كاملين، يقطع المشاركون عشرات الكيلومترات يوميًا ضمن بيئة طبيعية قاسية وملهمة في آن واحد. هذه البيئة تعزز قيم الصبر والمثابرة والانضباط والعمل الجماعي، وتقدم لهم تجربة حياتية عميقة مستلهمة من التراث الإماراتي الغني، وتعلمهم الدروس المستقاة من حياة البداوة والتحديات التي واجهها الأولون.
رؤى وتأكيدات من القائمين على المبادرة
تنسجم هذه المبادرة بشكل وثيق مع الجهود الوطنية الشاملة الرامية إلى تعزيز الهوية الوطنية لدى الشباب وربطهم بجذورهم الثقافية والتراثية من خلال تجربة ميدانية حقيقية. كما تدعم “مسراح” أهداف “عام المجتمع 2025” في تعزيز المشاركة المجتمعية، وتسليط الضوء على دور الشباب في إحياء الموروث الإماراتي، إضافة إلى تشجيعهم على تبني نمط حياة صحي ونشط يجمع بين الرياضة والانتماء الوطني.
تمكين الشباب وتأصيل القيم
أوضح سعادة أحمد طالب الشامسي، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الإمارات، أن انطلاق مهمة “مسراح” يأتي ضمن استراتيجية المؤسسة لتمكين الشباب وتعزيز دورهم في خدمة مجتمعهم وترسيخ قيم الهوية الوطنية. وأكد أن مشاركة 100 من نخبة الشباب تمثل تتويجًا لمرحلة تدريبية مكثفة جسّدت روح المثابرة والالتزام التي يتحلى بها شباب الإمارات. وأشار إلى أن المبادرة تتجاوز كونها مجرد رحلة صحراوية، لتصبح تجربة قيمية تُسهم في بناء جيل أكثر ارتباطًا بتراثه وبقيم العطاء والعمل الجماعي، وتحفزه ليكون مساهمًا فاعلًا في نهضة الوطن ومستقبله المشرق.
الرياضة والهوية: مزيج يثري التجربة
من جانبه، أكد منصور الظاهري، رئيس مجلس إدارة أكتف أبوظبي، أن رؤية مبادرة “مسراح” تركز على تحفيز الشباب لممارسة النشاط البدني بطريقة مستوحاة من التراث الإماراتي. وشدد على أهمية تعزيز ارتباط الشباب بتاريخهم وثقافتهم في إطار يجمع بين الرياضة البدنية والهوية الوطنية، مما يخلق تجربة متكاملة تثري الروح والجسد. هذا المزيج الفريد يسهم في تشكيل جيل واعٍ بقدراته وتاريخه، قادر على استشراف المستقبل بعزيمة وثقة.
جاهزية لوجستية ودعم متكامل
وفي سياق متصل، أكد خلفان الكعبي، مدير مبادرة “مسراح”، جاهزية الاستعدادات اللوجستية لدعم المشاركين طيلة الرحلة. وأشار إلى وجود فرق طبية وأمنية وفنية متكاملة ترافق القافلة على مدار الساعة لضمان أعلى مستويات السلامة والتنظيم. كما حظيت المبادرة بتغطية إعلامية شاملة، مما مكّن الجمهور من متابعة تقدم المشاركين يوميًا والتفاعل مع أبرز محطات التجربة. وأكد الكعبي أن “مسراح” تواصل هذا العام تقديم نموذج وطني متكامل يجمع بين الإرث الثقافي والتمكين الشبابي، ويترجم رؤية الدولة في غرس القيم الأصيلة وتعزيز الانتماء الوطني بين الأجيال الجديدة.
شركاء النجاح وتجارب المشاركين الملهمة
لم تكن مبادرة “مسراح” لتتحقق بهذا الزخم لولا تضافر جهود عدد من الشركاء الاستراتيجيين والجهات الداعمة. كان في مقدمتهم الراعي الرسمي للمبادرة، شركة علي وأولاده، والراعي للخدمات الطبية، شركة بيورهيلث. كما أسهمت جهات داعمة أخرى مثل مركز مواهب، نافس، هيئة أبوظبي للتراث، هيئة البيئة في أبوظبي، الموروث الشرطي، وزارة الدفاع، القيادة العامة لشرطة أبوظبي، ومجلس أبوظبي الرياضي، في توفير الدعم اللوجستي والطبي والفني لضمان نجاح المهمة وتحقيق أهدافها الوطنية السامية.
لمسة من الماضي وتقدير للحاضر
أعرب عدد من المشاركين عن حماسهم لخوض هذه التجربة المميزة التي تربطهم بالموروثات التراثية والعادات الأصيلة التي يجب أن تتوارثها الأجيال. وقد أجرى بعضهم مقارنات مؤثرة بين صعوبة حياة الأجداد في الماضي التي كانت بدائية، والرفاه الذي يعيشه شعب الإمارات حاليًا بفضل قيادته الرشيدة. أكدت فاطمة الحوسني، إحدى المشاركات، أن هذه التجربة جعلتهم يلمسون فرقًا شاسعًا في سبل الحياة والمعيشة بين الماضي والحاضر، مما يعكس الجهود الوطنية الهائلة التي بذلت لرفاه المجتمع. كما شارك يافيني، وهو أوكراني الجنسية (31 عامًا)، الذي تأثر بحب الإمارات خلال إقامته فيها، مشيرًا إلى أن هذه المبادرة أتاحت له فرصة التعرف على عادات وموروثات البلد الذي أحبه عن كثب. وشاركت ثلاث أخوات من أعمار مختلفة، لافتين إلى أن المبادرة وحدت الأجيال وربطت الشباب بالماضي والعادات الإماراتية الأصيلة.
و أخيرا وليس آخرا: بناء الجسور بين الأمس واليوم
لقد أثبتت مبادرة “مسراح” قدرتها على تجاوز مجرد كونها رحلة صحراوية، لتصبح منصة تعليمية وتجريبية عميقة، تعيد إحياء القيم الأصيلة وتزرعها في نفوس الشباب. إنها تجسيد حي لرؤية الإمارات في بناء جيل واعٍ، قادر على استلهام القوة من ماضيه، ومستعد لمواجهة تحديات المستقبل بعزيمة وثقة. فهل يمكن لمثل هذه المبادرات أن تكون النموذج الأمثل لإلهام الأجيال القادمة حول العالم، لربطهم بتراثهم وتعزيز شعورهم بالانتماء في عالم يزداد تعقيدًا وتغيرًا؟ سؤال يفتح آفاقًا للتأمل حول دور التراث في بناء الإنسان والأمم.








