برامج قيادات المستقبل: استراتيجية الإمارات لتعزيز الكفاءات الحكومية
لطالما كانت الرؤية الثاقبة لدولة الإمارات العربية المتحدة محوراً أساسياً في بناء قدرات قيادية وطنية قادرة على مواجهة التحديات واستشراف المستقبل. وفي سياق هذا الالتزام الراسخ بالاستثمار في الثروة البشرية، شهدت الساحة التعليمية والتطويرية إطلاق برامج نوعية تهدف إلى صقل مهارات قادة الغد. هذا النهج ليس وليد الصدفة، بل هو تجسيد لإدراك عميق بأن التقدم المستدام والتنافسية العالمية يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بتمكين الأفراد وتزويدهم بالأدوات اللازمة لقيادة مسيرة التطور والتحول المؤسسي، وتعزيز دور الدولة كمركز إقليمي رائد في تطوير القدرات الحكومية بما يواكب مستهدفات رؤيتها الطموحة نحو الريادة والتميز.
مبادرات استراتيجية: شراكة الكلية ووزارة الدفاع
في خطوة تؤكد التزام الدولة بتعزيز كفاءات كوادرها، أطلقت كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية، بالتعاون مع وزارة الدفاع متمثلة بمكتب سمو وزير الدفاع، برنامجي دبلوم قيادات المستقبل في دفعته الثانية، ودبلوم تمكين القيادات الشابة في دفعته الأولى. يجسد هذا التعاون الاستراتيجي تكاملاً نموذجياً بين المؤسسات التعليمية والجهات الحكومية، مؤكداً على أولوية الاستثمار في الإنسان كأغلى الثروات. تهدف هذه المبادرات إلى تزويد القيادات الحالية والناشئة بالمعارف والأدوات المبتكرة التي تمكنهم من صياغة مبادرات وسياسات تدعم جاهزية الدولة لمواجهة تحديات الغد، وترسيخ مكانتها التنافسية على الصعيدين الإقليمي والدولي.
رؤى قيادية: أهمية تطوير الكفاءات الدفاعية
يؤكد سعادة خليفة راشد الهاملي، مدير مكتب سمو وزير الدفاع، أن الوزارة تولي أهمية قصوى لتطوير قدرات منتسبيها، وتهيئتهم لتولي زمام القيادة في المستقبل. ويعكس إطلاق برنامجي “قيادات المستقبل” و”تمكين القيادات الشابة” هذا التوجه، حيث يهدفان إلى تزويد المشاركين بأدوات عملية لتعزيز مهاراتهم القيادية، وتمكينهم من اتخاذ القرارات الاستراتيجية بفعالية، وإدارة فرق العمل بكفاءة عالية. وتتطلع الوزارة إلى أن تسهم هذه البرامج بشكل مباشر في رفع جاهزيتها، وتعزيز مرونتها في التعامل مع التحديات المستقبلية بفاعلية أكبر.
من جانبه، أوضح سعادة الدكتور علي بن سباع المري، الرئيس التنفيذي لكلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية، أن هذه البرامج تمثل خطوة استراتيجية محورية في تطوير القدرات الحكومية. فهي تتيح للقيادات الحالية والناشئة اكتساب المعارف والأدوات الضرورية لإدارة التغيير وتعزيز الابتكار المؤسسي، بما يتسق مع المتغيرات السريعة في القطاع الحكومي ويخدم أهداف الدولة الطموحة في بناء مجتمع مستدام واقتصاد تنافسي قائم على المعرفة.
وأضاف سعادته أن الشراكة مع وزارة الدفاع تعكس التزام الطرفين بتطبيق نموذج تعليمي عملي وتفاعلي. يدمج هذا النموذج بين المعرفة النظرية والخبرات الميدانية، لتمكين المشاركين من اتخاذ القرارات الاستراتيجية بفعالية وكفاءة. كما يسهم في قيادة فرق العمل بكفاءة، والمشاركة في صياغة مبادرات وسياسات مبتكرة تدعم مسيرة التطوير والتحول المؤسسي، وتعزز مكانة دولة الإمارات كمركز رائد في صناعة القيادات وصانعي السياسات على المستويين الإقليمي والدولي.
منهجية متقدمة: تصميم البرامج واحتياجات العمل
في سياق متصل، أشارت عائشة الشامسي، مدير إدارة التعليم التنفيذي في الكلية، إلى أن تصميم وتنفيذ برنامجي “قيادات المستقبل” و”تمكين القيادات الشابة” جاء بعد دراسة معمقة لاحتياجات القيادات في وزارة الدفاع. وقد تم ذلك بما ينسجم تماماً مع المتطلبات المستقبلية للعمل الحكومي في دولة الإمارات. وتؤمن الكلية بأن التعليم التنفيذي لا يقتصر على نقل المعرفة فحسب، بل هو عملية تطوير متكاملة تركز على بناء المهارات القيادية والتفكير الاستراتيجي، وتمكين المشاركين من إحداث تأثير حقيقي وإيجابي في بيئات عملهم.
وأضافت الشامسي أن الكلية تحرص على أن تعكس برامجها واقع المؤسسات وتحدياتها الراهنة. لذلك، صُمم محتوى تفاعلي متكامل يجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، من خلال مشاريع واقعية وجلسات حوارية مع قيادات وخبراء مرموقين. هذا النهج يعزز جاهزية المشاركين ويمنحهم أدوات حقيقية لقيادة التغيير وصناعة الفارق داخل مؤسساتهم، بما يسهم في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للدولة.
دبلوم قيادات المستقبل: تعزيز التفكير الاستراتيجي
يأتي دبلوم قيادات المستقبل في دفعته الثانية كاستكمال للنجاح الباهر الذي حققته الدفعة الأولى. يهدف هذا البرنامج إلى إعداد قيادات تمتلك القدرة على ممارسة التفكير الاستراتيجي العميق واستشراف المستقبل بفعالية. كما يسعى إلى تمكينهم من صياغة مبادرات تتوافق بدقة مع المستهدفات الوطنية لدولة الإمارات. يمتد البرنامج على مدار 130 ساعة تدريبية، موزعة بين التعلم الحضوري، والتعلم الافتراضي المرن، والتعلم الذاتي، بالإضافة إلى مشروع تنفيذي متكامل وجلسات متخصصة مع قادة بارزين في مجالاتهم.
يرتكز البرنامج على ثمانية محاور رئيسية، تشمل: القيادة التحويلية، استشراف المستقبل وصناعة القرار، إدارة التغيير والتحول الرقمي، التفكير الاستراتيجي وإدارة الأداء، الصورة الذهنية والهوية المؤسسية، الابتكار المؤسسي، مهارات التأثير القيادي والاتصال الفعال، والتميز المؤسسي. ويتضمن الدبلوم مشروعات تنفيذية جماعية تعالج قضايا واقعية، ودراسات حالة لحكومات رائدة عالميًا، فضلاً عن جلسات حوارية مع شخصيات قيادية وطنية ودولية لنقل خبراتهم المباشرة للمشاركين.
بنهاية الدبلوم، يكون المشاركون قد اكتسبوا قدرات متقدمة تمكنهم من ممارسة القيادة التحويلية بمرونة وفعالية، وإدارة التغيير المؤسسي بكفاءة. كما يصبحون قادرين على استشراف الاتجاهات المستقبلية، وتبني استراتيجيات الابتكار والتميز المؤسسي، مما يعزز مساهمتهم في رفع كفاءة المؤسسات الوطنية وتنافسيتها على الساحة العالمية.
دبلوم تمكين القيادات الشابة: صقل المواهب الواعدة
أما دبلوم تمكين القيادات الشابة، فقد صُمم خصيصًا لإعداد جيل جديد من القيادات الناشئة داخل وزارة الدفاع. يهدف هذا البرنامج إلى تعزيز شخصياتهم القيادية وتأهيلهم للتعامل بكفاءة واقتدار مع بيئات العمل السريعة التغير. يمتد البرنامج على مدار 130 ساعة تدريبية، ويجمع بين التعلم الحضوري والافتراضي، إضافة إلى التعلم الذاتي الموجه. يدعم هذا النهج بمشروعات تطبيقية عملية ودراسات حالة مستمدة من تحديات واقعية تواجهها المؤسسات، مما يوفر تجربة تعليمية غنية ومترابطة.
يتناول البرنامج ثمانية محاور أساسية، وهي: الانضباط الإداري، إدارة فرق العمل، التعامل مع الضغوط المؤسسية، مهارات الاتصال وخدمة المتعاملين، التخطيط الشخصي وإدارة الوقت، الأمن المؤسسي، فهم الأنظمة واللوائح الداخلية، والتميز المؤسسي. ويعتمد أسلوب التعليم المدمج الذي يجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، من خلال مشاريع جماعية وجلسات نقاشية تفاعلية مع خبراء وقادة من داخل وخارج الوزارة.
في ختام البرنامج، يخرج المشاركون بمهارات قيادية راسخة قائمة على الانضباط والمسؤولية، وقدرة واضحة على إدارة الوقت وتخطيط المسار المهني. إضافة إلى ذلك، يطورون مهارات الاتصال والتأثير، وإدارة فرق العمل بكفاءة، والتعامل مع الضغوط المؤسسية بفاعلية، مما يسهم بشكل مباشر في رفع كفاءة الأداء المؤسسي وتعزيز مرونته في مواجهة المتغيرات المتسارعة.
وأخيراً وليس آخراً
يمثل إطلاق برنامجي “قيادات المستقبل” و”تمكين القيادات الشابة” خطوة استراتيجية جديدة ومتقدمة في مسار التعاون المثمر بين كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية ووزارة الدفاع. هذه المبادرة لا تسهم فقط في إعداد قيادات تمتلك الوعي الاستراتيجي العميق والقدرة على الابتكار والتطوير المستمر، بل تجسد أيضاً الأهداف الاستراتيجية الطموحة للأجندة الوطنية ورؤية دولة الإمارات في بناء مجتمع متماسك واقتصاد تنافسي قائم على المعرفة والابتكار. كما تعزز مكانة الدولة كنموذج رائد عالمياً في الاستثمار في العنصر البشري، من خلال إعداد أجيال قيادية قادرة على مواصلة مسيرة التنمية المستدامة وترسيخ ريادتها الإقليمية والدولية. فهل ستستمر هذه النماذج التكاملية في تعزيز موقع الإمارات كمركز عالمي لصناعة القادة في المستقبل؟








