افتتاح المجلس الوطني الاتحادي: ركيزة الشورى ومسيرة التنمية في الإمارات
لطالما كانت الممارسة السياسية الرشيدة، المتجذرة في قيم الشورى والتشارك، حجر الزاوية في بناء الدول الحديثة التي تطمح إلى تحقيق الرفاه والتقدم لشعوبها. وفي الإمارات العربية المتحدة، يتجسد هذا النهج بوضوح عبر مؤسساتها التشريعية، وعلى رأسها المجلس الوطني الاتحادي. يمثل افتتاح دورات انعقاد المجلس لحظات فارقة، لا تعكس فقط استمرارية العمل المؤسسي، بل تؤكد التزام القيادة بتعزيز المشاركة الشعبية وتكريس مبادئ الحكم الرشيد. إن هذه الافتتاحات ليست مجرد إجراءات شكلية، بل هي محطات لتجديد العهد بين القيادة والشعب، واستشراف آفاق جديدة من التنمية الشاملة التي ترتكز على الإنسان والمجتمع كأساس للبناء.
حدث تاريخي: تدشين دور الانعقاد الثالث للمجلس الوطني الاتحادي
في مناسبة شهدت حضورًا رفيع المستوى ورمزية عميقة، افتتح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، نيابةً عن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، دور الانعقاد العادي الثالث من الفصل التشريعي الثامن عشر للمجلس الوطني الاتحادي. وقد أقيم هذا الافتتاح بحضور سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، وشكل بداية مرحلة جديدة من العمل التشريعي والدستوري في الدولة.
بدأت المراسم الرسمية، التي حضرها سمو أولياء العهود ونواب الحكام وعدد من كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، بالإضافة إلى أعضاء السلك الدبلوماسي، بالسلام الوطني الإماراتي تلاه آيات من الذكر الحكيم، مما أضفى على المناسبة طابعًا مهيبًا. هذا التجمع القيادي والشعبي يعكس الأهمية التي توليها القيادة الحكيمة للمجلس الوطني الاتحادي كمنبر أساسي لتمثيل صوت الشعب وتعزيز مبادئ الشورى التي قامت عليها الدولة.
رسالة الافتتاح: عهد متجدد للبناء والازدهار
تفضل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بإعلان افتتاح دور الانعقاد، مؤكدًا على التطلعات الكبيرة المرجوة من هذه الدورة في خدمة الوطن والمواطنين. هذا الافتتاح يأتي استنادًا إلى المرسوم الاتحادي رقم 151 لسنة 2025، الصادر عن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، والذي دعا بموجبه المجلس للانعقاد، ليؤكد بذلك الدعم المستمر والتوجيه الحكيم من القيادة للعمل التشريعي.
إن كلمات الافتتاح تحمل في طياتها رؤية واضحة لمستقبل الإمارات، حيث يتم التركيز على استدامة الإنجازات وتعزيز مسيرة التنمية التي ترتكز على مبادئ العدالة والرخاء. هذا النهج يرسخ مكانة الإمارات كنموذج رائد في المنطقة والعالم، يجمع بين الأصالة والمعاصرة في منظومته الحكومية والاجتماعية.
كلمة رئيس المجلس: شراكة فاعلة ورعاية سامية
ألقى معالي صقر غباش، رئيس المجلس الوطني الاتحادي، كلمة ترحيبية سامية، عبر فيها عن تقدير المجلس العميق للدعم والرعاية اللامحدودة التي يحظى بها من القيادة الرشيدة. وأكد معاليه أن هذا الدعم يجسد الشراكة الفاعلة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويترجم النهج الذي أرساه الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وإخوانه المؤسسون، طيب الله ثراهم، منذ قيام دولة الاتحاد. إن هذه الشراكة هي الضامن لاستمرارية التطور والازدهار.
تاريخيًا، مثلت هذه الرعاية السامية ركيزة أساسية للمشاركة السياسية المتجذرة في الخصوصية الحضارية للإمارات، والتي تهدف إلى الارتقاء بالوطن والمواطن. وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم الشورى ليس مجرد ممارسة حديثة، بل هو جزء أصيل من النسيج الاجتماعي والثقافي للمجتمع الإماراتي، حيث تعزز المبادئ الإسلامية والعربية التقليدية أهمية التشاور والتوافق في اتخاذ القرارات.
عام الإنجازات ورؤية المستقبل
لفت معاليه إلى أن عام 2025 كان عامًا مميزًا لدولة الإمارات، شهدت فيه تحقيق إنجازات كبرى على الصعيدين الداخلي والخارجي. فقد تبوأت الدولة مكانة رفيعة في سلم التنافسية الدولية، محرزة تقدمًا ملحوظًا في مؤشرات الأمن، والاقتصاد، والابتكار، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، وجودة الحياة. كما تقدمت الإمارات إلى صفوف الدول الأولى في مؤشر القوة الناعمة، وهو ما يعكس فعاليتها الدبلوماسية والثقافية على المستوى العالمي.
جاءت أبرز ميزات هذا العام بتوجيهات القيادة بتخصيص عام 2025 ليكون “عام المجتمع” وعام 2026 ليكون “عام الأسرة”. هذه التسميات تتجاوز مجرد الاحتفاء لتذكر بالجوهر الإنساني الذي تعود إليه مسيرة التنمية في كل لحظة بناء. “عام المجتمع” يرمز إلى أن روح الانتماء هي القادرة على حماية منجزات الدولة واستدامتها، بينما “عام الأسرة” يذكر بأن التنمية لا تكتمل إلا بتجذرها في نسيج الأسرة وفي بنيتها الأخلاقية والمعرفية، معززًا الوعي بأن الارتقاء بالأسرة والأفراد تجاه الوطن يمثل مسؤولية وشراكة لا امتيازًا.
الميزانية الاتحادية ودور الإمارات العالمي
أشار معالي رئيس المجلس إلى إقرار الميزانية الاتحادية لعام 2026، والتي تعد الأكبر في تاريخ الدولة، مما يؤكد أن الإمارات تمضي في مسار تصاعدي من النمو والاستقرار. هذه الميزانية ليست مجرد رقم قياسي، بل هي رسالة ثقة استراتيجية تعبر عن نضج الإدارة المالية للدولة وقدرتها على تحقيق التوازن بين الاستدامة والتنمية، وربط رفاهية الحاضر باستشراف المستقبل. هذا يدل على رؤية اقتصادية بعيدة المدى تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتعزيز الازدهار المستدام.
على الصعيد الخارجي، تواصل الإمارات دورها الريادي في تعزيز الأمن والسلام الإقليمي والعالمي، وتثبيت قيم الحوار والتفاهم، وترسيخ مبادئ التسامح والتعايش بين الأمم. وتؤمن الدولة بأن ازدهار أي بلد لا يكتمل إلا باستقرار ونمو محيطه الإقليمي والدولي، وهو ما يتجلى في مد يد العون الإماراتية لكل محتاج، شقيق وصديق، في مناطق الصراعات الدولية وخارجها. ويظل الموقف الإماراتي ثابتًا في دعم الشعب الفلسطيني ونصرة القضية الفلسطينية العادلة، وهي مواقف ترسخ مكانتها كلاعب رئيسي في الساحة الدولية.
تجديد الالتزام: بوصلة المجلس الوطني الاتحادي
جدد المجلس الوطني الاتحادي التزامه الكامل بأداء مهامه الدستورية بنهج المسؤولية الكاملة، ومواكبة طموحات وتوجهات القيادة الرشيدة والشعب الكريم في عالم متغير. وأكد معاليه أن بوصلة المجلس ستظل دائمًا في اتجاه رؤية القيادة الرشيدة، التي تمثل خارطة الطريق لبناء الدولة الأكثر استعدادًا لمستقبل الإنسان. حيث تكون المعرفة ركيزة الازدهار، والعدالة الاجتماعية أساس التنمية، والمواطنة محور التقدم.
تعكس هذه الكلمات الروح التي توجه عمل المجلس، مستلهمة من أقوال قيادة الدولة، مثل قول صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بأن “بناء الإنسان هو الأولوية وهو جوهر التنمية”، وقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بأن “الإمارات أنبل رحلة لبناء الإنسان”. هذه المبادئ هي التي توجه كل جهد وسعي نحو بناء مستقبل مشرق للأجيال القادمة.
و أخيرا وليس آخرا
إن افتتاح دور الانعقاد الثالث للمجلس الوطني الاتحادي يمثل أكثر من مجرد حدث سياسي روتيني؛ إنه تأكيد على حيوية النموذج الإماراتي في الحكم والشورى، ومحطة لتجديد الالتزام بتحقيق طموحات شعب يتطلع إلى مستقبل أفضل. من خلال استعراض إنجازات عام 2025 ووضع ميزانية 2026، تتجلى رؤية متكاملة لدولة لا تتوقف عن التطلع إلى الأمام، مستلهمة من مبادئ مؤسسيها العظام. فهل ستظل هذه الشراكة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية هي المحرك الأساسي لمزيد من الازدهار والريادة العالمية في السنوات القادمة؟ إن التاريخ وحده كفيل بالإجابة، ولكن المؤشرات الحالية تدعو إلى التفاؤل بمستقبل واعد.









