برنامج نافس وتأثيره المحوري على تعزيز التوطين في القطاع الخاص الإماراتي
تُعدّ البرامج والمبادرات الوطنية الرامية إلى تمكين الكوادر المواطنة في مختلف القطاعات الاقتصادية حجر الزاوية في بناء مستقبل مستدام ومزدهر. ففي ظل التنافسية العالمية المتزايدة، تسعى دولة الإمارات العربية المتحدة، من خلال رؤيتها الثاقبة، إلى ترسيخ مكانة أبنائها في صدارة المشهد الاقتصادي، لا سيما في القطاع الخاص الذي يُشكل رافعة أساسية للنمو والتنوع. ومن هنا، يبرز برنامج نافس كمثال حي على هذه الجهود الطموحة، الذي لا يقتصر تأثيره على الأرقام والإحصائيات فحسب، بل يمتد ليلامس النسيج الاجتماعي والاقتصادي للدولة، معيدًا تشكيل مسارات مهنية واعدة للشباب الإماراتي، ومؤكدًا على الأثر العميق للتخطيط الاستراتيجي في تحقيق الأهداف الوطنية.
ملتقى نافس السنوي: منصة لتقييم الإنجازات وتحديد المسارات المستقبلية
اختتم مجلس تنافسية الكوادر الإماراتية فعاليات الدورة الثانية من ملتقى نافس السنوي، الذي استضافه مركز دبي للمعارض بمدينة إكسبو. لم يكن هذا الملتقى مجرد تجمع اعتيادي، بل كان بمثابة محطة تقييمية هامة لاستعراض المنجزات الكبيرة التي حققها برنامج نافس، والذي يهدف إلى دعم الكوادر الوطنية وتعزيز قدرتها التنافسية في القطاع الخاص الحيوي. شهد الحدث حضورًا رفيع المستوى، ضم معالي الدكتور سلطان بن سيف النيادي، وزير دولة لشؤون الشباب، إلى جانب سعادة غنام المزروعي، الأمين العام لمجلس تنافسية الكوادر الإماراتية، وسعادة خليل الخوري، وكيل وزارة الموارد البشرية والتوطين لعمليات سوق العمل والتوطين، وسعادة فراس الرمحي، مدير عام الهيئة العامة للمعاشات والتأمينات الاجتماعية.
مسيرة “نافس”: قفزة نوعية في توطين القطاع الخاص
في كلمته الافتتاحية، أكد سعادة غنام المزروعي أن برنامج نافس يمثل تجسيدًا لرؤية القيادة الرشيدة في تمكين أبناء الوطن وتعزيز مساهمتهم الفاعلة في بناء اقتصاد تنافسي ومستدام. وكشف المزروعي عن أرقام لافتة تؤكد نجاح البرنامج في تحقيق أهدافه الطموحة. فقد شهد عدد المواطنين العاملين في القطاعين الخاص والمصرفي ارتفاعًا قياسيًا، حيث تجاوز 157 ألف مواطن، مقارنة بـ 29 ألف مواطن قبل أربع سنوات فقط، وهو ما يمثل نموًا فاق 437%.
تزامن هذا النمو الملفت مع اتساع نطاق المنشآت في القطاع الخاص التي تضم كوادر إماراتية، حيث ارتفع عددها من 7 آلاف إلى أكثر من 30 ألف منشأة. هذه الإحصائيات لا تعكس مجرد أرقام، بل تؤشر إلى تحول ثقافي واقتصادي عميق، يرى في الكفاءات الوطنية المحرك الأساسي للنمو.
تطور برنامج نافس: مبادرات استراتيجية لتعزيز الحضور الوطني
لم تتوقف مسيرة برنامج نافس عند تحقيق الأرقام فحسب، بل امتدت لتشمل إطلاق مسارات جديدة ومبادرات استراتيجية تهدف إلى تعزيز حضور الكوادر الوطنية في سوق العمل. ولتوسيع نطاق تأثير البرنامج، أطلقت مبادرات نوعية استهدفت شرائح واسعة من المجتمع. ومن أبرز هذه المبادرات: مبادرة الثقافة المجتمعية، التي شملت زيارات للمجالس والجولات التوعوية في الجامعات، بهدف غرس ثقافة العمل في القطاع الخاص لدى الشباب.
بالإضافة إلى ذلك، تم إطلاق “جائزة نافس” و”مجلس شباب نافس”، بهدف تحفيز التميز والمشاركة الفاعلة. وقد أسهمت حملة “نافس على طريقتك”، التي شارك فيها أكثر من 600 قصة نجاح، في إبراز الأثر الإيجابي للبرنامج في المجتمع. هذا الزخم المجتمعي أسفر عن ارتفاع معدل جذب القطاع الخاص للخريجين من 15% إلى 58%، مما يعني أن ستة من كل عشرة خريجين يبدأون اليوم مسيرتهم المهنية في هذا القطاع الحيوي.
الأثر الاجتماعي لبرنامج نافس: دعم استقرار الأسر وتمكين الشباب
تزامنت هذه التحولات مع ارتفاع كبير في عدد المواطنين المسجلين في القطاع الخاص لدى هيئات وصناديق المعاشات، بنسبة 245% خلال الفترة الممتدة بين عامي 2022 و2025. وأشار المزروعي إلى أن عدد المستفيدين من برنامج نافس بلغ أكثر من 132 ألف مواطن، ويتم صرف علاوة الأبناء لأكثر من 24 ألف طفل من أبناء المستفيدين.
هذه المساهمات المالية لا تقتصر على الدعم الاقتصادي فحسب، بل تؤكد على الأثر الاجتماعي الملموس للبرنامج في دعم استقرار الأسر المواطنة وتعزيز جودة الحياة لديها، مما يترجم الرؤية الشاملة للقيادة في تنمية الإنسان والمجتمع.
جائزة نافس 2025 – 2026: تكريم للتميز في التوطين
شهد الملتقى إطلاق الدورة الرابعة من “جائزة نافس 2025 – 2026″، والتي تهدف إلى تكريم الأفراد المتميزين والمنشآت التي حققت إنجازات استثنائية في مجال التوطين. تسعى الجائزة إلى تحفيز المزيد من الكفاءات الإماراتية للمشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية، وترسيخ ثقافة التميز والتنافسية في القطاع الخاص، انسجامًا مع رؤية القيادة الرشيدة لتعزيز مشاركة الكوادر الوطنية في سوق العمل.
تنقسم الجائزة إلى فئتين رئيسيتين: فئة المنشآت، التي تستهدف جميع الجهات المشمولة ضمن مستهدفات التوطين الصادرة عن وزارة الموارد البشرية والتوطين والمصرف المركزي. أما فئة الأفراد، فتشمل جميع المواطنين الإماراتيين العاملين في القطاع الخاص ضمن المنشآت الواقعة تحت مظلة الوزارة والمصرف المركزي، أو مؤسسات التعليم الخاصة، أو جمعيات النفع العام، أو المناطق الحرة.
فئات جديدة وتشجيع للكفاءات في القطاع التعليمي
تم تصنيف فئة الأفراد إلى إحدى عشرة فئة فرعية تغطي مختلف المجالات الوظيفية، لضمان تكريم شامل للمتميزين في كل قطاع. كما شهدت الدورة الحالية استحداث فئة جديدة مخصصة للمواطنين العاملين في الوظائف التعليمية. هذه الخطوة الهامة تسلط الضوء على الكفاءات الوطنية المتميزة في هذا القطاع الحيوي والاستراتيجي، مما يعكس الأهمية المتزايدة للاستثمار في التعليم وتأهيل الكوادر الإماراتية لقيادة المستقبل المعرفي. يمكن لجميع المواطنين الراغبين بالمشاركة التقدّم بطلب الترشيح الذاتي عبر الموقع الإلكتروني المخصص للجائزة في المجد الإماراتية.
برنامج تطوير كوادر القطاع الصحي: رؤية استشرافية لمستقبل الرعاية الصحية
خلال الملتقى، تم الإعلان أيضًا عن تعهدات “برنامج تطوير كوادر القطاع الصحي”، وهو أحد البرامج المحورية ضمن مبادرة نافس. يهدف هذا البرنامج إلى تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مجلس تنافسية الكوادر الإماراتية والمنشآت الصحية في جميع أنحاء الدولة. يتيح البرنامج للطلاب المسجلين اكتساب الخبرة العملية والانخراط المبكر في سوق العمل من خلال فرص تدريب وتوظيف منظمة، سواء أثناء فترة دراستهم أو بعد تخرجهم.
تهدف هذه التعهدات إلى رفع جاهزية الطلاب الإماراتيين وتعزيز فرص توظيفهم عبر منحهم خبرات ميدانية واقعية لا تقدر بثمن. كما أنها تدعم المنشآت الصحية في تلبية احتياجاتها المتزايدة من الكوادر الوطنية، وتحقيق مستهدفات التوطين في هذا القطاع الحيوي الذي يشكل عماد الأمن الصحي للمجتمع.
و أخيرا وليس آخرا
يُظهر اختتام الدورة الثانية من ملتقى نافس السنوي مدى التقدم الملحوظ الذي أحرزته دولة الإمارات العربية المتحدة في مجال توطين القطاع الخاص، مؤكدًا على أن برنامج نافس ليس مجرد مبادرة، بل هو رؤية متكاملة تلامس جوهر التنمية المستدامة. من خلال الأرقام القياسية في توظيف المواطنين وتوسيع نطاق المنشآت التي تحتضنهم، وصولاً إلى المبادرات النوعية وجائزة نافس وبرنامج تطوير كوادر القطاع الصحي، تتجلى إرادة قوية نحو تمكين الكفاءات الوطنية. إن هذا النجاح يعكس التزامًا راسخًا ببناء اقتصاد المعرفة الذي يقوده أبناؤه، فهل تفتح هذه النتائج الباب أمام نماذج توطين أكثر شمولية في قطاعات أخرى لم تشملها المبادرة بعد؟ وهل ستشهد السنوات القادمة تسارعًا أكبر في جذب المواطنين للقطاع الخاص بما يتجاوز التوقعات الحالية؟










