اضطرابات الأكل: نظرة تحليلية شاملة وجهود دولة الإمارات في المكافحة
تتنوّع اضطرابات الأكل، وتختلف في خصائصها وأعراضها الفريدة، إلا أنها تشترك في كونها حالات صحية عقلية خطيرة تؤثر في الصحة الجسدية والنفسية على حد سواء.
تحلل الدكتورة تيزيم دانجي، استشارية الطب النفسي للأطفال والمراهقين والمتخصصة في اضطرابات الأكل في عيادة سيج، أهم الأفكار لتصحيح المفاهيم الخاطئة، والحد من الوصم، وتشجيع الأفراد على طلب المساعدة اللازمة.
ما هي اضطرابات الأكل وأهميتها كقضية صحية عقلية؟
تُعرّف اضطرابات الأكل بأنها حالات صحية عقلية تتسم بسلوكيات وأفكار ومشاعر غير صحية تجاه الطعام، أو الأكل، أو وزن الجسم، أو شكله، مما يعطل الأداء اليومي للفرد.
قد يحدث خلط بين اضطرابات الأكل واضطرابات الصحة الجسدية، نظراً لأنها تظهر بشكل واضح. يميل البعض للاعتقاد بأن تناول المزيد من الطعام هو الحل، إلا أن هذه الانشغالات غالباً ما تكون متجذرة في حاجة الشخص إلى السيطرة، أو في تحديات صحية عقلية أساسية مثل القلق، أو الاكتئاب، أو الصدمات. لذا، فإن التدخلات النفسية، كالعلاج السلوكي المعرفي، ضرورية للتعافي.
تعتبر اضطرابات الأكل من بين الاضطرابات النفسية ذات أعلى معدلات الوفيات، وذلك بسبب تأثيرها المزدوج على الصحة الجسدية والنفسية. فسؤ التغذية المطول، والإفراط في تناول الطعام، أو التقييد الشديد له، قد يشكل تهديداً حقيقياً للحياة.
الأعراض الجسدية لاضطرابات الأكل
تشمل الأعراض الجسدية الشائعة تقلبات حادة في الوزن، سواء فقدانه أو زيادته بشكل ملحوظ، ومشاكل في الجهاز الهضمي كالإمساك، والانتفاخ، وآلام المعدة نتيجة لأنماط الأكل غير المنتظمة أو التطهير. كما يعاني العديد من الأفراد من التعب المستمر، وضعف العضلات، وزيادة الحساسية للبرد بسبب سوء التغذية وتباطؤ التمثيل الغذائي. بالإضافة إلى ذلك، تعتبر التغيرات في المظهر بسبب سوء التغذية شائعة، بما في ذلك ترقق الشعر، وهشاشة الأظافر، وجفاف الجلد، ومشاكل الأسنان كتآكل مينا الأسنان والحساسية، والتي غالباً ما ترتبط بالقيء المتكرر.
تشمل العلامات الجسدية الأخرى الدوخة أو الإغماء نتيجة للجفاف أو اضطراب الكهارل، وعدم انتظام ضربات القلب، وانقطاع الدورة الشهرية لدى الإناث (انقطاع الطمث).
الأعراض النفسية: جرس إنذار
في الواقع، الأعراض الجسدية هي علامات واضحة على وجود ضائقة نفسية كامنة، والتي قد تشمل مشاعر الخجل، والأفكار الوسواسية، والسلوكيات الجامدة، والشعور بالذنب، واليأس.
إن الكشف المبكر والعلاج الشامل أمران ضروريان لمنع هذه النتائج المهددة للحياة.
لماذا تتأخر عملية اكتشاف اضطرابات الأكل؟
الكثير من الأفراد والأسر لا يدركون علامات اضطراب الأكل. غالباً ما نثني على أقراننا لفقدانهم الوزن، دون أن نضع في الاعتبار أن ذلك قد يكون مرتبطاً بمخاوف دفينة تتعلق بصورة الجسم. كما أن زيادة الوزن غالباً ما تُعزى إلى الإفراط في تناول الطعام بدلاً من كونها آلية للتكيّف مع الاضطرابات العاطفية. في مجتمع مهووس بالمظهر، من السهل تجاهل العلامات التي تشير إلى معاناة الأفراد. نميل إلى تمجيد السلوكيات المتعلقة بالطعام، فنشيد بالقيود الغذائية ونخجل من أنفسنا والآخرين عند تناول أطعمة غير صحية.
قد يقلل الآباء من شأن اضطرابات الأكل ويعتبرونها مجرد مرحلة عابرة أو يفترضون أن الأبناء سيتخلصون منها مع التقدم في السن. وتعكس ردود الأفعال الشائعة، مثل “لماذا لا تستطيع أن تأكل؟”، سوء فهم لتعقيد هذا المرض. وتزيد الوصمة من الخوف من الحكم والتردد في طلب المساعدة.
جهود دولة الإمارات في مكافحة اضطرابات الأكل
تتبنى دولة الإمارات العربية المتحدة نهجاً استباقياً لمكافحة اضطرابات الأكل، وذلك من خلال توفير العديد من المراكز المتخصصة التي يمكن للأفراد طلب المساعدة من خلالها. على سبيل المثال، تقدم خدمة اضطرابات الأكل في عيادة سيج في دبي علاجات متخصصة قائمة على الأدلة، بالإضافة إلى مجموعات مهارات للوالدين وبرامج للتوعية المجتمعية لمساعدة الأفراد والأسر المتضررة من هذه الاضطرابات. تتضمن هذه البرامج محادثات تعليمية مجانية للمدارس، والآباء، والمؤسسات، بالإضافة إلى موارد عبر الإنترنت مثل المدونات ومقاطع الفيديو.
كما قام إطار الثروة العقلية في دولة الإمارات العربية المتحدة بتقديم فحوصات للرعاية الأولية لاضطرابات الأكل، والقلق، والاكتئاب للأفراد الذين تبلغ أعمارهم 12 عاماً فأكثر، مما يساهم في الكشف المبكر عن هذه الحالات.
تعتبر هذه الخطوات عظيمة وفي الاتجاه الصحيح، لأننا نعلم أن الاكتشاف المبكر هو المفتاح لتحقيق نتائج أفضل في العلاج.
أهمية الاكتشاف المبكر والعلاج في تحسين فرص التعافي
التدخل المبكر يحسن من نتائج التعافي بشكل كبير. تشير الأدلة إلى أن علاج اضطرابات الأكل خلال السنوات الثلاث الأولى من ظهورها يوفر أفضل تشخيص، ويقلل من خطر الإصابة بالأمراض المزمنة والحالات المصاحبة مثل القلق، والاكتئاب، ومشاكل الصحة البدنية طويلة الأمد.
وقد تبنى أسبوع التوعية باضطرابات الأكل (24 فبراير – 2 مارس 2025) شعار “الآن هو الوقت المناسب”، وهو أمر بالغ الأهمية. فهو يشجع على اتخاذ إجراءات فورية لمواجهة المرض والتدخل في أقرب وقت ممكن. إنه تذكير بأن الوقت محدود – فكلما تحركنا مبكراً، كانت النتائج أفضل للتعافي والرفاهية على المدى الطويل.
نصائح لبدء محادثة مع شخص يشتبه في معاناته من اضطراب في الأكل
اكتساب المعرفة والفهم لاضطرابات الأكل يمكن أن يساعد في التعامل مع المحادثة مع أحد أفراد أسرتك. استخدم أسئلة متعاطفة وغير حكمية ومفتوحة، مثل: “هل هناك أي شيء يقلقك؟” أو “لقد لاحظت هذا… هل يمكنك أن تخبرني كيف تشعر؟”
تجنب التركيز على السلوكيات الجسدية مثل قلة أو الإفراط في تناول الطعام، أو فقدان الوزن أو زيادته. فقط عبر عن اهتمامك بسلامتهم.
اختر وقتاً يكون فيه الشخص مسترخياً وبعيداً عن السيناريوهات التي قد تسبب له الضيق، مثل أوقات تناول الطعام. قم بإنشاء بيئة آمنة وخالية من المشتتات للسماح بالتواصل الصادق. كن مستعداً للمقاومة أو الإنكار وأخبره أنك موجود لدعمه عندما يكون مستعداً.
تتوفر المساعدة والموارد المتخصصة، مثل مجموعات الدعم أو المعالجين. عندما يحين الوقت المناسب، فكر في هذه الخيارات لأنها خطوة حاسمة نحو التعافي.
لمزيد من المعلومات، قم بزيارة موقع المجد الإماراتية الإلكتروني أو اتصل بخدمة اضطرابات الأكل الخاصة بهم مباشرة.
أنواع اضطرابات الأكل
-
فقدان الشهية العصبي: يتميز بالتقييد الشديد في تناول الطعام، والخوف الشديد من زيادة الوزن، وصورة الجسم المشوهة، مما يؤدي غالباً إلى انخفاض وزن الجسم بشكل خطير.
-
الشره العصبي: يتضمن دورات من الإفراط في تناول الطعام تليها سلوكيات التطهير مثل القيء، أو الإفراط في ممارسة الرياضة، أو استخدام الملينات لمنع زيادة الوزن.
-
اضطراب نهم الطعام: يتميز بنوبات متكررة من الإفراط في استهلاك الطعام دون سلوكيات تعويضية، مما يؤدي غالباً إلى الضيق، والخجل الشديد، والشعور بفقدان السيطرة.
-
اضطراب تناول الطعام الاجتنابي أو المحدد: يتضمن قيوداً شديدة في تناول الطعام بسبب الحساسيات الحسية، أو الخوف من الاختناق، أو عدم الاهتمام بالأكل، بدلاً من المخاوف بشأن صورة الجسم.
وأخيرا وليس آخرا
إن قضية اضطرابات الأكل تتطلب تضافر الجهود على كافة المستويات، بدءاً من التوعية المجتمعية وصولاً إلى توفير العلاج المتخصص. جهود دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا المجال تبعث الأمل، وتؤكد على أهمية الكشف المبكر والتدخل الفوري لضمان صحة ورفاهية المجتمع. هل يمكن لهذه الجهود أن تلهم دولاً أخرى لتبني استراتيجيات مماثلة؟







