اضطرابات الأكل لدى الرجال: تحديات وصعوبات في التشخيص والعلاج
عادة ما تبدأ القصة ببراءة، مثلما حدث مع “بارث” الذي لم يظن يوماً أنه قد يعاني من اضطراب في الأكل. شرارة البداية كانت مقاطع الفيديو المنتشرة على تيك توك، حيث يظهر شباب مفتولي العضلات بجاذبية وثقة عالية، مما زرع في نفسه بذور الشك حول مظهره.
لقد بدأت أشعر ببعض الوزن الزائد وأن مظهري لم يعد كما كنت أريد، هذا ما قاله “بارث”.
بداية المعاناة وتقليل الطعام
لذا، قرر “بارث” تقليل كمية الطعام التي يتناولها، بهدف التخلص من بعض الكيلوغرامات واستعادة شكله السابق. ولكن، ما بدأ كعدم رضا عن صورة الجسم سرعان ما تحول إلى مشكلة أعمق، خاصة بعد انتقاله من دبي للدراسة الجامعية قبل عامين.
آلية للتكيف والسيطرة
وجد “بارث” في التحكم بتناول الطعام وسيلة للتكيف مع الضغوط العاطفية والنفسية. كان يحاول تجنب الأكل لأطول فترة ممكنة، معتبراً ذلك متنفساً للتعامل مع صعوبات الحياة.
لقد أصبح تجويع نفسي وسيلة للتغلب على ضغوط الحياة، وكان يجعلني أشعر بتحسن تجاه نفسي عندما تسوء الأمور الأخرى، هكذا وصف “بارث” تجربته.
حاول “بارث” التغلب على المشكلة بزيادة كمية الطعام، لكنه لم يستطع التخلص من هواجس الطعام والوزن والسيطرة.
رحلة العلاج وتشخيص فقدان الشهية
في بحثه عن حل، توجه “بارث” إلى العلاج النفسي، حيث تم تشخيص حالته بفقدان الشهية العصبي.
لقد شعرت بالخوف من التشخيص، هكذا اعترف “بارث”. كنت أتوقع جلسات قليلة لمناقشة عدم الرضا عن صورة الجسم، ولكن عندما أحالوني إلى أخصائي وأخبروني أننا سنحتاج إلى عدة أشهر، شعرت بالتوتر.
لفترة طويلة، أنكر “بارث” إصابته بفقدان الشهية، معتقداً أن المصابين بهذا المرض يجب أن يكونوا نحيلين جداً، وهو ما لم يره في نفسه.
سوء الفهم لاضطرابات الأكل لدى الرجال
هناك سوء فهم كبير حول اضطرابات الأكل، خاصة فيما يتعلق بالرجال. تاريخياً، تم ملاحظة فقدان الشهية لأول مرة في القرن السابع عشر، وكان يُنظر إليه دائماً كمرض يصيب الإناث بشكل خاص، كما أوضحت الدكتورة فيكتوريا ماونت فورد، رئيسة قسم علم النفس في عيادات سيج.
النظرة النمطية وتأثيرها
لعقود طويلة، كانت اضطرابات الأكل تعتبر قضية نسائية مرتبطة بالاهتمام بالمظهر أو الرغبة في إنقاص الوزن. حتى أن معايير التشخيص المبكرة كانت تتضمن انقطاع الطمث، مما يجعل تشخيص هذه الاضطرابات لدى الرجال أمراً صعباً.
الوصمة الاجتماعية وتأثيرها
الوصمة المحيطة بصحة الرجال عموماً تزيد من صعوبة اعترافهم بإمكانية إصابتهم باضطراب في الأكل.
الكثير من الرجال لا يدركون أنهم يعانون من اضطراب في الأكل، ويعتقدون أنهم يفتقرون إلى قوة الإرادة، دون النظر إلى الأسباب الجذرية لهذه السلوكيات، هذا ما أكدته الدكتورة ماونت فورد.
بشكل عام، الرجال أقل عرضة لزيارة الطبيب لأي مشكلة صحية، وهناك وصمة كبيرة حول الصحة العقلية للرجال، خاصة الاعتراف بأن مشكلة “أنثوية” قد تؤثر عليهم.
اضطراب الشراهة في تناول الطعام
على الرغم من أن “بارث” لم يعانِ من ذلك، فإن اضطراب الشراهة في تناول الطعام (BED) هو الأكثر شيوعاً بين الرجال. يتميز هذا الاضطراب بنوبات متكررة من تناول كميات كبيرة من الطعام في فترة قصيرة، مع فقدان السيطرة.
أعراض وتداعيات اضطراب الشراهة
الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب يستهلكون الطعام حتى في حالة عدم الشعور بالجوع، وغالباً ما يعانون من مشاعر الذنب والخجل بعد تناول كميات كبيرة. مع مرور الوقت، يمكن أن يؤدي هذا الاضطراب إلى مشاكل صحية مثل السمنة، والسكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، بالإضافة إلى تحديات نفسية مثل القلق والاكتئاب.
محفزات اضطراب الشراهة
غالباً ما يحدث الإفراط في تناول الطعام نتيجة للضيق العاطفي، مثل التوتر والقلق والاكتئاب والشعور بالوحدة. يمكن أن يحدث أيضاً بسبب اتباع نظام غذائي قاسٍ أو مقيد، مما يؤدي إلى حرمان الجسم وفقدان السيطرة عند الشعور بالجوع الشديد.
استراتيجيات التعافي
التعرف على هذه المحفزات أمر بالغ الأهمية لكسر هذه الدائرة. استراتيجيات مثل تناول الطعام بوعي، والتخطيط المنظم للوجبات، وإدارة الإجهاد، والعلاج السلوكي المعرفي تعتبر أدوات فعالة للتعافي.
اضطراب الأكل الشرهي يصيب الرجال والنساء بنسبة متساوية تقريباً، وحتى إذا كان الرجال منخرطين في هذا السلوك، فإن العديد منهم لا يدركون حتى أنهم يعانون من اضطراب في الأكل، هذا ما أكدته الدكتورة ماونت فورد.
تأخر العلاج وتفاقم الأعراض
بالنسبة للكثيرين، يأتي العلاج متأخراً جداً. الأطباء غالباً ما يكونون أكثر استعداداً للبحث عن اضطرابات الأكل لدى الفتيات المراهقات اللاتي يعانين من نقص الوزن، بينما يتم إرسال الرجال لإجراء فحوصات جسدية متعددة قبل أن يشك أحدهم في أنهم قد يعانون من الشراهة في تناول الطعام.
البيئة ودورها في اضطرابات الأكل
الدكتورة ماونت فورد تشير أيضاً إلى دور البيئة في إصابة الرجال باضطرابات الشراهة في تناول الطعام.
دبي تتميز بإيقاع سريع وضغوط عالية، حيث تضع معايير متزايدة على الأفراد. يعيش الرجال في بيئة يتوقع منهم فيها أن يتمتعوا بجسم ممشوق وأن يتعاملوا مع نمط حياة سريع الوتيرة. وبينما يتمتعون بسهولة الوصول إلى مجموعة واسعة من الأطعمة المغرية واللذيذة، قد يجدون أنفسهم في مواجهة صراع داخلي بين الرغبة في التمتع بهذه الأطعمة والسعي لتحقيق الكمال في شكل أجسادهم.
أهمية التوعية والدعم
نحن بحاجة إلى تثقيف المتخصصين في الرعاية الصحية والجمهور حول ما تبدو عليه اضطرابات الأكل لدى الرجال. تشوهات العضلات، والعادات المفرطة في ممارسة الرياضة، ومتابعة الطعام بشكل مفرط، والقلق، والاكتئاب – كل هذه يمكن أن تكون علامات تحذيرية.
طلب المساعدة وعدم المواجهة بمفردك
لا ينبغي للرجال أن يواجهوا صراعاتهم بمفردهم.
لم أكن لأتمكن من التعافي أبداً دون الحصول على مساعدة مهنية. بعد جلسات العلاج، أشعر بصفاء ذهني. لدي شعور متجدد بالقدرة على التصرف؛ لا يحددني اضطراب الأكل هذا، ويمكنني التعامل معه. أعتقد أن هذا ينطبق على العديد من حالات الصحة العقلية الأخرى أيضاً، هذا ما قاله “بارث”.
نصيحة بارث للآخرين
يقدم “بارث” نصيحة واحدة للرجال الآخرين الذين يرغبون في إعادة تقييم علاقتهم بالطعام: يرجى الحصول على مساعدة مهنية من فريق متخصص في اضطرابات الأكل. إنها فعالة حقاً.
و أخيرا وليس آخرا:
اضطرابات الأكل لدى الرجال غالباً ما تكون مخفية وغير معترف بها، مما يجعل التشخيص والعلاج أكثر صعوبة. من خلال التوعية وتثقيف المجتمع والمتخصصين في الرعاية الصحية، يمكننا تحسين فرص التعافي للرجال الذين يعانون من هذه الاضطرابات. هل يمكن لمبادرات التوعية أن تساهم في تغيير الصورة النمطية السائدة حول اضطرابات الأكل، وتشجيع المزيد من الرجال على طلب المساعدة؟







