إبداعات الطهي الإيطالية في دبي: قصة الشيف فرانشيسكو توركاسيو
كانت الأجواء دافئة ومفعمة بالحياة، أصوات القدور والمقالي تتراقص في الفضاء، مع حركة الأقدام السريعة، ورذاذ الدقيق الناعم الذي يتطاير بينما تلامس العجينة سطح الطاولة، وتُعجن بعناية فائقة، وصلصة الطماطم التي تغلي ببطء على الموقد، وهمسات الأصوات التي تتبادل الحكايات والقصص الشيقة. الشاب الإيطالي، فرانشيسكو توركاسيو، وجد نفسه مسحورًا بمشهد والدته وجدته وهما تعدّان الطعام للعائلة. يقول الشيف التنفيذي الجديد لمطعم “شيك نونا” Chic Nonna في مركز دبي المالي العالمي: “لطالما رغبت في المساعدة في التحضير والإعداد، لكنهما كانتا ترفضان باستمرار”.
ويضيف ضاحكًا: “كان الأمر أشبه بسر عظيم أردت اكتشافه. خاصة عندما كنت أتذوق الطعام، كنت أرغب في معرفة كيف يفعلون ذلك”.
من البدايات المتواضعة إلى النجومية في دبي
لم يتجاهل فرانشيسكو فضوله وشغفه، ففي سن الخامسة عشرة، بدأ العمل في متجر حلويات محلي في كالابريا، يتعلم عن القياسات الدقيقة وأصول صناعة الحلويات من الألف إلى الياء. ثم عمل في العديد من المطابخ في جميع أنحاء إيطاليا، مستكشفًا الأطباق الشهية والمتنوعة من مختلف المناطق، ومطورًا مهارة ستفيده كثيرًا عندما انتقل إلى الإمارات العربية المتحدة في عام 2017. هنا، انضم إلى الفريق المؤسس لمطعم “إل بورو توسكان بيسترو” Il Borro Tuscan Bistro كطاهٍ مبتدئ في سن الثامنة عشرة. وبحلول سن الحادية والعشرين، وصل إلى منصب رئيس الطهاة المساعد. وفي عام 2021، ساعد العلامة التجارية على التوسع والانتشار في لندن.
وقبل عامين، عاد إلى دبي ليشغل منصب رئيس الطهاة في مطعم “شيك نونا”، الذي يكرّم إيطاليا والنونا (الجدات) اللاتي أتقنّ فن الطهي الإيطالي الأصيل. هنا، وجد فرانشيسكو رؤيته تتجسد على أرض الواقع؛ فهو معروف الآن بتقديم الأطباق التقليدية بأسلوب عصري ومبتكر، من خلال الاستخدام الدقيق للنكهات والخبرة الواسعة في استخدام التقنيات الحديثة.
لمسة إبداعية: الباستا المحروقة والزعفران المحلي
على سبيل المثال، طبق “سباغيتي ألاساسينا” spaghetti all’assassina، الذي يعود أصله إلى منطقة بوليا في إيطاليا، يُحرق تقريبًا إلى حد الكمال. يوضح فرانشيسكو: “في الأساس، لا تُطهى السباغيتي في الماء. بل تُصنع باستخدام معكرونة متبقية توضع مباشرة في مقلاة مع الثوم، والفلفل الحار، والتوابل، وصلصة الطماطم، حتى تتفحم قليلًا وتصبح مقرمشة بشكل رائع”. ولإضفاء لمسة عصرية على الطبق، أضاف فرانشيسكو جبنة البوراتا. يقول: “بالنسبة لشخص غير إيطالي، قد يكون هذا الطبق صعبًا بعض الشيء، لأنه حار. ولكن بإضافة البوراتا، وازنت النكهات”. كانت هذه الإضافة مدروسة بعناية إلى قائمة المطعم، لأنه في الإمارات العربية المتحدة، يوضح فرانشيسكو، يحب الناس صلصة أرابياتا Arrabbiata. وهي مشابهة، إن لم تكن بنفس القدر من الحدة. وكانت إضافة البوراتا بمثابة الجمع بين شيئين يحبهما السكان المحليون.
إضافة أخرى مثيرة للاهتمام هي “ريزوتو ميلانيز”، الذي يُصنع بطهي ساق العجل ببطء. يقول: “أضفت الزعفران المنتج محليًا (من الشارقة) إلى هذا الطبق. اللون مثالي، والريزوتو متوازن جدًا وله طعم رائع”.
إنجازات وتطلعات: الحفاظ على التراث الإيطالي بلمسة عصرية
لقد أكسبته جهوده الكثير من المعجبين والتقدير، وحصل مطعم “شيك نونا” على جائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية، لدوره البارز في الحفاظ على التراث الطهوي الإيطالي ونقله إلى العالم. والعلامة التجارية تتطلع إلى آفاق أبعد؛ فقد توسعت بالفعل إلى كورشوفيل Courchevel، وتخطط لافتتاح فروع في موناكو ولندن وميامي.
يتفوق الشيف فرانشيسكو في أخذ طبق عالمي محبوب وإضفاء لمسة محلية عليه. ويأمل أن تساعد هذه الألفة الناس على اكتشاف أطباق جديدة. يقول: “أحد الأخطاء الشائعة التي يرتكبها الناس في دبي هو أنهم يطلبون دائمًا نفس الطعام، ربما لأنهم يعتقدون أن هذا هو كل ما في الطعام الإيطالي. لكن المطبخ الإيطالي عميق جدًا ومتنوع، وهناك الكثير من الاختلاف في الأطباق عندما تنتقل من الجنوب إلى الشمال. عندما أذهب إلى المائدة لمقابلة أحد الضيوف، أحضر دائمًا شيئًا من الجنوب وشيئًا من الشمال، لأنني أريدهم أن يجربوا جميع الأطباق المختلفة التي نقدمها”.
ومع ذلك، فإن هذا المبدع ليس سعيدًا بجميع اتجاهات طهي الباستا التي تسيطر على وسائل التواصل الاجتماعي. يعبر عن استيائه عند التفكير في الإفراط في طهي الباستا، تمامًا كما يستاء من طبق الباستا الذي يُطهى في قدر واحد. يقول: “الباستا بسيطة ولكنها ليست شيئًا أساسيًا. وضع كل شيء في قدر واحد ليس باستا. هناك أنواع مختلفة جدًا من الباستا، ويجب طهيها بشكل مختلف. لذا، عندما أرى الناس يسخرون من الطبق أو يضعون كل شيء – الكريمة، الباستا، الطماطم في طبق ويضعونه في الفرن… هذا شيء غريب”.
ويؤكد أنه لن يفعل ذلك بنفسه أبدًا، مضيفًا أنه عندما يكون في عجلة من أمره، فإن طبق السباغيتي مع طماطم الكرز هو خياره المفضل. يقول: “إنها باستا سريعة، ولكنها غنية بالنكهة مع القليل من زيت الزيتون البكر الممتاز، وطماطم الكرز الحلوة، وقليل من الثوم. نكهات بسيطة تذكره بالمنزل؛ بالنشأة في مكان كان المطبخ فيه مليئًا بالبهجة، حيث كانت السكاكين تعمل على تقطيع اللحم، وكانت الباستا تُعجن بأيدٍ ماهرة، وكانت الطماطم والتوابل تغلي معًا لخلق صلصة غنية ستكون محور حديث اليوم على مائدة العشاء”.
و أخيرا وليس آخرا : من خلال استعراض مسيرة الشيف فرانشيسكو توركاسيو، نرى كيف يمكن للتراث والابتكار أن يلتقيا لخلق تجارب طهي فريدة. يبقى السؤال: كيف يمكن للمواهب الشابة الأخرى أن تستلهم من هذا النموذج لتحقيق النجاح في عالم الطهي؟










