الاستدامة والإبداع: قصة ملهمة من دبي إلى العالمية
في سماء دبي الصافية، وتحديدًا في تمام الساعة 6:02 صباحًا، اخترق رنين الهاتف سكون غرفة روهان. كانت الكلمات التي حملها الاتصال تحمل في طياتها مستقبلًا واعدًا: “لقد تم قبولك”. بالنسبة لروهان، الطالب في الصف الثاني عشر بأكاديمية دبي الدولية – تلال الإمارات، كانت هذه الكلمات بمثابة نقطة تحول جذرية في مسيرة حياته الطموحة.
لم يكن المتصل جهة جامعية، بل لجنة مؤتمر COP28، القمة العالمية الأبرز في مجال المناخ. فبعد عام كامل من الانتظار والمحاولات الدؤوبة للمشاركة كشاب فاعل، تلقى روهان أخيرًا دعوة كريمة لحضور فعاليات المؤتمر الذي استضافته دولة الإمارات العربية المتحدة. شكل هذا القبول علامة فارقة في رحلة استثنائية، تجسدت بالإصرار، والهدف الواضح، والابتكار المستمر.
من حقول نويدا إلى مبادرات دبي المبتكرة
استقى روهان أول دروسه في عالم الاستدامة من جدته الملهمة. ففي كل صيف، كان يعود إلى مزرعة مجتمعية في نويدا بالهند، حيث تعلم أساليب الزراعة العضوية، وتقنيات تسميد الديدان، والأهمية القصوى للتنوع البيولوجي.
شكلت هذه التجربة نقطة انطلاق لمشروعه الاجتماعي الطموح “Artisacs”، الذي أسسه بهدف تحويل المواد المعاد تدويرها إلى حقائب قماشية مستدامة. وباستخدام الجوت الصديق للبيئة والقطن المعاد تدويره من متاجر دلهي، قام روهان بتصميم كل حقيبة يدويًا، وتمكن من جمع أكثر من 7000 درهم لصالح مؤسستي Udyam Trust وCORD India. حظي عمله باهتمام وسائل الإعلام، ودعته ComicQuest UAE لمشاركة خبرته في مجال ريادة الأعمال والتصميم مع الشباب.
يقول روهان: “كل حقيبة كانت تحمل قصة فريدة، ليست فقط عن الاستدامة، بل عن الحرفية والهدف النبيل”.
لم يقتصر اهتمام روهان على دراسة العلوم البيئية بدافع الفضول وحسب، بل اتخذها وسيلة للابتكار. وتحت إشراف الدكتورة ليفلين شوكلا في المعهد الهندي للبحوث الزراعية، شارك في تأليف دراسة متعمقة حول صناديق التسميد بالطاقة الشمسية. نُشرت هذه الدراسة في مجلة Plant Archives، وقدمت تحليلاً شاملاً للأنظمة الميكروبية المستخدمة في تحلل المخلفات الزراعية.
وفي مقال ثانٍ نُشر في International Journal of Engineering and Science، تناول روهان مستقبل الوقود الحيوي، مؤكدًا أن الكتلة الحيوية غير الغذائية والمخلفات الزراعية قد تكون مفتاحًا للانتقال العالمي نحو الطاقة النظيفة. استعرض المقال التقدم التكنولوجي المحرز، والفجوات السياسية التي تعيق التوسع في استخدام الوقود الأخضر.
لم تتوقف استكشافاته العلمية عند هذا الحد، ففي مركز كليمنصو الطبي بدبي، عمل في مختبرات الأحياء الدقيقة لتحليل عينات بكتيرية وعلاجات الدم. ولاحقًا في MED-EL، بحث في تصميم وفعالية أجهزة السمع للأشخاص المصابين بمتلازمة داون، مساهماً في تقييم المخاطر والبدائل التصميمية لأنظمة ADHEAR.
القيادة بالهدف: تمكين الآخرين
بالتوازي مع أبحاثه العلمية، أنشأ روهان أدوات لتمكين الآخرين. أسس منصة DIAPAIR التعليمية التي تربط طلاب المدارس الثانوية بخريجي الجامعات في دبي. ومع أكثر من 1000 مستخدم، أصبحت المنصة مركزًا للإرشاد، تستضيف ندوات جامعية وجلسات أسئلة وأجوبة مع الخريجين.
يعلق روهان: “عندما تخلق مساحة يشعر فيها الناس بأنهم مرئيون ومسموعون، تتجاوز النتائج توقعاتك”.
الإبداع في خدمة المجتمع
لعب الإبداع دورًا محوريًا في قيادته. فمن خلال مبادرة Capture@DIA، قاد روهان 16 مصورًا طلابيًا لإطلاق أول معرض شبكي للصور بقيادة الطلاب في الإمارات، بالتعاون مع مؤسسة السركال للفنون. شارك في الورشة أكثر من 30 مبدعًا ناشئًا.
وكجزء من شراكة اليونيسف مع الأكاديمية، صمم وقاد مشروع جدارية بعنوان “العالمية”، وأدار فريقًا من أكثر من 20 طالبًا لترجمة القيم العالمية المشتركة إلى قصص بصرية.
ركيزة أساسية في حياة الطلاب
في أكاديمية دبي الدولية، كان روهان ركيزة أساسية في حياة الطلاب. فبصفته قائدًا لفرص الطلاب في مجلس الطلبة، أطلق مبادرة “الصديق الأساسي”، ونظم فعاليات خيرية، وقاد حملة لجمع التبرعات جمعت 20,000 دولار لبناء مدرسة في نيبال بالشراكة مع مؤسسة GIVE.
رياضيًا، كان لاعب كرة سلة في فريق المدرسة منذ الصف الثامن، وساهم في تحقيق بطولات بين المدارس ودوري DASSA. كما لعب كرة الريشة، مظهرًا توازنه بين الدراسة والأنشطة اللاصفية.
شغل منصب رئيس العلاقات العامة في نادي روتاراكت إنترآكت، ورئيس نادي Inspire للعلوم، ورئيس الفعاليات في نادي EcoClub. من خلال هذه الأدوار، ساهم في تنظيم أنشطة خدمة المجتمع وتحدث في ورشة عمل التربة في COP28 ومنصة أفكار Innoventures foRWArd.
كما حصل روهان على المركز الثالث في كأس العالم للمناظرات HSA، مضيفًا مهارات الخطابة والدفاع عن القضايا إلى سيرته الذاتية متعددة الجوانب.
صعود جامعات آيفي الجديدة
كان اختيار روهان لجامعة فاندربيلت نتيجة تفكير عميق وعقلية مستقبلية. فمع ازدياد تنافسية وقلة توقعات القبول الجامعي، يعيد الطلاب مثل روهان تعريف معنى المكانة من خلال تجاوز حدود رابطة الآيفي التقليدية. في هذا السياق المتغير، ظهر مصطلح “الآيفي الجديدة” لوصف جامعات مثل فاندربيلت، وديوك، ونورثويسترن، وإيموري، وتافتس. تقدم هذه المؤسسات صرامة أكاديمية بمستوى الآيفي، ولكن بنهج حديث يركز على البحث والابتكار والدراسة متعددة التخصصات والتطبيق العملي.
بالنسبة لروهان، تميزت فاندربيلت كجامعة تقدر مبادرة الطلاب الجامعيين. فمع واحدة من أكبر محافظ تمويل الأبحاث داخل الحرم الجامعي في الولايات المتحدة، يتم تشجيع الطلاب على المشاركة في المشاريع منذ عامهم الأول. كما أن التركيز على التعاون متعدد التخصصات يتماشى تمامًا مع اهتمامات روهان المتنوعة، حيث تتقاطع العلوم والاستدامة والتكنولوجيا والسياسة.
يعزز نظام الكليات السكنية في الجامعة المجتمعات الفكرية المتماسكة، وموقعها في ناشفيل، مركز التكنولوجيا والسياسة الناشئ، يوفر فرصًا لا حصر لها للتدريب العملي، والشركات الناشئة، ومراكز التفكير، والابتكار المجتمعي. سواء كان الأمر يتعلق بسياسة المناخ أو التكنولوجيا الطبية أو ريادة الأعمال في التعليم، يرى روهان في فاندربيلت ليس مجرد جامعة، بل حاضنة للأفكار.
يقول: “لم أرد أن أكون في مكان يحاول فيه الجميع أن يكونوا نسخة واحدة. أردت مكانًا يحتضن الابتكار ويمنح الطلاب مساحة للتجربة”.
كان اختيار جامعة آيفي جديدة مثل فاندربيلت، بالنسبة لروهان، قرارًا مبنيًا على الاستدامة. الأمر لا يتعلق فقط بأربع سنوات جامعية، بل بالأربعين سنة التي تليها. شبكة الخريجين الواسعة، ونسب التوظيف القوية، والشراكات العالمية تمنح طلابها ميزة تنافسية في بناء مسيرة مهنية ذات مغزى.
يقول روهان: “شعرت أن هذا مكان يمكنك فيه تحويل شغفك الشخصي إلى شيء حقيقي — سواء كان ورقة بحثية أو شركة أو حركة”.
بالنسبة للطلاب في الخليج، يشير صعود جامعات الآيفي الجديدة إلى تحول مهم. فهم يسعون إلى مؤسسات تعترف بأصواتهم، وتعزز إمكاناتهم، وتعدهم لعالم يكافئ التحول لا التقاليد فقط.
يعتقد روهان أن فاندربيلت هي بالضبط هذا النوع من الأماكن.
بينما يستعد روهان لبدء دراسته في الولايات المتحدة، يترك وراءه إرثًا ليس فقط من الإنجاز، بل من التأثير. رسالته لطلاب الخليج: ابدأ صغيرًا. ابق فضوليًا. لا تنتظر الإذن لتتصرف.
“علمتني دبي الطموح. علمتني نويدا المعنى. ستعلمني فاندربيلت كيف أوسع هذا المعنى ليصبح شيئًا أكبر”.
روهان مالهوترا ليس مجرد طالب متجه إلى جامعة مرموقة. إنه جزء من موجة جديدة من صانعي التغيير: شباب يجمعون بين النشاط، والابتكار، والفلسفة.
و أخيرا وليس آخرا
في الختام، قصة روهان مالهوترا هي قصة شاب طموح استطاع، من خلال الإصرار والابتكار، أن يحقق إنجازات كبيرة في مجالات الاستدامة والعمل الاجتماعي. رحلته من حقول نويدا إلى قمة COP28 وجامعة فاندربيلت المرموقة، هي مصدر إلهام للشباب في الخليج وخارجه. فهل سيتمكن روهان من تحقيق طموحاته وتحويل شغفه إلى واقع ملموس يخدم مجتمعه والعالم؟ هذا ما ستكشفه لنا الأيام القادمة.








