ذكريات في الإمارات: رحلة مانجوران جوزيف جاكوب بعد نصف قرن من العطاء
إن مغادرة مكان يحمل في طياته جزءاً كبيراً من حياتنا ليست مجرد وداع لجدران وأماكن، بل هي توديع لفترة زمنية شكلت هويتنا وستظل محفورة في ذاكرتنا إلى الأبد. هذا ما قاله مانجوران جوزيف جاكوب، الذي قضى ما يقارب الخمسة عقود في ربوع الإمارات العربية المتحدة.
عندما قرر مانجوران الانتقال من مسقط في سلطنة عمان إلى دبي في عام 1978، لم يكن يتوقع أن هذه الخطوة ستغير مجرى حياته. وبعد مرور 46 عاماً، حان الوقت ليحزم أمتعته ويغادر، معترفاً بأنه غير مستعد نفسياً لهذه اللحظة، ويأمل في العودة قريباً.
لقد صنعت موطناً هنا
في حديث له مع المجد الإماراتية، عبر مانجوران عن عمق ارتباطه بالإمارات قائلاً: “لقد صنعت لي موطناً هنا على مدار أكثر من أربعة عقود. والآن، عندما أغادر، لا أترك خلفي مجرد بقعة على الخريطة، بل حياة كاملة من التجارب التي شكلت شخصيتي. قضيت في الإمارات وقتاً أطول مما قضيته في وطني الأم الهند.”
من شاب أعزب إلى جد لأحفاد كبار
يشير مانجوران إلى أنه عندما وصل إلى الإمارات كان شاباً أعزباً، واليوم هو جد ولديه أحفاد كبار. وأضاف هذا الهندي المقيم، البالغ من العمر 75 عاماً: “أشعر بحزن عميق لمغادرة الإمارات، ورغم رحيلي، لن يتمكن أحد من أن يمحو ما تركته الإمارات في قلبي.”
ذكريات لا تُنسى
يتذكر مانجوران أيامه الأولى قائلاً: “بعد عام من وصولي إلى الإمارات، تزوجت ورزقت بطفل في الهند، ثم انضمت إلي زوجتي هنا ونشأ أبنائي. لقد تزوجوا وأصبحوا آباء، مما يعني أن لدي الآن عائلة كبيرة هنا والعديد من الأصدقاء.”
هذا الرجل السبعيني، الذي يحمل التأشيرة الذهبية، قرر أنه حتى بعد عودته إلى مسقط رأسه في تريشور بولاية كيرالا، فإنه سيعود دائماً إلى الإمارات كل عام لقضاء بضعة أشهر.
ويضيف: “في بعض الأحيان، يصعب التعبير عن الأسباب، ولكن الأمر يعود في النهاية إلى مدى اعتيادي أنا وزوجتي على الحياة التي اخترناها منذ عقود. لقد أمضيت 45 عاماً أعمل في نفس المؤسسة، وترقيت من محاسب إلى مدير عام في شركة لعبت دوراً رئيسياً في تأسيسها ورعايتها على مر السنين.”
ويختتم قائلاً: “لقد منحتني دولة الإمارات العربية المتحدة الكثير، منحتني مكاناً للنمو والنجاح والحب والعيش.”
تحديات السنوات الأولى
تشاركه زوجته ألفونسا جاكوب، البالغة من العمر 65 عاماً، ذكريات تلك الفترة الصعبة، حيث كانت تحاول التوفيق بين تربية الأطفال، وإدارة شؤون المنزل، والعمل في السنوات الأولى من حياتها في الإمارات.
مرونة العمل والتغلب على الصعاب
توضح ألفونسا: “لقد أظهرت الشركة التي كنت أعمل بها مرونة كبيرة عندما كان أطفالي صغاراً، وكانت تلك أوقاتاً صعبة للغاية. ومع ذلك، فقد حصلنا على الكثير من هذه المدينة على مر السنين. والآن نحن سعداء للغاية لأن ابنينا قد استقرا ولديهما عائلات.”
تعويض الوقت الضائع
وتضيف: “بسبب عملنا كوالدين، لم نتمكن من قضاء كل الوقت مع أطفالنا، ولكننا الآن نستطيع تعويض ذلك الوقت.”
وتشير ألفونسا إلى أنها شهدت التطور والنمو الكبير الذي شهدته المدينة على مر السنين.
تطور دبي والبنية التحتية المتميزة
وتقول: “لقد قامت حكومة دبي بعمل استثنائي في تطوير الإمارة لصالح مواطنيها والمقيمين فيها على حد سواء. إن الأمن والبنية التحتية والمرافق العامة في هذه المدينة متميزة حقاً.”
كما تذكر ألفونسا كيف كان زوجها يحصل على تذكرة سفر إلى الهند مرة كل عامين فقط في بداية حياتهما.
جني فوائد دبي المزدهرة
وتضيف ألفونسا: “نتيجة لذلك، كنا نفوت في كثير من الأحيان المناسبات والتجمعات العائلية. ولكن مع مرور الوقت وازدهار دبي، بدأنا نجني ثمار هذا التطور، وأصبحنا نسافر إلى الهند بشكل متكرر، أي كل ستة أشهر تقريباً.”
صعوبة إقناع الزوج بالتقاعد
تشير ألفونسا، التي عاشت معظم حياتها في أبراج بحيرات جميرا، إلى أن إقناع زوجها بالتقاعد كان أمراً صعباً.
وتقول: “في البداية، قال إنه سيتقاعد في سن السبعين، لكن الأمر تأجل لخمس سنوات أخرى… وكأنه لم يكن مستعداً للتقاعد أبداً. اليوم، نحن ممتنون للغاية لهذا المكان، وسنستمر بالتأكيد في العودة إليه. وبينما نستعد لتوديعه، فمن الطبيعي أن نشعر بمزيج من المشاعر، مثل الحنين إلى الأماكن التي زرناها كثيراً، والأشخاص الذين التقينا بهم، والتجارب التي شكلت وقتنا هنا، خاصة مع كل الذكريات والتجارب والأجواء الفريدة التي توفرها المدينة… إنها بمثابة الجنة بالنسبة لي.”
أخيراً وليس آخراً:
إن قصة مانجوران جوزيف جاكوب وزوجته ألفونسا هي شهادة حية على قوة الارتباط بالمكان، وكيف يمكن لمدينة أن تصبح جزءاً لا يتجزأ من حياة الإنسان. إنها قصة عن النمو، والنجاح، والحب، والعيش في الإمارات، تلك الأرض التي احتضنت أحلامهم وطموحاتهم على مدى عقود. فهل يمكن لجيل الشباب أن يستلهم من هذه التجارب، ويبني مستقبلاً مشرقاً في هذا البلد الذي لا يعرف المستحيل؟










