الكتب النادرة تزدهر في سوق دبي الفاخرة
من نسخة موقعة من رواية جيمس بوند لإيان فليمنج بسعر 120 ألف درهم إلى مخطوطة قرآنية صينية عمرها قرون، تشهد سوق الكتب النادرة نموًا ملحوظًا في دبي، حيث تترسخ مكانتها كمركز عالمي للسلع الفاخرة.
في سعيها لتعزيز مكانتها كوجهة ثقافية عالمية، تعتمد دبي على هواة جمع الكتب والقراء المتفانين لاقتناء أندر الكنوز الأدبية وأكثرها طلبًا في العالم.
ولادة مكتبة متخصصة في الكتب النادرة
قبل ثلاثة أعوام، بادر أليكس وارن، وهو بريطاني مقيم في دبي، بافتتاح متجر “زرزورة” لبيع الكتب النادرة في منطقة السركال بدبي، إيمانًا منه بأهمية معاينة هذه الكتب النادرة ولمسها والشعور بها عن قرب. يقول وارن من داخل مكتبته المحاطة بالمجلدات العتيقة: “أردت إنشاء مكان يتجاوز التسوق الإلكتروني، شيء فريد من نوعه”.
دبي: أرض خصبة لازدهار الكتب النادرة
يقول وارن في حديث مع المجد الإماراتية: “هذا النوع من الأعمال شائع في العديد من دول العالم، ولكنه كان غائبًا عن الإمارات العربية المتحدة. لقد رأيت أن السوق هنا في نمو، وأن نوعية المهتمين قد تطورت”.
اليوم، لا تقتصر أنشطة “زرزورة” على البيع المباشر في المتجر، بل تتعداها إلى البيع عبر الإنترنت، والمشاركة في معارض الكتب، وتلبية طلبات محددة للعملاء، والشحن إلى الخارج، لتتجاوز بذلك حدود دولة الإمارات.
تنوع هواة جمع الكتب
تعكس سوق الكتب النادرة في دبي الطابع العالمي للمدينة، حيث يصف وارن زبائنه بأنهم مزيج من جنسيات مختلفة ذوي اهتمامات متنوعة. وتشمل هذه القاعدة مشترين مدفوعين بالحنين إلى الماضي، وهواة جمع جادين يبحثون عن طبعات أولى مميزة.
الهدايا والكتب النادرة
“تشكل الهدايا جزءًا كبيرًا من السوق”، كما يوضح وارن، مشيرًا إلى أن بعض الجنسيات، خاصة الروس، لديهم ثقافة قوية في إهداء الكتب، وقد انتقل العديد منهم إلى هنا في السنوات الأخيرة، وهم يشكلون سوقًا مهمًا للغاية.
العملاء الإماراتيون والكتب النادرة
يشكل العملاء الإماراتيون المحليون شريحة مهمة أخرى، وهم ينجذبون بشكل خاص إلى الكتب التي تتناول موضوعات الإمارات العربية المتحدة والجزيرة العربية.
كما يجذب المتجر السياح وهواة الجمع من الدول المجاورة، مثل المملكة العربية السعودية، لاستكشاف العروض الثقافية في منطقة السركال.
استراتيجية متوازنة للمخزون
تعكس استراتيجية وارن في المخزون هذا التنوع، حيث يضم مؤلفين بارزين مثل جيه آر آر تولكين (سيد الخواتم) وجيه كيه رولينج (سلسلة هاري بوتر)، بالإضافة إلى طبعات أولى باللغة العربية من القرن العشرين لكتاب من سوريا ولبنان ومصر.
وتشمل العناوين الكلاسيكية عن دولة الإمارات العربية المتحدة، مثل “الرمال العربية”، وأعمال جين أوستن وروالد دال، لضمان جاذبية واسعة بين مختلف الخلفيات الثقافية.
عودة إلى الكتب المطبوعة
يتماشى هذا التوجه نحو الكتب المادية مع الاتجاه الأوسع في السوق الأدبية في دبي.
تؤكد غريس شاول كريم، الشريكة المؤسسة لمكتبة Bookends، وهي سوق إلكترونية وورقية للكتب المستعملة في الإمارات العربية المتحدة، على تحول مماثل في عادات القراءة. وصرحت لـ المجد الإماراتية: “هناك الكثير من الناس الذين تخلوا عن أجهزتهم الإلكترونية وعادوا إلى الكتب الورقية لما لها من سحر خاص”.
القيمة العاطفية للكتب
على الرغم من أن منصة كريم تركز على المقتنيات المستعملة، إلا أنها تصادف أحيانًا اكتشافات نادرة تبرز القيمة العاطفية التي تحملها الكتب للقراء.
وتضيف: “نتلقى أحيانًا مقتنيات نادرة، ولدينا قصص مؤثرة عن عملاء دفعوا تكاليف شحن مرتفعة إلى أستراليا مقابل كتاب طبخ عاطفي، أو اكتشفوا صورًا لأنفسهم في كتب قديمة”.
شغف القراءة يجمع الناس
يختتم كريم حديثه قائلًا: “إنه لأمر مجزٍ حقًا أن ترى الحماس الذي يشعر به الناس، وكيف تربط هذه الكتب القراء معًا”.
أسعار الكتب النادرة
تتراوح أسعار الكتب في “زرزورة” بين 100 درهم للقطع العادية و120,000 درهم للتحف الثمينة، مثل نسخة جيمس بوند الموقعة. ومن المعروضات القيمة الأخرى سورة من القرآن الكريم من الصين تعود إلى عام 1763، بسعر 40,000 درهم.
جمع الكتب في متناول الجميع
يؤكد وارن: “لست بحاجة لأن تكون مليونيرًا لجمع الكتب. يمكنك البدء باستثمار بسيط، وشراء ما يثير اهتمامك”.
مصادر الكتب النادرة
يحصل وارن على مخزونه من جميع أنحاء العالم، وتعتبر المملكة المتحدة المورد الرئيسي نظرًا لشبكتها الواسعة من تجار الكتب المتخصصين.
كما تمتد عمليات البحث عن الكتب النادرة عبر القارات، وتشمل الولايات المتحدة واليابان وأستراليا وأوروبا، بناءً على طلبات العملاء وفرص السوق.
الندرة لا تعني القيمة
يحرص وارن على التمييز بين الندرة والقيمة، موضحًا أن العمر لا يعني بالضرورة قيمة عالية. “لا توجد علاقة بين قيمة الشيء وعمره. يمكن أن تكون الكتب الحديثة قيّمة جدًا”.
دبي: مركز ثقافي متنامي
يأتي مشروع وارن في وقت تسعى فيه دبي بنشاط إلى توسيع عروضها الثقافية، لا سيما للسياح الباحثين عن تجارب تتجاوز التسوق وتناول الطعام. وقد ساهمت إصلاحات التأشيرات الأخيرة في جذب سكان أكثر تنوعًا، بما في ذلك المبدعين والعاملين عن بعد، الذين يمثلون عملاء جدد محتملين للمتاجر المتخصصة.
التركيبة السكانية المتغيرة في دبي
يقول وارن: “أعتقد أن تنوع السكان هنا قد ازداد منذ تخفيف شروط التأشيرات”. هذا التحول الديموغرافي، إلى جانب التوجه العالمي نحو التجارب المادية، يهيئ الظروف لازدهار هذا النوع من الأعمال.
تأثير وسائل التواصل الاجتماعي
يشير وارن أيضًا إلى تأثير تطبيق BookTok على TikTok والاهتمام المتجدد بالمكتبات التقليدية، قائلًا: “يرغب الناس في تجربة الحياة الواقعية بعيدًا عن العالم الرقمي، ولمس شيء عمره 150 عامًا، وهو أمر منعش في مدينة مثل دبي”.
خطط مستقبلية
يخطط وارن لمواصلة المشاركة في معارض الكتب الإقليمية، بما في ذلك معرض أبو ظبي السنوي للكتاب ومعرض الشارقة الدولي للكتاب.
زرزورة: علامة فارقة في المشهد الثقافي
باعتبارها المكتبة الوحيدة المتخصصة في الكتب النادرة في دبي، تتمتع زرزورة بمكانة فريدة تمكنها من تشكيل المشهد الثقافي المتطور في الإمارة والاستفادة منه.
دبي تسعى إلى التنوع الثقافي
يقول وارن: “تسعى دبي جاهدة لتقديم عروض ثقافية أكثر تنوعًا للسياح، ونهدف إلى جذب الزوار الذين يرغبون في استكشاف الأنشطة الثقافية المميزة”.
سواء كنت تبحث عن نسخة أولى مجلدة من “كبرياء وتحامل” أو أطروحة رياضية لإقليدس، فإن عشاق الكتب النادرة في دبي لديهم الآن وجهة تلبي احتياجاتهم، مما يؤكد على أن التقدير للكلمة المكتوبة لا يزال قائمًا حتى في مدينة تشتهر برؤيتها المستقبلية.
و أخيرا وليس آخرا
تُظهر قصة ازدهار سوق الكتب النادرة في دبي، من المخطوطات القديمة إلى الطبعات الأولى الحديثة، كيف تتلاقى الثقافة والتجارة في هذه المدينة العالمية. ومع استمرار دبي في التطور كمركز ثقافي، يبقى السؤال مفتوحًا حول الدور الذي ستلعبه هذه الكنوز الأدبية في تشكيل هوية المدينة وتعزيز تقديرها للتراث الإنساني.










