رحلة ملهمة من الصيرفة إلى ريادة الأعمال: قصة نجاح إماراتية
في قلب الإمارات، وبين أحضان ثقافاتها المتنوعة، ولدت تهاني طاهر، تلك الشخصية التي جمعت بين أصالة الجذور الإماراتية وانفتاح الثقافة الهندية. سنوات الطفولة التي قضتها بين الإمارات والهند تركت بصمة عميقة في تكوين شخصيتها ورؤيتها للعالم. تتذكر تهاني تلك الفترة قائلة: “كانت طفولتي بمثابة رحلة استكشاف، حيث عايشت عن قرب واقع الفقر والمصاعب، وهو ما شكل جزءاً كبيراً من شخصيتي ودفعني نحو التغيير”.
من عالم البنوك إلى آفاق ريادة الأعمال
بعد عودتها إلى الإمارات، سطع نجم تهاني في سماء القطاع المصرفي، حيث تقلدت مناصب قيادية في بنوك عالمية. إلا أن جائحة كوفيد-19 كانت نقطة تحول في حياتها، إذ دفعتها إلى إعادة تقييم أولوياتها والتفكير في كيفية إحداث تأثير يتجاوز حدود الذات.
تقول تهاني: “أدركت خلال الجائحة مدى هشاشة الحياة، وتساءلت عما يمكنني فعله لإحداث فرق حقيقي، وما هو الإرث الذي أرغب في تركه؟”.
دافع إنساني وراء مشروع ريادي
وجدت تهاني ضالتها في مجال توريد المواد الغذائية في الهند، حيث اكتشفت التحديات التي تواجه المزارعين، من فساد وأسعار غير عادلة، إلى ارتفاع معدلات الانتحار. هذا الواقع المرير دفعها للتفكير في إمكانية تغيير هذا الوضع.
وتضيف: “تساءلت كيف يمكننا إيصال منتجات هؤلاء المزارعين إلى الأسواق العالمية المتطورة، ومنحهم أسعاراً عادلة تضمن لهم البقاء؟”.
“هايوالي”: قصة نجاح بدأت بفكرة
لم تكن مبادرة تهاني مجرد مشروع تجاري، بل كانت رؤية تهدف إلى إحداث تأثير اجتماعي ومعالجة مشكلة ارتفاع الأسعار في السوق الإماراتي.
وتوضح: “شعرت بأنني أساهم في كلا الجزأين من هويتي، كوني نصف هندية ونصف إماراتية، وأساعد كلا البلدين من خلال هذه العملية”.
وهكذا، ولدت “هايوالي”، الوجهة الفاخرة للأطعمة الصحية، التي سرعان ما اكتسبت زخماً كبيراً، حتى أنها حصدت جائزة أفضل شركة ناشئة في المنطقة في عام 2021 من قبل فيديكس.
توسع “هايوالي” ودعم سيدات الأعمال
تقول تهاني: “بدأنا باستيراد المنتجات من دول مثل الهند، وباكستان، وبنجلاديش، ونيبال، وتركيا، ثم توسعنا ليشمل سيدات الأعمال والعلامات التجارية الصغيرة التي تعمل من المنزل”.
من البذرة إلى الازدهار: استراتيجية النمو
بدأت “هايوالي” بمنصة إلكترونية خاصة، ثم توسعت إلى قنوات أخرى مثل انستاشوب، وأمازون، وجيسبون، والمتاجر الكبرى. ومن ثم، توجهت نحو التوسع في دول مجلس التعاون الخليجي، مع ابتكار علامات تجارية جديدة لاقت رواجاً كبيراً.
الإمارات: بيئة داعمة لريادة الأعمال النسائية
تؤكد تهاني على المزايا التي حظيت بها كامرأة أعمال في الإمارات، قائلة: “كوني امرأة فتح لي الكثير من الأبواب، فالجميع حريص على دعم سيدات الأعمال والشركات الناشئة”. كما أشادت بالدور المحوري الذي لعبته شركات كبرى مثل كارفور ولولو في دعم رحلتها.
تحديات البدايات: إدارة التدفق النقدي
لم يكن الطريق إلى النجاح مفروشاً بالورود، ففي بداية مسيرتها، واجهت تهاني صعوبات في إدارة التدفق النقدي، وهو ما شكل تحدياً كبيراً أمام نمو أعمالها.
وتقول بصراحة: “كانت المشكلة الأكبر هي التمويل، حيث كنا نشتري كل شيء نقداً لعدم قدرة الموردين الصغار على منحنا أي ائتمان”.
نصائح لرواد الأعمال: التخطيط والتدفق النقدي
تنصح تهاني رواد الأعمال بضرورة التخطيط الدقيق للتدفقات النقدية، والتسعير المناسب للمنتجات، قائلة: “التدفق النقدي هو أساس النجاح، فمهما كانت فكرتك رائعة، قد تنهار إذا لم يتم التخطيط له جيداً”.
المخاطرة المحسوبة: استراتيجية التوريد
تدرك تهاني المخاطر المصاحبة للعمل مع منتجين صغار، لذا اختارت في البداية العمل حصرياً مع متاجر السوبر ماركت الكبرى لضمان استقرار التدفق النقدي.
وتضيف: “مع نمو الشركة، يمكنني تنويع أعمالي بالتعاون مع مزيج من العلامات التجارية المعروفة والأخرى الأصغر”.
الخبرة المصرفية: سلاح رائد الأعمال
تؤكد تهاني على أن خبرتها المصرفية كانت ذات قيمة كبيرة في التعامل مع تعقيدات الشركات الناشئة، وتنصح بالحفاظ على فترة لا تقل عن 18 شهراً لتغطية النفقات الأولية.
الاستفادة من الدعم المصرفي والخارجي
سعت تهاني للحصول على دعم من بنوك مثل بنك رأس الخيمة الوطني، الذي ساعدها من خلال خصم الفواتير، مما مكنها من تلقي المدفوعات بسرعة أكبر.
وتوضح: “على سبيل المثال، يدفع كارفور بعد 90 يوماً، ولكن بفضل تسهيلات بنك أبوظبي الأول، يمكنني استلام أموالي في غضون يومين فقط”.
البحث عن تحديات جديدة: هدف البيع
بعد تجاوزها المراحل الصعبة، تتطلع تهاني إلى تحديات جديدة، وتقول: “الهدف النهائي هو بيع المشروع، وهو ما نعمل عليه حالياً، ثم البدء في مشروع جديد”.
روح المبادرة: إطلاق مشاريع جديدة
تصف تهاني نفسها بأنها رائدة أعمال تهوى إطلاق المبادرات الجديدة، ولا يستهويها الاستمرار في توسيع نطاق عملها الحالي.
وتضيف: “لقد تعاملت مع الجزء الأصعب، وقد يصبح الأمر مملاً بعد ذلك، لذا أفضل المضي قدماً”.
التوازن بين الأمومة وريادة الأعمال
تعترف تهاني بصعوبة الموازنة بين دورها كأم ومتطلبات عملها، وتقول: “أعتقد أن أطفالي يستحقون الجائزة أكثر مني”، معترفة بالضغوط التي تواجهها في إدارة الشركة والمسؤوليات المنزلية.
صنع التأثير: مساعدة الآخرين
تؤكد تهاني على أن “التأثير الحقيقي والشعور بالإنجاز يأتي من مساعدة شخص لا تعرفه، دون توقع أي مقابل”.
أهمية الإرشاد وبناء المجتمع
تشجع تهاني رواد الأعمال الطموحين على طلب التوجيه من ذوي الخبرة، قائلة: “إذا كان بإمكاني تقديم نصيحة واحدة، فهي الشراكة مع مرشد لديه خبرة في نفس المجال”.
مستقبل ريادة الأعمال النسائية
تتطلع تهاني إلى مستقبل تسوده رائدات الأعمال المتعاونات، القادرات على تحقيق تأثير اجتماعي أوسع.
وأخيرا وليس آخرا، قصة تهاني طاهر هي شهادة حية على قوة الإرادة والإصرار، وكيف يمكن لشغف ريادة الأعمال أن يتحول إلى واقع ملموس يساهم في تغيير حياة الآخرين. فهل ستكون الإمارات حاضنة لمزيد من القصص الملهمة في عالم ريادة الأعمال النسائية؟ هذا ما نأمل أن نراه في المستقبل القريب.










