تأثير الحرارة الشديدة على الصحة في الإمارات: تحديات وحلول
تتجاوز تداعيات الحرارة المرتفعة في دولة الإمارات مجرد الإصابة بضربة الشمس أو الجفاف، إذ يمكنها أن تحفز ظهور أو تفاقم مجموعة من الحالات الطبية التي تظل عادة تحت السيطرة في الأجواء المعتدلة. ويؤكد الأطباء أن الارتفاع الشديد في درجات الحرارة قد يكون محفزاً قوياً لتفاقم الأعراض العصبية وإجهاد القلب والأوعية الدموية، مما قد يكشف عن مشكلات صحية لدى أفراد لم يكونوا على علم مسبق بوجودها.
التصلب المتعدد والحرارة: تحدٍ مضاعف
يُعد الأفراد المصابون بالتصلب المتعدد (MS) من بين الفئات الأكثر عرضة للخطر. هذا المرض العصبي، الذي يؤثر في الجهاز العصبي المركزي، يصيب ما يقدر بنحو 19 من كل 100 ألف شخص في دولة الإمارات. بالنسبة لهؤلاء الأفراد، يمكن أن تكون الحرارة الشديدة مدمرة بشكل خاص.
أوضح البروفيسور أنو جاكوب، مدير قسم التصلب المتعدد وأمراض الأعصاب المناعية الذاتية في كليفلاند كلينك أبوظبي وعضو اللجنة الاستشارية الطبية للجمعية الوطنية للتصلب المتعدد، أن الدراسات تشير إلى أن ما بين 60% إلى 80% من مرضى التصلب المتعدد يعانون من تفاقم في الأعراض، مثل التعب ومشاكل الحركة واضطرابات الرؤية، عند ارتفاع درجة حرارة الجسم. وتزداد هذه الأعراض سوءًا لدى أولئك الذين يعانون بالفعل من ضعف موجود مسبقًا.
ظاهرة أوهثوف وتأثيرها على مرضى التصلب المتعدد
تُعرف هذه الظاهرة باسم ظاهرة أوهثوف، وتحدث عندما يؤدي ارتفاع درجة حرارة الجسم إلى تباطؤ انتقال الإشارات في الأعصاب المتضررة. وأشار جاكوب إلى أن تفاقم الأعراض قد لا يكون دائمًا، ولكنه يمكن أن يؤثر بشكل كبير على الأداء اليومي للشخص ورفاهيته. وعادة ما تتحسن الأعراض عن طريق تبريد الجسم والراحة، ومن المهم التمييز بين هذه الظاهرة وبين التفاقم الحقيقي الذي يستمر عادة لأكثر من 24 ساعة.
وللتخفيف من هذه التأثيرات، يوصي الخبراء بالبقاء رطبًا، واستخدام أدوات التبريد مثل السترات والمراوح، وتجنب التعرض للحرارة في أوقات الذروة، وتعديل الروتين اليومي ليشمل فترات راحة منتظمة. وأكد جاكوب أن الترطيب يساعد مرضى التصلب المتعدد من خلال دعم نظام التبريد الطبيعي للجسم، وتنظيم درجة الحرارة الداخلية، وتقليل خطر تفاقم الأعراض الناجمة عن الحرارة، بالإضافة إلى المساعدة في إدارة وظائف المثانة والأداء الإدراكي.
جهود الإمارات في توفير بيئات صديقة للمرضى
لقد خطت دولة الإمارات بالفعل خطوات واسعة نحو توفير بيئات أكثر ملاءمة للأشخاص الذين يعانون من حالات مزمنة. وأشار جاكوب إلى أن الإمارات تتمتع ببيئات مصممة بعناية، مثل المساحات العامة المظللة ومناطق التبريد الداخلية، والتي تلعب دورًا حاسمًا في حماية الأشخاص الذين يعيشون مع حالات مزمنة مثل التصلب المتعدد.
مبادرات مجتمعية لتعزيز الشمولية
لتعزيز هذا التقدم، أطلقت الجمعية الوطنية للتصلب المتعدد مؤخرًا برنامج التصميم الشامل للشمول، بالشراكة مع ست جامعات إماراتية رائدة، لإشراك الطلاب وأعضاء هيئة التدريس في تطوير حلول تركز على سهولة الوصول عبر الحرم الجامعية.
تأثير موجة الحر على نطاق أوسع
يلاحظ أطباء الطوارئ أيضًا تأثير موجة الحر على نطاق أوسع. وأفاد الدكتور براديب، أخصائي طب الطوارئ في مستشفى ميدكير رويال التخصصي في القصيص، بوجود زيادة ملحوظة في الحالات المرتبطة بالحرارة التي تصل إلى قسم الطوارئ، وخاصة الجفاف والإجهاد الحراري، وفي الحالات الأكثر شدة، ضربة الشمس والفشل الكلوي الحاد.
الفئات الأكثر عرضة للخطر
وأضاف الدكتور براديب أن المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة مثل التصلب المتعدد، وأمراض القلب، وأمراض الكلى، هم الأكثر عرضة للخطر. فالإجهاد الإضافي على القلب بسبب الجفاف واختلال توازن الأملاح يمكن أن يؤدي إلى مضاعفات خطيرة لدى مرضى القلب، في حين أن الأشخاص الذين يعانون من ضعف في وظائف الكلى قد يواجهون صعوبة في تنظيم مستويات السوائل والصوديوم، مما يزيد من خطر إجهاد الكلى الحاد أو الفشل الكلوي.
وينصح فريق الطوارئ بتجنب الأنشطة الخارجية بين الساعة 11 صباحًا و 4 مساءً، وارتداء ملابس فضفاضة، والتأكد من بقاء البيئة الداخلية باردة. وفي حالات الطوارئ المرتبطة بالحرارة، مثل الارتباك، والإغماء، وسرعة ضربات القلب أو توقف التعرق، شدد الدكتور براديب على ضرورة طلب المساعدة الطبية الفورية.
حماية الأطفال من آثار الحرارة
في حين أن العديد من التنبيهات الصحية العامة تركز بشكل أساسي على البالغين، فإن الأطفال الذين يعانون من حالات عصبية مزمنة معرضون للخطر أيضًا. وتوضح ليلى، والدة طفل يبلغ من العمر 10 سنوات ويعاني من الصرع، أنها تخطط لصيفهم بالكامل لتجنب حرارة الخليج الشديدة، قائلة: “في صيف الإمارات، لن أسمح له بالبقاء في الخارج كثيرًا، على الرغم من أنه يريد اللعب والنشاط. تزداد نوباته سوءًا عندما ترتفع درجة حرارته. في السنوات القليلة الماضية، حرصنا على السفر إلى مكان أكثر برودة كل يوليو أو أغسطس، حتى يتمكن من الاستمتاع بالخارج دون أن نقلق باستمرار.”
ويؤكد الخبراء على أن التدخل المبكر والعادات الوقائية ضرورية للفئات الضعيفة. ومع استمرار تزايد التحديات الصحية المتعلقة بالمناخ على مستوى العالم، قد يصبح الوعي العام والتخطيط الحضري الشامل عنصرين أساسيين لا يقلان أهمية عن الدواء نفسه.
وأخيرا وليس آخرا
في ظل تزايد تأثيرات التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة، يصبح من الضروري تبني استراتيجيات وقائية شاملة لحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر في دولة الإمارات. من خلال تعزيز الوعي العام، وتطوير بنية تحتية متكيفة، وتشجيع البحوث والدراسات، يمكننا العمل معًا لضمان صحة وسلامة جميع أفراد المجتمع في مواجهة هذه التحديات المناخية المتزايدة. فهل سنشهد تحولًا جذريًا في التخطيط الحضري وأنماط الحياة لضمان مستقبل صحي وآمن للجميع؟






