المرأة الإماراتية تتألق بعد الستين: بداية جديدة نحو آفاق أرحب
بالنسبة للكثيرين، يمثل التقاعد عند بلوغ الستين نهاية المسيرة المهنية، لكنه بالنسبة لعدد متزايد من النساء الإماراتيات يمثل نقطة انطلاق نحو فصل جديد حافل بالأهداف المتجددة، والشغف، والمشاركة الفعالة في المجتمع.
بدلًا من الاستكانة، تستثمر هؤلاء السيدات اللاتي اكتسبن خبرات ومهارات حياتية واسعة، الفرص المتاحة لتحقيق النمو الشخصي المستمر، ومواصلة التعلم، وخوض مجال ريادة الأعمال، وتقديم مساهمات قيمة للمجتمع.
تتنوع المسارات التي يسلكنها، ولكن يبقى الدافع وراء النشاط المستمر والعطاء هو القاسم المشترك بينهن جميعًا. فنجد على سبيل المثال، حبيبة بن ثليث، المولودة في دبي عام 1954، التي رأت في التقاعد فرصة سانحة لبداية جديدة.
حبيبة بن ثليث: من العمل التطوعي إلى التنمية الثقافية
قبل العودة إلى العمل الرسمي، كرّست حبيبة وقتها للأعمال التطوعية والتنمية الذاتية، خاصة في المجالات المتعلقة بالتعليم والثقافة. كان حلمها يراودها بالعمل مع هيئة المعرفة والتنمية البشرية، وهو ما تحقق في سن الـ 62 عندما انضمت إليها كناشطة ثقافية.
في الهيئة، أصبحت حبيبة بمثابة الأم الروحية، حيث قدمت الدعم المعنوي والنفسي للعاملين، وعززت مشاركة الأهل في العملية التعليمية للأطفال.
“كانت مبادرة الهيئة في 2016 بمثابة انطلاقة جديدة لي، وفرصة لتحقيق هذا الشغف”، هكذا عبرت حبيبة عن تجربتها، وأضافت: “قررت استكمال دراستي بعد التحاق أصغر أبنائي بالروضة، وعملت على تطوير مهاراتي وقدراتي الذاتية”.
استلهمت حبيبة من مبادرة الهيئة التي تهدف إلى سد الفجوات بين الأجيال من خلال التواصل المفتوح. كما شاركت في جهود تطوعية دولية، بما في ذلك تقديم الدعم العاطفي للأطفال والعائلات في مخيم للاجئين إماراتي في الأردن.
لكنها لم تنكر أن التحدي الأكبر الذي واجهها كان يتمثل في التغلب على الصور النمطية المجتمعية حول عمل المرأة بعد سن التقاعد.
“بدعم من عائلتي وزملائي، تمكنت من كسر هذه الصورة النمطية”، وأكدت: “أؤمن بأن الاستمرار في العمل بعد التقاعد يعزز الثقة بالنفس ويزيد من قدرتنا على العطاء”.
ولو عاد بها الزمن، لاختارت حبيبة المسار نفسه، لأنه أتاح لها فرصة لخدمة المجتمع بالطريقة التي طالما حلمت بها لأكثر من 40 عامًا.
أم حميد: شغف الطهي يتحول إلى مشروع ناجح
مثال آخر ملهم هو مريم محمد، المعروفة بـ “أم حميد”، وهي أرملة تبلغ من العمر 62 عامًا ولديها 11 طفلاً و32 حفيدًا. حولت أم حميد حبها وشغفها بالطهي إلى مشروع تجاري مزدهر.
بدأت مسيرتها في عالم الطهي منذ 29 عامًا في عام 1996، من خلال المشاركة في فعاليات ثقافية مثل الشندغة وقرية التراث، حيث كانت تحضر الأطباق الإماراتية التقليدية.
بدعم ومساندة من أبنائها، الذين ساعدوها في التسويق، والأفكار، والمحاسبة، وسعت نشاطها تدريجيًا ليشمل حفلات الزفاف، وأصبحت مطلوبة في المدارس والفعاليات الحكومية. اليوم، تدير مشروع “فود ترك” يقدم الأطباق التقليدية والمشروبات الساخنة والباردة.
“كانت تجربتي الحقيقية الأولى في مطبخ الناس الذين نعرفهم، وكان هذا أول عمل لي خارج روتيني اليومي المعتاد. كنت أطبخ، وأدير المطبخ، وأدرّب الموظفين. كل شيء كان جديدًا بالنسبة لي.” هكذا وصفت أم حميد تجربتها.
وأضافت: “كان الشعور بالحصول على راتب شهري للمرة الأولى رائعًا، وكانت المرة الأولى التي أشعر فيها بأن جهودي تُكافأ. ولحسن الحظ، تم استقبال الطعام بشكل إيجابي، وانتشرت الكلمة سريعًا. بدأت الطلبات تتزايد واكتسبت سمعة طيبة. كان من دواعي سروري أن أرى الناس يصطفون لتجربة أطباقي”.
أوقدت هذه التجربة شغفًا تحول إلى عمل تجاري. ومع مرور الوقت، زادت شعبية أطباقها، وأصبحت اسماً معروفاً في المجتمع. اليوم، يقدم الفود ترك أطباقاً تقليدية ساخنة وباردة، وهدفها فتح مطعم خاص بها بفروع متعددة، للحفاظ على المطبخ التقليدي والطريقة الإماراتية في الحياة.
وأكدت: “لا يجب أن يكون العمر عائقاً طالما كان هناك صحة وعافية. يمكنك متابعة شغفك أو الانخراط في أنشطة تفيد الآخرين. مشاركة تجاربك تثري من حولك”.
شيخة الظاهري: أم الفريج في حضانة محلية
في سن الـ 57، تبنت شيخة الظاهري من دبي دورًا جديدًا، لتصبح “أم الفريج” في حضانة محلية. هي أم لستة أبناء وجدة، بدأت العمل بعد أن كبر أبناؤها، مستمتعة بالعناية بالصغار وتوجيه الأمهات الجدد.
على الرغم من أنها تحمل شهادة الثانوية فقط، اعتمدت الظاهري على تربيتها التي قامت على القيم الإسلامية في تعليم الأطفال المسؤولية، واتخاذ القرار، والتقاليد الثقافية. أصبح عملها في الحضانة امتدادًا طبيعيًا لروحها الأمومية.
تؤمن الظاهري بأن العمر مجرد رقم، وأن المرأة يمكن أن تستمر في العطاء والإنتاج طالما تتمتع بصحة جيدة.
“عندما عُرض عليّ العمل، كنت سعيدة. زوجي وأطفالي وأصدقائي شجعوني كثيرًا. كان الدعم من المجتمع المحيط بي دافعًا قويًا للاستمرار”. هكذا عبرت عن سعادتها بهذه الفرصة.
ووصفت تجربتها في الحضانة بأنها كانت مليئة بالتحديات ولكنها كانت أيضًا مفعمة بالرضا العميق. رؤية الأطفال يكبرون وينمون تحت رعايتها منحتها شعورًا بالهدف والفخر.
“كل طفل له شخصية فريدة. استقبلتهم بحب وعلمتهم الآداب والتقاليد. هم أطفال بحاجة إلى الرعاية في هذا العمر، واسم حضانة الفريج يعبر عن مدى حبنا واهتمامنا بهم”. هكذا تحدثت عن علاقتها بالأطفال.
واستنادًا إلى دعم عائلتها والفرح الذي وجدته في عملها، تؤمن الظاهري بأن الإنتاجية لا تعرف نهاية.
وأضافت: “طالما أنكِ بصحة جيدة، يمكنك البدء في أي عمر. بين الأطفال في الحضانة ودعم أطفالي، خلقت حياة تجمع بين العائلة والعمل، متوازنة بين الشغف والمسؤولية. فنساء الإمارات سيظللن دائمًا ركيزة قوة وإلهام في كل مرحلة من مراحل الحياة”.
وأخيرًا وليس آخرًا
تُظهر قصص حبيبة بن ثليث، وأم حميد، وشيخة الظاهري، كيف يمكن للمرأة الإماراتية أن تحول مرحلة التقاعد إلى فرصة ذهبية لتحقيق الذات، وخدمة المجتمع، وترك بصمة إيجابية في كل مكان. هذه النماذج الملهمة تؤكد أن العمر ليس عائقًا أمام الإبداع والعطاء، وأن الشغف والإرادة هما المحركان الأساسيان لتحقيق الأحلام في أي مرحلة من مراحل الحياة. فهل ستستمر المرأة الإماراتية في تحطيم الصور النمطية وإلهام الأجيال القادمة؟










