السمنة : تصنيف جديد يهدف إلى تشخيص دقيق وتجنب الوصم
يصنف الخبراء السمنة الآن كمرض مستقل بذاته، ويطلقون عليها اسم السمنة السريرية، وذلك نظرًا لما تنطوي عليه من مخاطر ومضاعفات صحية. في المقابل، يعتبر الأشخاص الذين يعانون من السمنة دون ظهور أي مضاعفات مصابين بالسمنة ما قبل السريرية.
يساعد هذا التصنيف الجديد الخبراء في تحديد أنواع السمنة المختلفة وتقديم خطط علاجية مخصصة لكل حالة. وقد أكدوا على ضرورة الابتعاد عن استخدام مؤشر كتلة الجسم التقليدي في التشخيص، ونصحوا بالاعتماد على مقاييس بديلة مثل محيط الخصر، ونسبة الخصر إلى الورك، وفحوصات كثافة العظام للحصول على تشخيص أكثر دقة.
معايير تشخيص السمنة السريرية وما قبل السريرية
أوضح الدكتور وائل بريك، الجراح العام في مستشفى قطينة التخصصي، في تصريح لـ”المجد الإماراتية”، العوامل التي تحدد نوع السمنة ومعايير التشخيص، مبيناً أن السمنة السريرية هي مرض يشير إلى تأثيره الواضح على أعضاء الجسم، مثل أمراض القلب، وضيق التنفس، والسكري من النوع الثاني، وآلام المفاصل، بالإضافة إلى تأثيرها على الأنشطة اليومية للفرد.
وأضاف أن السمنة ما قبل السريرية تعني وجود خطر متزايد للإصابة بالسمنة السريرية، وتتميز بزيادة الوزن مع الحفاظ على وظائف الأنسجة والأعضاء الأخرى. وأشار إلى أنه عند التعامل مع مريض يعاني من السمنة السريرية، تتوفر خيارات علاجية أكثر، بما في ذلك التدخلات الجراحية، بناءً على مؤشر كتلة الجسم.
أهمية نسبة الخصر إلى الورك في تقييم المخاطر الصحية
أشارت الدكتورة آنو ويلسون، أخصائية الغدد الصماء في عيادة أستر بدبي، إلى أن الاعتماد على مؤشر كتلة الجسم وحده قد يؤدي إلى علاجات غير ضرورية للبعض، وتجاهل من يحتاجون إلى المساعدة. وقد ظهر مصطلح “السمنة ما قبل السريرية” للإشارة إلى الحالات التي تعمل فيها أعضاء الجسم بشكل طبيعي رغم ارتفاع مؤشر كتلة الجسم، مما لا يستدعي تدخلًا طبيًا فوريًا.
وشرحت أهمية نسبة الخصر إلى الورك، قائلة إنها تعكس أماكن تخزين الدهون في الجسم. فالدهون الحشوية الزائدة تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكري من النوع الثاني ومشاكل صحية أخرى، حتى لدى الأشخاص ذوي مؤشر كتلة الجسم الطبيعي. لذا، تعتبر نسبة الخصر إلى الورك مؤشرًا أفضل للمخاطر الصحية من مؤشر كتلة الجسم، خاصةً للأشخاص الذين يبدو وزنهم طبيعيًا ولكن لديهم دهون زائدة في منطقة البطن.
بالإضافة إلى ذلك، يجب الأخذ في الاعتبار أن مؤشر كتلة الجسم لا يعكس صحة العظام لدى الأشخاص الذين يعانون من السمنة، ولا يميز بين الأنسجة الدهنية والعضلية. تستخدم فحوصات كثافة العظام الأشعة السينية لتقييم كتلة العظام والأنسجة الدهنية وتوزيع الدهون في الجسم بدقة، مما يعطي صورة أوضح عن الحالة الصحية للفرد.
وأوضحت الدكتورة ويلسون أن التصنيف الجديد يسمح بمراقبة الأفراد الذين يعانون من السمنة ما قبل السريرية دون تدخل طبي فوري، وبالتالي تجنب التشخيص والعلاج المفرطين.
وترى أن التمييز بين السمنة السريرية وما قبل السريرية يسمح بوضع خطط علاجية أكثر تخصيصًا، وتجنب التدخلات غير الضرورية، ويخفف من الوصمة الاجتماعية لدى البعض. كما أن الكشف المبكر عن السمنة ما قبل السريرية يتيح التثقيف والمتابعة لمنع تطورها إلى السمنة السريرية، مما يؤكد للمرضى أنه ليس كل من يصنف على أنه مصاب بالسمنة وفقًا للمعايير التقليدية يعاني بالضرورة من مشاكل صحية.
تجنب الوصمة المرتبطة بالسمنة
أكد الدكتور باراج إم. راني، أخصائي الجراحة العامة وجراحة المناظير في مستشفى زليخة دبي، أن تصنيف السمنة كمرض مستقل يمكن أن يقلل بشكل كبير من الوصمة المحيطة بها.
ودعا إلى التشخيص المبكر لدى الأطفال، مؤكدًا أهمية توجيههم وتوعية أهاليهم بشأن المشاكل الصحية المستقبلية المرتبطة بالسمنة، مثل السكري وأمراض القلب. هذا النهج الاستباقي يساهم في تخفيف الوصمة الاجتماعية التي قد يواجهها المصابون بالسمنة طوال حياتهم.
وأشار إلى أن الأوصاف الجارحة والتنمر والتمييز الاجتماعي ضد الأشخاص المصابين بالسمنة قد تشكل أكبر وصمة عار يتعرضون لها. هذا التمييز يحدث في بيئات مختلفة – في المنزل بين الإخوة، وفي المدرسة بين الأقران، وفي أماكن العمل بين الزملاء – مما يؤدي إلى انخفاض تقدير الذات، والانطواء الاجتماعي، والشعور بالوحدة، والاكتئاب، وحتى تعاطي المخدرات، مما قد يسبب تحديات نفسية خطيرة.
ونصح الدكتور باراج قائلًا: “فكر مليًا قبل وصف أي شخص بالسمين. لا يُصنّف الشخص بالسمين بناءً على وزنه فقط؛ من الضروري مراعاة مؤشر كتلة الجسم ونسبة الدهون الحشوية لديه.”
و أخيرا وليس آخرا
في ختام هذا التحليل، نرى أن إعادة تصنيف السمنة إلى سريرية وما قبل سريرية يمثل نقلة نوعية في التعامل مع هذا المرض المعقد. من خلال تبني مقاييس تشخيص أكثر دقة وتفصيلاً، يمكن للمختصين تقديم رعاية صحية أفضل ومصممة خصيصًا لكل مريض، مع الأخذ في الاعتبار الجوانب النفسية والاجتماعية التي غالبًا ما يتم تجاهلها. هل يمكن لهذا النهج الجديد أن يغير حقًا نظرة المجتمع إلى السمنة ويقلل من الوصمة المرتبطة بها، أم أن التحديات الثقافية والاجتماعية ستظل عائقًا أمام تحقيق هذا الهدف؟










