متحف زايد الوطني: نافذة على تاريخ الإمارات العريق
متحف زايد الوطني يحكي قصة دولة الإمارات العربية المتحدة وشعبها، من الماضي العريق إلى الحاضر الزاهر.
تاريخ النشر: 06 نوفمبر 2025، 11:46 صباحًا
مع افتتاح متحف زايد الوطني في الثالث من ديسمبر، سيغوص الزوار في أعماق تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة بكل حواسهم؛ حيث سيستمعون إلى الحكايات، ويتلمسون الآثار، ويستنشقون عبق الماضي.
يهدف هذا الصرح الثقافي، الذي يقع في قلب جزيرة السعديات، إلى أن يكون من أوائل المتاحف الوطنية في العالم التي تدمج الصوت والرائحة في تجربتها الدائمة، مقدماً رحلة تفاعلية آسرة عبر تاريخ الأمة، ومتجذرة في قيم الوالد المؤسس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.
يقول الدكتور بيتر ماغي، مدير المتحف: “متحف زايد الوطني يحكي قصة الأمة وشعبها من الماضي القديم إلى يومنا الحاضر”.
سرد القصص عبر الحواس: البصر، الصوت، والرائحة
تبدأ الرحلة الحسية للزائر منذ لحظة وطء قدمه “حديقة المسار”، وهي معرض خارجي يمتد على طول 600 متر، ويربط بين المناظر الطبيعية الصحراوية والواحات والمناطق الحضرية. هنا، يُدعى الزوار لتجربة البيئة الإماراتية كما عاشها الأجداد. في الداخل، تتألق ست قاعات عرض دائمة، تحكي تاريخ البلاد من خلال أكثر من 1,500 قطعة أثرية، معززة بالتفاعل الرقمي والعروض الضوئية واسعة النطاق والمقاطع الصوتية السينمائية.
صُممت العديد من المعروضات لتكون تفاعلية، باستخدام تقنية الزجاج الذكي التي تسمح للزوار بفحص القطع الأثرية في دوران ثلاثي الأبعاد، مع محتوى قصصي يربطها بسياقها التاريخي الأوسع. وفي معرض “من خلال طبيعتنا”، تنغمر الحواس في بيئة غامرة ذات سبع شاشات تعرض مشاهد وأصوات متنوعة من المناظر الطبيعية في الإمارات — من رياح الصحراء إلى أمواج البحر. كما يمكن للأطفال التفاعل مع شاشات شفافة لاستكشاف النباتات والحيوانات المحلية بطريقة ممتعة وتفاعلية.
ويضيف الدكتور ماغي: “هذه التجارب متعددة الحواس تستخدم الصوت والرائحة المستوحيين من التراث الغني والجمال الطبيعي لدولة الإمارات العربية المتحدة. إنها تجعل متحف زايد الوطني أحد أوائل المتاحف الوطنية على مستوى العالم الذي يدمج العناصر متعددة الحواس ضمن تجربة الزوار الدائمة”.
العلم والتراث يلتقيان في أبوظبي
خلف تصميم أبراج المتحف المستوحى من أجنحة الصقر، من تصميم فوستر آند بارتنرز (Foster + Partners)، تكمن ميزة أخرى محددة وهي جيل جديد من قدرات الحفظ والبحث يتشكل داخل الإمارات.
يشير الدكتور ماغي إلى أن الحفظ يمثل ركيزة أساسية لمهمة المتحف. ومن بين المشاريع البارزة إعادة بناء قارب ماجان الذي يعود تاريخه إلى 4,000 عام، وهي سفينة تجارية كاملة الحجم من العصر البرونزي تم بناؤها بالتعاون مع جامعة زايد وجامعة نيويورك أبوظبي. جمع الفريق بين مواد وتقنيات بناء السفن التقليدية والتحليل والاختبار الحديث لضمان الدقة التاريخية، بل وأجرى تجربة بحرية للتحقق من تصميمها.
يؤكد الدكتور ماغي: “يُظهر هذا المشروع كيف يمكن للعلم دعم إحياء الحرف القديمة مع تعميق فهمنا للتراث البحري لدولة الإمارات العربية المتحدة. إنه يُظهر أن الحفظ لا يتعلق فقط بالحفاظ على الأشياء، بل يتعلق أيضاً بإعادة التواصل مع المعرفة والمهارات التي شكلت تاريخنا”.
وتشمل أبرز أعمال الحفظ الأخرى: صون خمس رقائق من المصحف الأزرق الذي يعود للقرن التاسع، والمكتوب بالخط الكوفي الذهبي على رق أزرق، وحفظ لؤلؤة أبوظبي التي تعود إلى 8,000 عام وتم اكتشافها في جزيرة مروح — وهي واحدة من أقدم اللآلئ الطبيعية المعروفة في العالم.
بناء الخبرات للأجيال القادمة
من خلال صندوق أبحاث متحف زايد الوطني، تعمل المؤسسة على رعاية الخبرات المحلية ودعم المنح الأثرية والتاريخية التي تواصل إعادة تشكيل فهم ماضي الإمارات.
تتبعت الدراسات الحديثة التي يمولها البرنامج الحياة في العصر البرونزي في العين من خلال تحليل النظائر، وكشفت عن أنماط الهجرة والزراعة والمرونة في المجتمعات القديمة. واستكشفت أبحاث أخرى تطور التعليم في أبوظبي من خلال أرشيف قصر الحصن ووثقت الأشجار المحلية التي تربط الذاكرة البيئية والثقافية.
يوضح الدكتور ماغي أن هدف المتحف ليس فقط الحفاظ على الماضي، بل تعزيز الاكتشاف. من خلال الشراكات مع الجامعات والمؤسسات الثقافية ومختبرات الحفظ محلياً ودولياً، نستثمر في الأشخاص الذين سيواصلون الحفاظ على تراث الأمة.
مساحة حية للتأمل والانتماء
صُمم متحف زايد الوطني ليكون أكثر من مجرد عرض للمقتنيات الأثرية، بل مكاناً للتعلم والتأمل والشعور بالانتماء. سيستضيف المتحف معارض مؤقتة وعروضاً وورش عمل وبرامج للشباب، بالإضافة إلى موارد رقمية توسع نطاقه لتشمل المدارس والمجتمعات في جميع أنحاء البلاد.
يختتم الدكتور ماغي حديثه قائلاً: “يمثل الافتتاح لحظة حاسمة لأبوظبي ولدولة الإمارات العربية المتحدة. إنه تحقيق لرؤية وطنية — مساحة حية حيث يمكن للأجيال التواصل مع تاريخ الأمة والقيم الدائمة التي تستمر في تحديد هويتها”.
وأخيرا وليس آخرا
متحف زايد الوطني ليس مجرد صرح يعرض تاريخ الإمارات، بل هو تجسيد حي لتراثها وقيمها. إنه دعوة للأجيال القادمة للتواصل مع الماضي، واستلهام الحاضر، وبناء المستقبل. هل سيكون هذا المتحف نقطة تحول في فهمنا لتاريخ المنطقة؟ وهل سيساهم في تعزيز الهوية الوطنية للأجيال القادمة؟










