جائزة حمدان بن محمد الدولية للتصوير: تألق عالمي في سماء دبي يرتقي بفن الصورة
يُعدّ فن التصوير الضوئي مرآة تعكس الحضارات، ونافذة تطلّ على عمق التجربة الإنسانية وتفاصيلها الجمالية، حيث تتجاوز الصورة كونها مجرد لقطة بصرية لتصبح وثيقة تاريخية، رسالة اجتماعية، أو تعبيرًا فنيًا يُلهِم ويُحرّك المشاعر. وفي هذا السياق، تبرز جائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي (هيبا) كمنارة عالمية ترعى هذا الفن الأصيل، وتُعزّز مكانته على الساحة الدولية. وقد اختتمت الجائزة دورتها الرابعة عشرة مؤخرًا، التي حملت عنوان “القوة”، في حفل مهيب أقيم في متحف المستقبل بدبي، وشهد تكريم نخبة من المبدعين الذين جسّدوا “القوة” بعدساتهم الفذة.
هيبا: مسيرة إنجاز وتأثير عالمي
شهد سموّ الشيخ منصور بن محمد بن راشد آل مكتوم، رئيس اللجنة الأولمبية الوطنية، الحفل الختامي لهذه الدورة التي عكست حجم التأثير الذي حققته الجائزة منذ تأسيسها. فقد أصبحت هيبا، تحت الرعاية الكريمة لسمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي ورئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، منصة عالمية استقطبت عشرات الآلاف من المصورين من مختلف أنحاء العالم. هذا الدعم المستمر كان له الأثر البالغ في نمو الجائزة وتطورها، مما مكّنها من استلام والتعامل مع أكثر من 87 ألف صورة قُدمت من حوالي 50 ألف مصور في دورتها الأخيرة.
لقد نجحت هيبا في نشر ثقافة الصورة والارتقاء بقيمتها في المجتمعات، مؤكدة على دورها المحوري في تسليط الضوء على القضايا الكبرى. كما أسهمت الجائزة بفعالية في تأهيل المصور الإماراتي، وفتح آفاق العالمية أمامه، مع المحافظة على مكانتها كمعيار عالمي للتميز في الفنون البصرية. تُعزز هيبا الوعي الدولي بأهمية الصورة كوسيلة للتعبير والتغيير، وتُرسّخ مكانة دبي كمركز للإبداع والثقافة.
الجائزة الكبرى: “ثوران القوة” من قلب إتنا
توج سموّ الشيخ منصور بن محمد بن راشد آل مكتوم المصور الإيطالي جيانلوكا جيانفيراري بالجائزة الكبرى المرموقة، التي بلغت قيمتها 200 ألف دولار أمريكي. وثّقت صورة جيانفيراري مشهدًا آسرًا لبركان إتنا في صقلية، حيث ينفث باطن الأرض لهيبًا وحممًا متوهجة تتناثر على طبقة نقية من الثلج الأبيض. هذا التناقض الساحر بين عنصري النار والثلج خلق لوحة بصرية فريدة تعج بالدراما والجمال، وتجسّد بحق مفهوم “القوة” التي كانت محور الدورة. هذه الصورة لا تعكس فقط مهارة المصور، بل تؤكد أيضًا على قدرة الفن على التقاط اللحظات الطبيعية الأكثر إثارة للإعجاب، وتحويلها إلى تجارب بصرية لا تُنسى.
تكريمات خاصة لمسيرة من العطاء والإبداع
تجاوزت الجائزة الكبرى نطاقها الفردي لتشمل تكريمات خاصة لشخصيات أثرت المشهد الفوتوغرافي عالميًا. حيث كرّم سموّه الفائزين بالجوائز الخاصة تقديرًا لإسهاماتهم الكبيرة.
الجائزة التقديرية: ريك سمولان رائد التصوير المؤثر
نال المصور والمؤلف والمتحدث الأمريكي ريك سمولان الجائزة التقديرية تقديرًا لمسيرته المهنية الحافلة بالإنجازات. لقد حصد سمولان عشرات الجوائز المرموقة، واعتُبرت بعض كتبه الأكثر تأثيرًا في مجال التصوير. تميز سمولان بقدرته على جذب الانتباه العالمي إلى قضايا إنسانية جوهرية من خلال عدسته، مما جعله أيقونة في التصوير الوثائقي والتأثير الاجتماعي.
جائزة صُنّاع المحتوى الفوتوغرافي: مارك سميث ومملكة الطيور
مُنحت جائزة صُنّاع المحتوى الفوتوغرافي للمصور والمخرج الأمريكي مارك سميث، المعروف عالميًا بكونه أحد أبرز مصوري الطيور وخبراء دراسة حياتها وبيئتها. تجاوزت أعمال سميث ملياري مشاهدة، وهو يُعد من أبرز الناشطين في مجال الحفاظ على البيئة. تُقدم إصداراته شروحات عميقة حول تصوير الطيور وفهم حياتها المعقدة، مما يجعله مرجعًا للعديد من الهواة والمحترفين.
مصور العام من هيبا: سالم الحجري يروي قصصًا عمانية
كانت جائزة مصور العام من هيبا من نصيب المصور العماني سالم الحجري. جاء هذا التكريم تقديرًا لمشاريعه البصرية المؤثرة التي تُوثّق وتحتفي بالتراث الثقافي العماني والعربي، وتُقدّمه للعالم بصور نابضة بالحياة ومؤثرة عاطفيًا. يربط الحجري التقاليد القديمة بروايات الحاضر، إضافة إلى جهوده المتواصلة في دعم وتطوير المصورين في عمان ومنطقة الخليج.
الفائزون في محاور الدورة المختلفة
شملت الدورة الرابعة عشرة عدة محاور رئيسية، شهدت تنافسًا شديدًا بين المواهب العالمية.
محور “القوة”
قام سموّ الشيخ منصور بن محمد بن راشد آل مكتوم بتكريم الفائزين في محور “القوة”. حصل على المركز الأول المصور السوري هاشم دردوره، وجاء المصور الهندي ديباك سينغ دوجرا في المركز الثاني، بينما حل المصور الأسترالي سكوت بورتيلي في المركز الثالث.
المحور العام: ألوان ودرجات
كرّمت الشيخة شما بنت سلطان بن خليفة بن زايد آل نهيان، الرئيس التنفيذي لفورنتير 25، الفائزين في المحور العام، الذي انقسم إلى فئتين:
- المحور العام – الملون: فازت المصورة الأمريكية كارين آيجنر بالمركز الأول، وحل المصور الأمريكي جاك تشي ثانيًا، فيما جاء المصور البولندي مارشين جيبا في المركز الثالث.
- المحور العام – الأبيض والأسود: انتزع المصور الأسترالي تيد غرامبو الصدارة، تلاه المصور كريس فالوز من جنوب إفريقيا، وجاء المصور الإماراتي يوسف بن شكر الزعابي في المركز الثالث.
محور ملف مصور
كرّم معالي الشيخ سالم بن خالد القاسمي، وزير الثقافة، الفائزين في محور ملف مصور. فاز المصور الفلسطيني علي جادالله بالمركز الأول، تلاه ماريك بيغالسكي من بولندا ثانيًا، بينما كان المركز الثالث من نصيب المصور الإماراتي عمار السيد أحمد.
التصوير بالمسيّرات (فيديو)
ضمن محور التصوير بالمسيّرات (فيديو)، كرّم معالي عبد الرحمن بن محمد العويس، وزير شؤون المجلس الوطني الاتحادي ورئيس مجلس أمناء الجائزة، الفائزين. حصل المصور الأمريكي كريم إيليا على المركز الأول، تلاه المصور النرويجي كريساندر بيرغان في المركز الثاني، وجاء المصور الهندي شانثا كومار ناجيندران في المركز الثالث.
التصوير الرياضي
قام معالي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وزير التجارة الخارجية، بتكريم الفائزين في محور التصوير الرياضي. حصد المصور فلاديمير تاديك من البوسنة والهرسك المركز الأول، تلاه المصور الألماني لاسي بيريني ثانيًا، ثم المصور ماساتوشي أوجيهارا من اليابان في المركز الثالث.
و أخيرًا وليس آخرًا
تُعدّ جائزة حمدان بن محمد الدولية للتصوير نموذجًا فريدًا في رعاية المواهب الفنية ودعم الإبداع على مستوى عالمي. فمنذ انطلاقتها، لم تكتفِ هيبا بتقديم الجوائز، بل عملت على بناء مجتمع فوتوغرافي عالمي، يُعزّز التفاعل وتبادل الخبرات بين المصورين من مختلف الثقافات والخلفيات. لقد أثبتت هذه الدورة، التي حملت عنوان “القوة”، أن الصورة تمتلك قدرة هائلة على تجسيد أعمق المفاهيم وأكثرها تأثيرًا، من روعة الطبيعة إلى صمود الإنسان. فهل تستمر هذه الجائزة في رسم ملامح مستقبل فن التصوير، وكيف ستُسهم في تشكيل رؤيتنا للعالم من خلال عدسات المبدعين؟ إنها دعوة للتأمل في قوة الصورة وقدرتها على إلهامنا وتغيير نظرتنا للعالم.










