الثقافة في دبي: قصة نجاح تتجاوز الأفق
تُعد دبي مدينة تحتفي بها الأمم لروعتها المعمارية وطموحاتها اللامحدودة، وقدرتها الفريدة على أسر قلوب العالم. لكن خلف هذا التألق الظاهري، تكمن حكاية أعمق، قصة مدينة تعتبر فيها الثقافة والتراث المعيار الحقيقي للتقدم والازدهار.
على مر العقود، استقبلت الإمارة العالم بأذرع مفتوحة، مبهرةً الجميع بإنجازاتها، مما قلل من فرص التوقف للتأمل في جذور قوتها. إلا أن الثقافة، كصوت خافت يرتفع في سماء الليل، كانت وما زالت تشكل مستقبل المدينة بخطى ثابتة وراسخة.
وبدعم من قيادة دبي الرشيدة، تعمل الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، رئيسة هيئة دبي للثقافة والفنون، على رعاية هذا الصوت الثقافي، وصياغة بيئة حاضنة للإبداع، وبناء أسس متينة تلهم المبدعين، وتأسيس منصات وفعاليات ومعارض تجذب العالم إلى الإمارة، ليس فقط للإعجاب بأفقها العمراني، بل للاستمتاع بقصصها الثقافية العميقة.
دور المرأة الإماراتية في تعزيز الثقافة
كما تعزز صوت دبي الثقافي بهدوء وثبات، وقفت المرأة الإماراتية في صميم هذا المشهد، مساهمةً في تشكيله وتعزيزه ودفعه إلى الأمام. لم يكن وجودها هامشيًا، بل كان دائمًا جوهريًا، يواكب تقدم الوطن.
وقد أكدت الشيخة لطيفة: “لقد تشرفت بالمساهمة في هذا النمو، ليس كإنجاز شخصي، بل كجزء من رحلة جماعية لجعل دبي مكانًا تتفتح فيه الإبداعات، ويُحتفى فيه بالتراث، وتُروى قصصنا الحقيقية بطريقة تصل إلى العالم”. وأضافت: “أرى كل يوم شابات إماراتيات في طليعة هذا المشهد، يحملن عمق تراثنا ويتحدثن إلى العالم بثقة وإبداع، سواء في التصميم أو الأدب أو السينما أو الابتكار الرقمي، هن لا يشاركن فقط تجاربهن الشخصية بل يشكلن كيف نرى أنفسنا وكيف يرانا العالم”.
الثقافة.. مهنة متجذرة
لطالما حملت المرأة الإماراتية صوت الثقافة الوطنية بقوة وحكمة. ومسيرة الشيخة لطيفة متجذرة بعمق في هذه القصة، حيث تعكس أعمالها القيم التي تدافع عنها وتؤمن بها، مدعومة بالتراث وملتزمة بخلق مساحات يزدهر فيها الإبداع وتُسمع فيها الأصوات.
منذ تأسيس هيئة دبي للثقافة والفنون في عام 2008، كانت الشيخة لطيفة في قلب هذه الرحلة، تقود نموها بعزم ورؤية ثاقبة.
على مر السنين، ساهمت في إرساء أسس الاقتصاد الإبداعي في دبي، ليس من خلال مبادرات منفصلة، بل من خلال سلسلة متصلة من الجهود التي تربط السياسات بالأفراد، والاستراتيجيات بالقصص. وكان تركيزها واضحًا دائمًا: تمكين المواهب المحلية، وخلق منصات تزدهر فيها الإبداعات، وضمان امتداد صوت دبي الثقافي إلى ما وراء حدودها.
وقالت: “ثقافة دبي هي مهد الأحلام، ومنبع إلهام أمتنا وتجددها. أريد أن يعلم كل مبدع شاب أن قصصه ذات قيمة، وأنه جزء من إرثٍ يُبنى على مر الأجيال، وأن أعماله قادرة على التأثير في المستقبل”.
تشكيل صوت دبي الثقافي عالمياً
لكن تأثير الشيخة لطيفة يتجاوز حدود دبي، حيث أعادت تعريف دور القطاع الإبداعي، ليس كطبقة جمالية في المجتمع، بل كمحرك للتقدم والحوار والإمكانات.
من خلال منصات رائدة مثل أسبوع دبي للتصميم، الذي احتفل على مدار عقد كامل بلغة التصميم كلغة عالمية للابتكار والتبادل، إلى مبادرات مثل “سكة” التي توفر منصة أساسية للمواهب الإماراتية والمقيمة في الإمارات، تتسع أعمالها لتشمل مفهوم الإبداع. وبتوجيه من رؤيتها، أصبحت الثقافة قوة تغذي الاقتصادات، ولغة تربط المجتمعات، وقوة تشكل المستقبل بهدوء وعمق.
وتحت إدارتها، استضافت دبي أول مؤتمر عام للمجلس الدولي للمتاحف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا، وهي لحظة تاريخية جمعت مجتمع المتاحف العالمي في دبي عام 2025، ووضعت المدينة في مركز الحوار الثقافي المستقبلي.
كما قادت مشاريع تعيد تصور كيفية تجربة الثقافة، مثل برنامج المنح الثقافية الذي يمنح المبدعين الموارد للتجربة والابتكار، واستراتيجية الاقتصاد الإبداعي التي جعلت دبي عاصمة عالمية للصناعات الإبداعية ووجهة للمواهب والاستثمار.
وبإشرافها، برزت دبي كوجهة رائدة للاستثمار الأجنبي المباشر في الاقتصاد الإبداعي، مما يضمن استدامة ونموًا طويل الأمد. وتعكس كل مبادرة إيمانها الراسخ بأن الثقافة لا ينبغي أن تُحفظ فحسب، بل يجب إعادة تصورها باستمرار كقوة حية نابضة بالحياة.
امتد تأثيرها دوليًا أيضًا، حيث دافعت عن الحفاظ على التراث كمسؤولية عالمية. وبفضل دعمها المتواصل، حققت الإمارات إنجازات بارزة في الاعتراف العالمي، من إدراج حرفة التلي التقليدية على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، إلى صون تقليد توارثته النساء الإماراتيات أجيالًا، إلى انتخاب الإمارات في عام 2024 لعضوية اللجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي التابعة لليونسكو.
تؤكد هذه الإنجازات مكانة الدولة كمشاركة في الحفاظ على التراث العالمي ووصية على الإرث المشترك للإنسانية، وحمل القصص والمهارات والتقاليد التي تربطنا عبر الثقافات وعبر الزمن.
رحلة إلهام
تجسدت رؤية الشيخة لطيفة للثقافة بعمق من خلال دروس عائلتها التي لا تزال تتردد أصداؤها في كل خطوة من خطوات عملها. وفي حديثها عن والدها، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، قالت لـ “المجد الإماراتية”: “لقد تعلمت أن قيمتنا في الحياة تُحدد بشجاعة الإنجاز، وأن الرؤية يجب أن تقترن دائمًا بالعمل، وأن نتائج رؤانا وأفعالنا تُحدد دائمًا بالنية”.
كما غرست جدتها، الشيخة لطيفة بنت حمدان بن زايد آل نهيان، المعروفة بـ “أم دبي”، فيها تقديرًا للتراث والصمود، وعلمتها أن القيادة لا تقتصر على التعاطف فحسب، بل تشمل أيضًا التقدم. واكتسبت من والدتها وخالاتها الحكمة والثقة بالنفس وروح المبادرة وقوة المجتمع، وهي قيم صقلتها لتصبح مناصرة للثقافة كقوة للتواصل والتقدم.
وقالت: “لقد خلقت هذه الدروس فيّ إيمانًا عميقًا بالقوة التحويلية للإبداع، والتي تشكل الأساس الذي يتصور عليه كل جيل ثقافة الغد ويطورها”.
الاحتفال بيوم المرأة الإماراتية
يصادف هذا العام الذكرى العاشرة ليوم المرأة الإماراتية، والذكرى الخمسين للاتحاد النسائي العام، وهما حدثان بارزان يجسدان الاستمرارية والتحول، ويذكراننا بأن قصة المرأة الإماراتية هي قصة أجيال حملت هموم الأسرة والمجتمع وأحلام الوطن بقوة لا تُمحى.
بالنسبة للشيخة لطيفة، يُعد هذا اليوم فرصة لتكريم هذه الحقيقة الراسخة والرؤية التي استندت إليها قائلة: “إن دعم المرأة تقليد راسخ في دولة الإمارات العربية المتحدة، متجذر في ثقافتنا وقيمنا. لطالما كانت المرأة، وستبقى، ركيزة أساسية لمجتمعنا: فهي ترعى الأسرة، وتدعم المجتمعات، وتساهم في بناء وطن يسعى جاهدًا نحو التقدم. وما يُميّز قصتنا هو إدراك قيادتنا الرشيدة لهذه الحقيقة، فخلقت الفرص، وقدّمت دعمًا ثابتًا لتمكين المرأة من تحقيق أحلامها بحرية، والسعي وراء طموحاتها، وتحقيق كامل إمكاناتها”.
وأضافت: “المرأة الإماراتية اليوم عالمة، ووزيرة، ورائدة أعمال، وفنانة، ورائدة فضاء. إنجازاتها لا تعكس فقط عزيمة فردية، بل تعكس أيضًا بيئة جماعية تُمكّنها وترفع من شأنها. وبينما نحتفل بالإنجازات العديدة التي تحققت، نتطلع أيضًا إلى المستقبل لضمان أن تكبر كل فتاة إماراتية وهي تعلم أن صوتها مهم، وأحلامها حقيقية، وأن مساهماتها ستشكل مستقبل وطننا”.
وبالنسبة للشيخة لطيفة، فإن حمل هذا الإرث إلى الأمام يمثل مسؤولية وامتيازًا لضمان استمرار الجيل القادم من النساء في العثور على موطن لأحلامهن وأصواتهن وقدراتهن التي لا حدود لها في دبي.
و أخيرا وليس آخرا: من خلال استعراضنا لجهود الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم ودور المرأة الإماراتية في إثراء المشهد الثقافي في دبي، نرى أن الثقافة ليست مجرد إضافة جمالية، بل هي محرك أساسي للتقدم والابتكار. فهل ستستمر دبي في ترسيخ مكانتها كمركز ثقافي عالمي، وكيف ستساهم الأجيال القادمة في هذا المسار؟










