تحدي القراءة العربي: شغف يضيء دروب التقدم والريادة
لطالما كانت القراءة الشريان الحيوي الذي يغذي الحضارات ويُبقي جذوة المعرفة متقدة في النفوس، فهي ليست مجرد فعل عابر بل هي ركيزة أساسية لنهضة الأمم وسر تفوقها في السباق نحو المستقبل. في عالم تتسارع فيه وتيرة التطور وتتجدد فيه التحديات، يبرز الاهتمام بالمعرفة كضرورة حتمية، ومن يتأخر اليوم خطوة في تحصيلها، يخشى أن يتخلف غدًا أميالًا عن ركب الأمم الطموحة الساعية للريادة والنهضة الشاملة. هذه الرؤية الثاقبة هي ما دفع القيادة الإماراتية إلى إطلاق مبادرات نوعية تعزز ثقافة القراءة، لتشكّل بذلك منصات حقيقية تصنع التقدم البشري وتدفع المجتمعات نحو تحقيق طموحات أبنائها في السعادة والازدهار.
تتويج أبطال الدورة التاسعة: احتفالية بالمعرفة والإنجاز
تجسيدًا لهذه الرؤية، شهدت دبي، مدينة الطموح والإبداع، في وقت سابق، الحفل الختامي للدورة التاسعة من تحدي القراءة العربي، الحدث القرائي الأضخم من نوعه باللغة العربية على مستوى العالم. احتضن مركز دبي التجاري العالمي هذه المناسبة المهيبة التي كرم فيها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، نخبة من الطلاب والمشرفين والمدارس الذين أظهروا شغفاً استثنائياً بالقراءة. وقد أكد سموه على أن هذا الشغف هو الصانع الحقيقي للتقدم البشري والمحرك الرئيسي لتطور المجتمعات.
بيسان وبيلسان كوكة: بطلتان من تونس تتوجان باللقب
في مشهد يعكس التنافس الشريف والإصرار على التميز، توج سموه التوأم المبدع بيسان وبيلسان كوكة من تونس بطلتين لتحدي القراءة العربي لعام 2025. وقد جاء هذا الإنجاز المستحق بعد منافسة قوية بين أكثر من 32 مليون طالب وطالبة من 50 دولة، مثلوا 132112 مدرسة وتحت إشراف 161004 مشرفين ومشرفات، شاركوا في تصفيات الدورة التاسعة. نال التوأم الكوكة جائزة مالية سخية بقيمة نصف مليون درهم، تثميناً لجهودهما المتميزة وشغفهما بالمعرفة. كما حصد الطالب محمد جاسم إبراهيم من البحرين المركز الثاني، بينما ذهب المركز الثالث إلى الطالبة مريم محمد شامخ من موريتانيا.
تكريم المتميزين في فئات التحدي
لم يقتصر التكريم على أبطال القراءة فحسب، بل شمل الحفل تقدير الكفاءات التي أسهمت في إنجاح هذا المشروع المعرفي الكبير. فكرم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، السيدة سحر مصباح من مصر، التي نالت لقب “المُشرفة المتميزة” وجائزة قدرها 300 ألف درهم، تقديراً لدورها الفاعل في توجيه الطلاب وتحفيزهم. كما شهد الحفل تتويج “مدرسة عاتكة بنت زيد – الحلقة الأولى” من الإمارات و”مدرسة طرابلس الحدادين” من لبنان مناصفة بلقب “المدرسة المتميزة”، لتنال كل منهما جائزة بقيمة 500 ألف درهم. وفي فئة أصحاب الهمم، توجت سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، رئيسة هيئة الثقافة والفنون في دبي، الطالبة ماريا حسن عجيل من العراق بلقب بطلة تحدي القراءة العربي لعام 2025، لتثبت أن الإرادة القوية تتجاوز كل التحديات. كما كُرّم جهاد محمد حسين فايد مراد من إيطاليا كبطل للجاليات، في تأكيد على عالمية رسالة التحدي.
تحدي القراءة العربي: رؤية استراتيجية لمستقبل مشرق
يُمثل تحدي القراءة العربي، الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في عام 2015، مشروعاً حضارياً بامتياز، يسعى إلى ترسيخ أهمية القراءة لدى الأجيال الجديدة وتعزيز مكانة اللغة العربية، لغة الضاد، في نفوس أبنائها. ووفقاً لمعالي محمد عبدالله القرقاوي، الأمين العام لمؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية، فإن هذه المبادرة تترجم رؤية سموه لأهمية القراءة في إرساء أسس التنمية الحضارية والارتقاء بالأمم، مستلهمة مقولته بأن التسامح والانفتاح والوعي يبدأ من الكتاب.
تأثيرات واسعة وتطور مستمر
استطاع تحدي القراءة العربي أن يوصل رسالته المعرفية والثقافية إلى ملايين الطلاب العرب، بفضل رؤاه الواضحة وأساليب عمله غير التقليدية. وقد حظي التحدي بتقدير واسع واهتمام رسمي وشعبي، حتى دعت جامعة الدول العربية في ديسمبر 2024، الوزارات المعنية بالتعليم في الدول العربية إلى اعتماده كمنهج تعليمي. هذا التفاعل الرسمي والمجتمعي الواسع يعكس الأهمية المتزايدة للمبادرة ودورها في بناء أجيال مثقفة وواعية.
ومن دلائل هذا التطور، توقيع مؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية مذكرة تفاهم مع مؤسسة عيسى صالح القرق الخيرية في نوفمبر 2024، لإطلاق المكتبة الرقمية لتحدي القراءة العربي. هذه الخطوة الرائدة ستسهم في نشر ثقافة القراءة وتسهيل وصول الطلاب إلى المصادر المعرفية الرقمية، مما يعزز قدرتهم على صقل مواهبهم وتلبية طموحاتهم المستقبلية.
مسيرة إنجازات متواصلة
يواصل تحدي القراءة العربي تحقيق نجاحات غير مسبوقة، حيث تجاوز عدد المشاركين فيه منذ انطلاقته وحتى نهاية الدورة التاسعة أكثر من 163 مليون طالب وطالبة. وقد شهد التحدي نمواً هائلاً في أعداد المشاركين، من 3.6 مليون طالب وطالبة في دورته الأولى إلى أكثر من 32 مليون في الدورة التاسعة، بزيادة فاقت 795%. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي شهادة على قدرة المبادرة على إلهام الشباب العربي وتحفيزهم على اكتشاف عوالم المعرفة الواسعة.
وعلى مر الدورات السابقة، برز العديد من الأبطال والمؤسسات المتميزة التي ساهمت في إثراء هذا المشروع الحضاري، من أمثال حاتم محمد جاسم التركاوي من سوريا، وكادي بنت مسفر الخثعمي من السعودية في الدورة الثامنة، وعبدالله محمد عبدالله البري وآمنة محمد المنصوري من قطر والإمارات على التوالي في الدورة السابعة، وشام محمد البكور من سوريا في الدورة السادسة. جميعهم رموز لشغف القراءة الذي يدفع نحو التميز.
و أخيرا وليس آخرا: جيل واعد لمستقبل عربي مشرق
إن ما حققه تحدي القراءة العربي ليس مجرد نجاح لمبادرة تعليمية، بل هو تأكيد على أن القراءة ليست هواية نخبوية، بل هي دعامة أساسية للتنمية البشرية والمجتمعية. لقد أثبت هذا المشروع أن الأجيال العربية الجديدة تمتلك إرادة قوية وعقلاً وقادًا، وأنها مستعدة لاستلهام تاريخها الحضاري المجيد ومخاطبة المستقبل بلغة فصيحة، رفيقها الدائم هو الكتاب. فهل يمثل هذا النجاح بداية لمرحلة جديدة من الوعي المعرفي العربي، حيث تتكاتف الجهود لجعل القراءة جزءًا لا يتجزأ من النسيج اليومي لكل فرد، لتبني بذلك مستقبلًا يقوم على الفكر المنير والابتكار المستمر؟ إن الإجابة تكمن في استمرارية هذا الشغف، وفي مدى قدرتنا على تحويل صفحات الكتب إلى جسور تعبر بنا نحو غد أفضل.










