السردية الإماراتية: قوة الإعلام في بناء الهوية ومواجهة التحديات
تُعدّ السردية الإماراتية المحور الأساسي الذي تتجلى فيه قوة الإعلام ودوره المحوري في بناء الهوية الوطنية وتعزيز مكانة الدولة على الساحة العالمية. ففي عالم تتسارع فيه وتيرة المعلومات وتتعدد منصات السرد، يصبح لزاماً على كل أمة أن تمتلك زمام روايتها الخاصة. هذه الرؤية العميقة كانت جوهر النقاشات التي شهدها منتدى الإعلام الإماراتي، الذي عُقد برعاية كريمة من سموّ الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الثاني لحاكم دبي، رئيس مجلس دبي للإعلام.
“روايتنا الحقيقية.. رسالتنا للعالم”: دعوة إلى العمق والتأثير
في حدث بارز جرى مؤخراً، ألقت سموّ الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، رئيسة هيئة الثقافة والفنون في دبي، كلمة رئيسية بعنوان “روايتنا الحقيقية.. رسالتنا للعالم”. وقد حضر هذا المنتدى نخبة من أبرز القيادات والرموز الإعلامية الإماراتية، بمن فيهم كبار الكُتّاب والمفكرين ورؤساء المؤسسات الإعلامية ومسؤولي المنصات الرقمية والمؤثرين وصُنّاع المحتوى.
لقد أكدت سموها في كلمتها أن قوة الإعلام لا تكمن في مجرد نقل الأخبار، بل في صياغة سرد مؤثر يجسد التجارب الإنسانية الكامنة وراءها، ويُبرز القيم الأصيلة التي قامت عليها دولة الإمارات العربية المتحدة. مشيرةً إلى أن الإعلام يمثل ركيزة أساسية من ركائز القوة الناعمة للدولة، وأداة حيوية لنقل ثقافتنا وفنوننا وقيمنا إلى جميع أنحاء العالم.
تحدي السرد في عصر المعلومات المفتوح
قالت سموّ الشيخة لطيفة بنت محمد: “نفخر بما حققته دولتنا من إنجازات بفضل الله وطموح وفكر قيادتنا الرشيدة، ولكن التحدّي الأكبر الذي نواجهه اليوم هو كيف نُخاطب العالم بسردٍ مُلهم ومؤثر، وكيف نروي قصتنا بالشكل الصحيح؟”. هذا التساؤل يعكس وعياً عميقاً بضرورة تجاوز الإنجازات المادية نحو بناء صورة ذهنية راسخة ومؤثرة.
تتجاوز أهمية السردية الإعلامية مجرد التعريف بالإنجازات، لتصل إلى ترسيخ الحضور وإحداث الأثر المنشود. فكما أوضحت سموها: “تُقاس الإنجازات الحقيقية بما تُحدثه من أثر، ويُقاس وعي الإعلام بتركيزه على السرديات والقصص المُلهمة التي تخدم الإنسانية وتصنع الفارق في حياة الأشخاص والمجتمعات”. هنا تتجلى القوة الحقيقية للفكرة، فهي التي تزرع الأمل، تصنع المستقبل، وفكرة واحدة كفيلة بإلهام الملايين، إحداث التغيير، وحتى إعادة كتابة التاريخ.
أشارت سموها إلى أن الأفراد لا يتأثرون بالأرقام المجردة أو الشعارات البراقة، بل بالقصص الحقيقية والصادقة التي تلامس القلوب، وتعكس أثر العمل والتطور في حياة الناس بشكل ملموس.
الإعلام: صوت الإنسان ومرآة القيم
أضافت سموّ الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم: “الإعلام ليس مجرد ناقلٍ للخبر، بل هو صوت الإنسان، وراوي القصص المُلهمة التي تصنع الأثر”. وشددت على أهمية المبادرة في سرد روايتنا الحقيقية، التي يجب أن تُبنى على الأصالة والصدق والشجاعة، وأن تُلهم العالم عبر التمسك بهويتنا وجذورنا، والانفتاح في الوقت نفسه على المستقبل والآخر. فالإعلام هو المرآة التي تعكس قيمنا ومبادئنا، والشريك الأساسي والفاعل في إبراز هويتنا أمام العالم أجمع.
وأكدت سموها أن اسم دبي أصبح مرادفاً للأمل والطموح والنجاح، مشيرة إلى أن النجاح يثير الإعجاب والنقد على حد سواء، مما يتطلب من الإعلام مضاعفة جهوده لتقديم سرد عميق، موضوعي، إنساني، وواعٍ.
إحياء المجد العربي والتصدي للسرد المغلوط
خلال كلمتها، استحضرت سمو رئيسة هيئة الثقافة والفنون في دبي إسهامات الحضارة العربية ورواد العلم والفكر العرب في النهضة الإنسانية، والتأثير الإيجابي الذي أحدثته هذه الإسهامات عبر العصور. وقد نوهت بدور الإعلام في تعزيز هويتنا الثقافية وإعادة إحياء مجدنا العربي، وبناء جسور للتواصل الحضاري بين مختلف الثقافات والشعوب.
كما شددت سموها على ضرورة الالتفات إلى السرد المغلوط والمضلل الذي يستهدف المنطقة، والسعي الجاد للاستحواذ على انتباهنا وعقولنا وإعادة تشكيل قيمنا بما يناسب أجندات معينة. مؤكدة أن الحفاظ على هويتنا ومبادئنا هو أحد أهم أولوياتنا، وأن يتوجب على الإعلام المحلي تكثيف جهوده لتقديم سردنا الخاص عبر محتوى أصيل نستطيع من خلاله استعادة زمام الأمور، وإثبات حضورنا وتذكير العالم بإنجازاتنا الحقيقية المؤثرة. هذا التحدي يذكرنا بأهمية بناء خطاب إعلامي متين ومقاوم للمعلومات المضللة، وهو ما يتطلب استراتيجية إعلامية متكاملة.
منصة للحوار والتطوير: منتدى الإعلام الإماراتي
في مستهل أعمال النسخة العاشرة من المنتدى، ألقت سعادة منى غانم المرّي، نائب الرئيس والعضو المنتدب لمجلس دبي للإعلام ورئيسة نادي دبي للصحافة، الجهة المنظمة للمنتدى، كلمةً رحبت فيها بالحضور. وأكدت أن الحدث أصبح بفضل توجيهات ورعاية القيادة الرشيدة منصةً رئيسةً للحوار حول سبل الارتقاء بإعلام الدولة إلى آفاق أرحب من التميز.
ولفتت إلى أن اختيار متحف المستقبل ليكون مقر النسخة العاشرة من المنتدى يحمل رسالة قوية تؤكد أن مستقبل الإعلام سيظل مرتبطاً بإيمان صُنّاع الإعلام الوطني بالابتكار، وبقدرة شعب الإمارات على التعامل مع التحولات المتسارعة دون أن يفقد هويته أو قيمه التي يعتز بها. هذا الاختيار يحمل دلالات عميقة تعكس التطلع الدائم نحو المستقبل واستشرافه.
وأشارت سعادة منى المرّي إلى أن المنتدى انعقد قبيل احتفالات الشهر الوطني، الذي يضم تحت مظلته عدداً من المناسبات الوطنية المهمة. مؤكدة أن الإعلام الإماراتي كان وسيظل جزءاً أصيلاً من حكاية الوطن وشريكاً في صنع مستقبله المزدهر. ونوهت بالأثر الكبير لحملة “زايد وراشد” التي انطلقت للعام الثاني على التوالي بتوجيهات سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، وينظمها “براند دبي”، الذراع الإبداعي للمكتب الإعلامي لحكومة دبي اعتباراً من 3 نوفمبر وحتى 2 ديسمبر 2025. هذه الحملة تعبر عن عمق تقدير شعب الإمارات لرمزين خالدين من رموز الوطن، المغفور لهما بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراهما.
تكامل الأدوار الإعلامية وتعزيز الهوية الوطنية
ولفتت سعادة نائب الرئيس والعضو المنتدب لمجلس دبي للإعلام إلى أن دعم وسائل الإعلام للمبادرات الوطنية، مع التحلي بروح الفريق الواحد، يجسد مدى التزام مجتمع الإعلام الإماراتي الحقيقي بالرسالة النبيلة التي تحملها في ترسيخ قيم الانتماء والولاء، ونقل صورة واضحة عن إنجازات الوطن ونجاحاته. هذا التكامل يؤكد أن الإعلام ليس مجرد صناعة، بل هو رسالة وطنية متجذرة.
ودعت سعادتها القائمين على العمل الإعلامي الوطني لمواصلة العمل معاً من أجل دفع مسيرة التطوير والابتكار، والاستثمار في المواهب وشباب الإعلاميين والأدوات الرقمية، والعمل على بناء خطاب إعلامي مؤثر يبرز النموذج الحضاري والتنموي والإنساني الفريد لدولة الإمارات.
تطرق المنتدى، من خلال جلساته النقاشية، إلى مسارات إعلامية جديدة ذات مؤشرات نمو قوية عالمياً، مثل صناعة الأفلام والألعاب الإلكترونية. وقد خصص المنتدى إحدى جلساته لمناقشة آفاق هذين القطاعين، وكيف يمكن للإمارات أن تترك بصمتها في هذه الصناعات، ومتطلبات تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي وتأكيد أثره في دعم توجهات دولة الإمارات لمستقبل قطاع الإعلام وسعي دبي لتكون مركزاً عالمياً للاقتصاد الإبداعي. كما تضمن برنامج المنتدى جلسة نقاشية مفتوحة استطلعت آراء الحضور من القيادات الإعلامية والرموز الفكرية حول مستقبل قطاع الإعلام في الدولة، وناقش المنتدى الجوانب المؤثرة في صنع إعلام قوي وقادر على المنافسة في إطار من الالتزام والحرية المسؤولة، حيث أفرد جلسة نقاشية تناولت مستقبل التشريعات المرتبطة بالعمل الإعلامي والأطر التنظيمية له.
يمثل منتدى الإعلام الإماراتي التجمع الأهم والأبرز على مستوى القطاع، لما له من قيمة كمنصة تضم كافة المؤسسات الإعلامية المحلية، ليتبادل من خلالها صُنّاع الإعلام الوطني الرؤى والأفكار حول ما قد يتعرض له القطاع من تحديات، للخروج بتصورات واضحة للخطوات الواجب اتخاذها من أجل ضمان استدامة النجاح والتميز لإعلامنا الوطني.
وأخيراً وليس آخراً
لقد أثبت منتدى الإعلام الإماراتي أن السردية الإماراتية ليست مجرد حكايات تُروى، بل هي استراتيجية وطنية متكاملة تستهدف بناء جسور التواصل الثقافي والحضاري، وتعزيز الهوية الوطنية، ومواجهة التحديات بوعي وثقة. إن التزام الإمارات بتقديم روايتها الحقيقية للعالم، المدعومة بالأصالة والصدق والابتكار، يضعها في مقدمة الدول التي تدرك القوة الكامنة في الكلمة والصورة. يبقى السؤال، كيف يمكن للإعلام الإماراتي أن يحافظ على هذا الزخم، ويتكيف مع التغيرات المتسارعة في المشهد الإعلامي العالمي، ليظل منارة للتميز والإلهام؟










