تعزيز البحوث السريرية في الإمارات: نحو ريادة إقليمية في الابتكار الصحي
يشكل التطور المتسارع في مجالات الرعاية الصحية والعلوم الدوائية دافعًا رئيسيًا للدول الساعية نحو ترسيخ مكانتها كمراكز للابتكار والمعرفة. وفي هذا السياق، أولت دولة الإمارات العربية المتحدة اهتمامًا بالغًا بقطاع البحوث السريرية، إدراكًا منها لدوره المحوري في الارتقاء بجودة الحياة وتحقيق الأمن الدوائي. لقد تجلى هذا التوجه بوضوح من خلال الفعاليات المتخصصة التي تهدف إلى جمع الأطراف المعنية، وتبادل الخبرات، ووضع أطر عمل متكاملة تدعم نمو هذا القطاع الحيوي، والذي يعد حجر الزاوية في بناء منظومة صحية وطنية قوية ومستدامة.
المنتدى الأول للبحوث السريرية: رؤية استشرافية
في خطوة استراتيجية نحو تعزيز مكانتها كمركز إقليمي رائد للبحوث السريرية، نظمت مؤسسة الإمارات للدواء بالتعاون مع رابطة معلومات الدواء (DIA) – مكتب الشرق الأوسط وأفريقيا – المنتدى الأول للبحوث السريرية في دولة الإمارات. عُقد هذا المنتدى، برعاية شركة “أمجن” للأدوية، في مقر الجامعة الأمريكية بدبي، وجمع نخبة من الفاعلين الرئيسيين في القطاع الصحي والدوائي، ليمثل نقطة تحول في مسيرة البلاد نحو بناء منظومة صحية قائمة على الابتكار والمعرفة. هذه المبادرات تعكس التزام الإمارات بالتحول إلى منصة عالمية للبحث والتطوير، مستفيدة من بنيتها التحتية المتطورة وتشريعاتها المرنة.
أهداف المنتدى ومحاوره الأساسية
ركز المنتدى على عدة محاور حيوية تهدف إلى تطوير بيئة البحوث السريرية في الدولة والمنطقة. استعرضت الجلسات المتخصصة الجوانب التنظيمية للبحوث السريرية، مع التركيز على أهمية الأخلاقيات وحماية البيانات. كما تناولت جودة البحوث، وأهمية الشراكات الأكاديمية والصناعية، واستعداد المراكز البحثية. ولم يغفل المنتدى مناقشة ابتكار طرق فعالة لاستقطاب المزيد من الأبحاث السريرية إلى المنطقة، وتعزيز الجاهزية التشغيلية للمواقع البحثية، بما يضمن سلاسة وفعالية تنفيذ الدراسات.
مشاركات متنوعة لتعزيز التكامل
شهد المنتدى مشاركة واسعة من كوكبة من الخبراء والممثلين عن جهات حكومية وأكاديمية وشركات دوائية رائدة. ضمت قائمة المشاركين الدكتورة شيخة المزروعي، مديرة إدارة الأبحاث والمختبرات في مؤسسة الإمارات للدواء، بالإضافة إلى ممثلين عن دائرة الصحة – أبوظبي، وهيئة الصحة بدبي. كما شمل الحضور أساتذة وباحثين من جامعة الشارقة، والجامعة الأمريكية في دبي، وجامعة نيويورك أبوظبي، إلى جانب ممثلين عن مستشفى “كليفلاند كلينك أبوظبي” وشركات دوائية عالمية مثل “أسترازينيكا” و”أمجن”. هذا التنوع عكس الرغبة المشتركة في بناء جسور التعاون وتبادل الخبرات.
الدور المحوري لمؤسسة الإمارات للدواء
تأتي مشاركة مؤسسة الإمارات للدواء في تنظيم المنتدى في إطار رؤيتها الاستراتيجية الشاملة للإشراف وتنظيم المنتجات الطبية والبحوث المرتبطة بها. تهدف المؤسسة إلى بناء قطاع علوم صحية مزود بأحدث التقنيات، يحقق الأمن الدوائي، ويدعم ازدهار الصناعات الطبية المحلية. هذا الالتزام يصب في تعزيز بيئة بحثية تسهم في تسريع الوصول إلى العلاجات المبتكرة، وتوطيد الشفافية، وتشجيع التعاون الدولي في المجال الدوائي.
التزام بمعايير عالمية ورؤية مستقبلية
أكدت سعادة الدكتورة فاطمة الكعبي، المديرة العامة لمؤسسة الإمارات للدواء، التزام المؤسسة الراسخ بترسيخ بيئة تنظيمية عالمية المستوى. تهدف هذه البيئة إلى دعم الابتكار، وضمان سلامة المرضى، وتعزيز البحوث السريرية ذات الأثر الفعال. وأشارت إلى أن المؤسسة تعمل باستمرار على تطوير أطر تنظيمية مرنة وشفافة، تواكب التطورات العالمية المتسارعة في مجال المنتجات الطبية والأبحاث السريرية، مما يعكس نهجًا استباقيًا في التعامل مع التحديات والفرص المستقبلية.
وأضافت الدكتورة الكعبي أن المؤسسة تنطلق من رؤية شمولية لتعزيز منظومة الأمن الدوائي، وضمان استدامة توفر المنتجات الطبية بأسعار تنافسية. كما تسعى للارتقاء بالنموذج الصيدلاني الوطني لأفضل المعايير العالمية، وتشجيع الأبحاث التخصصية والدراسات التطويرية للمنتجات الطبية داخل الدولة. كل هذا يهدف إلى بناء بيئة تنظيمية متكاملة وإدارة يقظة دوائية فعّالة، مما يعزز ثقة الشركاء العالميين في سوق الإمارات ويجعل الدولة وجهة مفضلة لاستضافة الدراسات والأبحاث السريرية المتقدمة.
تمكين المراكز البحثية ودعم الشراكات
يُعد المنتدى الأول للبحوث السريرية في دولة الإمارات منصة عملية لتعزيز الحوار البناء بين الجهات التنظيمية، والجامعات، والمستشفيات، وشركات الدواء حول سبل تطوير منظومة البحث السريري. وتعمل مؤسسة الإمارات للدواء بجد لتمكين المراكز البحثية من خلال تسهيل الإجراءات التنظيمية، وتوفير أدلة وإرشادات واضحة، وتعزيز ثقافة الجودة والالتزام بالمعايير الأخلاقية. هذا النهج يضمن جذب المزيد من الدراسات السريرية إلى الدولة، ويدعم شراكات فعّالة مع القطاعين الصحي والدوائي إقليمياً وعالمياً، مما يساهم في دفع عجلة الابتكار.
نقلة نوعية في مستقبل البحوث السريرية
من جانبها، شددت الدكتورة أمنية درويش، المديرة العامة لرابطة معلومات الدواء (DIA) في الشرق الأوسط وأفريقيا، في كلمتها الافتتاحية، على أهمية المنتدى باعتباره نقلة نوعية لمستقبل البحوث السريرية في الإمارات. أوضحت أن الهدف الأسمى هو الانتقال من المبادرات الفردية إلى منظومة بحثية وطنية منسّقة ومستدامة، تتماشى مع أفضل المعايير والممارسات العالمية. هذا الطموح يعكس رؤية مشتركة لبناء قطاع بحثي متكامل وفاعل.
تعزيز التعاون وبناء بيئة مستدامة
أشارت الدكتورة درويش إلى أن التعاون الوثيق مع مؤسسة الإمارات للدواء والجهات التنظيمية والجامعات ومؤسسات الرعاية الصحية يعزز مكانة المنطقة عالمياً في مجال البحوث السريرية. وتطرقت إلى ثلاثة أهداف رئيسية للمنتدى: أولاً، تعزيز التعاون بين الجهات الحكومية والقطاعات المختلفة. ثانياً، مواءمة الأطر التنظيمية والأخلاقية والتشغيلية. ثالثاً، بناء بيئة مستدامة تمكن البحوث السريرية عالية الجودة. هذا التكامل يضمن توجيه الجهود نحو تحقيق أقصى استفادة من الإمكانيات المتاحة.
وأشادت الدكتورة أمنية درويش بالدور المحوري الذي تلعبه منظمة الصحة العالمية في دعم الحوكمة والرقابة الأخلاقية، بالإضافة إلى بناء القدرات البحثية في مجال البحوث السريرية في الإقليم والمنطقة. يبرز هذا التقدير أهمية الشراكات الدولية في دفع عجلة التطور العلمي وتوحيد الجهود لتحقيق أهداف مشتركة تخدم البشرية.
و أخيرا وليس آخرا
لقد أثبت المنتدى الأول للبحوث السريرية في دولة الإمارات أن البلاد تسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ مكانتها كمركز حيوي للابتكار في مجال الرعاية الصحية. من خلال جمع النخب وتعزيز الحوار وتبني أطر تنظيمية شفافة، تسعى الإمارات إلى بناء منظومة بحثية مستدامة وقادرة على استقطاب أحدث الدراسات والعلاجات. إن هذا التركيز على البحوث السريرية ليس مجرد طموح، بل هو استثمار في مستقبل صحي أفضل للمجتمع، وتأكيد على أن الابتكار والمعرفة هما ركيزتا التنمية المستدامة. فهل ستنجح هذه الجهود في جعل الإمارات نموذجًا يحتذى به عالميًا في تسريع وتيرة الاكتشافات الطبية وتحويلها إلى واقع ملموس يخدم الإنسانية؟








