تعزيز الوقف والاستدامة: رؤية مؤسسية لمستقبل دبي الاجتماعي والاقتصادي
تُشكل الأوقاف، على مر التاريخ، ركيزة أساسية في بناء المجتمعات وتعزيز تضامنها، ممتدة من جذورها العميقة في الفقه الإسلامي إلى تجلياتها المعاصرة كأداة تنموية فعّالة. لم تكن دبي بمعزل عن هذا الإرث العريق، بل سعت جاهدة لتوظيفه ضمن رؤيتها الطموحة لمستقبل مزدهر ومستدام. في هذا السياق، تأتي الاجتماعات الدورية لمؤسساتها الوقفية لتسلط الضوء على جهودها المتواصلة في تنمية الموارد الخيرية وتوجيهها نحو خدمة المجتمع، مؤكدة على الدور المحوري الذي تلعبه هذه المؤسسات في دعم الأجندات التنموية الوطنية.
حصاد عام من الإنجازات والخطط الاستراتيجية
في سابقة تُشير إلى نموٍ مطّرد وتخطيطٍ استراتيجي محكم، شهد عام 2025 محطة مهمة في مسيرة مؤسسة الأوقاف وإدارة أموال القُصَّر في دبي، حيث عقد مجلس إدارتها اجتماعه الحادي عشر. وقد شكّل هذا اللقاء فرصة لتقييم المنجزات وبحث حزمة من الملفات الاستراتيجية ومشروعات وقفية مبتكرة. كانت أبرز المستجدات التي تمت مناقشتها هي القفزة الملحوظة في أرصدة المصارف الوقفية والزكاة والصدقات، والتي بلغت نحو 111 مليون درهم للعام 2025.
نموٌ ماليٌ يُعزز القدرات التنموية
عكست الأرقام المُعلنة ارتفاعًا بنحو 15% مقارنة بالعام السابق، حيث كانت قيمة أرصدة المصارف الوقفية قد وصلت إلى 94 مليون درهم خلال العام 2024. هذا النمو المالي يعكس بوضوح ثقة المجتمع في المؤسسة وقدرتها على إدارة الأموال الخيرية بفعالية وشفافية، ويوفر قاعدة صلبة لتمويل المزيد من المبادرات التنموية. إن تعزيز هذه الأرصدة يمثل حجر الزاوية في استدامة العمل الخيري، ويمكّن المؤسسة من تحقيق أهدافها الطموحة لخدمة الشرائح المستحقة في دبي.
تخطيط استراتيجي متوائم مع “أجندة دبي الاجتماعية 33”
برئاسة سعادة عيسى الغرير، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأوقاف وإدارة أموال القُصَّر في دبي، وبحضور أعضاء المجلس وسعادة علي المطوع، الأمين العام للمؤسسة، استعرض الاجتماع الخطة التنفيذية للمصارف الوقفية والزكاة. هذه الخطة تم تصميمها لتكون متوافقة بشكل كامل مع أجندة دبي الاجتماعية 33، وهي رؤية حكومية شاملة تهدف إلى الارتقاء بالواقع الاجتماعي والاقتصادي للإمارة. وتتمحور أهداف الخطة حول تعزيز استدامة العمل الوقفي ورفع نسبة الشراكات المجتمعية، مما يرسخ دور المؤسسة كشريك أساسي في تحقيق أهداف الأجندة.
تطوير الأداء المؤسسي والاستدامة الوقفية
ناقش المجلس تقريراً تفصيلياً حول التقدم المحرز في تحقيق نسبة 65% من الاستدامة الوقفية. وقد تم تحقيق هذه النسبة الطموحة عبر تنمية الشراكات الاستراتيجية مع مختلف الجهات الحكومية والخاصة والمجتمعية. تبرهن هذه النتيجة على فعالية النهج التشاركي في تعزيز قدرة الأوقاف على توليد عوائد مستمرة، والتي بدورها تضمن استمرارية المشروعات الخيرية والتنموية على المدى الطويل.
قرارات داعمة لكفاءة الأداء
في ضوء التقرير، اعتمد المجلس عدداً من القرارات التي من شأنها تعزيز كفاءة الأداء المؤسسي ودعم تطوير منظومة العمل الوقفي والاستثماري. هذه القرارات تهدف إلى تحديث الآليات والإجراءات، وتبني أفضل الممارسات في إدارة الأصول الوقفية، بما يضمن تحقيق أقصى عائد ممكن يعود بالنفع على المستفيدين. إن تحسين الأداء المؤسسي يعكس التزام المؤسسة بالتميز والريادة في مجالها.
تكريم للجهود البيئية والمجتمعية
احتفى المجلس بفوز المؤسسة بجائزة الإمارات للطاقة، التي ينظمها المجلس الأعلى للطاقة في دبي، وذلك عن “مشروع الطاقة الشمسية في مباني ذوي الدخل المحدود”. هذا التكريم يأتي تقديراً لجهود المؤسسة المتميزة في تعزيز كفاءة استخدام الطاقة والالتزام بمبادئ الاستدامة البيئية. كما يسلط الضوء على البعد البيئي في العمل الوقفي، وكيف يمكن للأوقاف أن تساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، مع تقديم حلول مبتكرة تخدم الفئات الأقل حظاً.
رؤى قيادية نحو المستقبل
أكد سعادة عيسى الغرير على أن الخطة التنفيذية للمصارف الوقفية والزكاة والصدقات تعمل على ترسيخ استدامة العمل الوقفي، وتعزيز دوره في دعم أجندة دبي الاجتماعية 33. وذلك من خلال إطلاق مشروعات وقفية ومبادرات خيرية تلبي تطلعات مجتمع دبي وتواكب طموحاته. هذا التأكيد يعكس التزام المؤسسة العميق بتحويل الأهداف الاستراتيجية إلى واقع ملموس يحسن جودة حياة الأفراد.
التحول الرقمي لإدارة الأوقاف
لفت سعادته إلى أهمية التنسيق مع هيئة دبي الرقمية لتبني نظام إلكتروني متكامل لإدارة الصيانة والمرافق. هذه الخطوة الرائدة تهدف إلى رفع الكفاءة التشغيلية وتحسين جودة الخدمات العقارية الوقفية. يمثل هذا التوجه إنجازاً مؤسسياً مهماً يعزز قدرة المؤسسة على إدارة المخاطر واتخاذ القرارات الاستراتيجية المبنية على تحليل دقيق للبيانات، مما يضمن استدامة الأعمال وحماية أصول الأوقاف وتنمية أموال القُصَّر. يأتي ذلك في سياق التوجه العام لدبي نحو التحول الرقمي الشامل في كافة قطاعاتها.
دعم التنمية المجتمعية وتحقيق الاستدامة المالية
من جانبه، صرح سعادة علي المطوع، الأمين العام للمؤسسة، بأن ارتفاع أرصدة المصارف الوقفية والزكاة إلى 111 مليون درهم يعكس التزام المؤسسة الراسخ بدعم مشروعات التنمية المجتمعية والخيرية في دبي. كما أن اعتماد موازنة 2026 ومتابعة تنفيذ المبادرات الرقمية والاستثمارية يمثل خطوة استراتيجية لتعزيز استدامة العمل الوقفي وتحقيق أكبر أثر ممكن لعوائد الوقف في خدمة المجتمع. هذا التوجه المزدوج نحو النمو المالي والأثر الاجتماعي يؤكد الرؤية الشاملة للمؤسسة.
أشار المطوع إلى أهمية المضي قدماً في تنفيذ مبادرات التحول الرقمي والوقف الذكي، وتعزيز استثمارات الأوقاف بما يحقق الاستدامة المالية والاجتماعية. هذه المبادرات تخدم الأهداف الاستراتيجية لدبي في مجالات العمل الخيري والتنمية المجتمعية، تحقيقاً لتوجيهات القيادة الرشيدة في جعل دبي نموذجاً عالمياً في الإدارة الوقفية المستدامة.
و أخيرا وليس آخرا
لقد استعرضنا في هذا التحقيق الشامل الجهود المتواصلة لمؤسسة الأوقاف وإدارة أموال القُصَّر في دبي، والتي تجسدت في نمو غير مسبوق لأرصدتها الوقفية وتبنيها لخطط استراتيجية طموحة تتماشى مع رؤية دبي 2033. من تعزيز الاستدامة المالية عبر الشراكات الاستراتيجية، إلى دمج التقنيات الحديثة في الإدارة، وصولاً إلى مبادرات الطاقة المتجددة، تبرز المؤسسة كنموذج رائد في إدارة الأوقاف بأسلوب عصري ومستدام. يبقى التساؤل: كيف يمكن لهذه التجربة الفريدة أن تُلهم وتُكرر في مدن أخرى، لتحويل الأوقاف من مجرد ممارسات خيرية إلى محركات تنموية شاملة ومستدامة؟










