تأثير صناعة الأفلام والألعاب الإلكترونية على مستقبل الإعلام: رؤية إماراتية رائدة
في خضمّ التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي العالمي، بات من الضروري إعادة النظر في المحددات التقليدية التي لطالما حكمت هذه الصناعة. فما كان يُعدّ في الأمس مجرد وسائل ترفيهية، غدا اليوم من الركائز الأساسية التي تشكّل ملامح الاقتصاد الإبداعي وتُحدد مسارات التأثير الثقافي والإعلامي. إنّ العلاقة المتنامية بين صناعة الأفلام والألعاب الإلكترونية ليست مجرد تقاطع عابر، بل هي اندماج استراتيجي يفتح آفاقًا جديدة للابتكار والاستثمار، ويضع الإمارات العربية المتحدة، وخاصة دبي، في صدارة المشهد كمركز إقليمي ودولي فاعل في هذا المجال الحيوي.
التلاقي الإبداعي: محرك الاقتصاد الإعلامي المستقبلي
شهدت فعاليات النسخة العاشرة من منتدى الإعلام الإماراتي، الذي عُقد تحت رعاية سموّ الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الثاني لحاكم دبي ورئيس مجلس دبي للإعلام، جلسة حوارية محورية حملت عنوان “تأثير صناعة الأفلام والألعاب الإلكترونية على مستقبل الإعلام”. لقد ألقت هذه الجلسة الضوء على مدى تحول السينما والألعاب الإلكترونية من مجرد أدوات ترفيهية إلى عناصر متكاملة ضمن النسيج الاقتصادي والإعلامي. إن هذا التحول يعكس وعيًا عميقًا بالدور المتزايد لهذه الصناعات في تشكيل الوعي العام وتوجيه الرأي.
من الترفيه إلى الاستراتيجية: أبعاد التحول
لم تعد صناعة الأفلام والألعاب الإلكترونية تقتصر على تقديم المتعة البصرية أو التفاعلية فحسب، بل أصبحت تمثل محركًا استراتيجيًا للنمو الاقتصادي، ووسيلة فاعلة للتأثير الثقافي والإعلامي على الصعيد العالمي. هذا التطور يستدعي من المؤسسات الإعلامية والحكومات على حد سواء، إعادة تقييم استراتيجياتها لضمان مواكبتها لهذه التحولات الجذرية. ففي عالم يتزايد فيه الاعتماد على المحتوى الرقمي والتفاعلي، يصبح من البديهي أن تتجه الأنظار نحو هذه القطاعات الواعدة.
دبي: مركز إقليمي للإنتاج الإبداعي
استعرضت الجلسة الحوارية أوجه التلاقي البناء بين صناعة الأفلام، بوصفها فنًا سرديًا عريقًا، وصناعة الألعاب، كبيئة تفاعلية لا حدود لها. هذا التزاوج يُنتظر أن يُشكل نواةً صلبة لاقتصاد الإعلام المستقبلي. كما تم التأكيد على الفرص الاستثمارية الهائلة التي توفرها هذه الصناعات للمستثمرين على المستويين المحلي والعالمي. وفي هذا السياق، تبرز دبي كنموذج رائد، ساعيةً إلى تعزيز مكانتها كمركز إقليمي ودولي للإنتاج السينمائي والتفاعلي، مدعومةً ببنية تحتية وتشريعية متطورة.
الذكاء الاصطناعي والصناعات الإبداعية: شراكة المستقبل
في مداخلته خلال الجلسة، أكد سعادة خلفان بلهول، الرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي للمستقبل وعضو مجلس دبي للإعلام، أن دبي تمتلك المقومات الكاملة لتكون وجهة عالمية للذكاء الاصطناعي وصناعة الألعاب الإلكترونية. هذا التأكيد ينبع من إدراك عميق للتطور الهائل في أدوات الذكاء الاصطناعي وتأثيرها المباشر على الحياة اليومية للأفراد في مختلف المجالات، مما يستدعي توظيف هذه الأدوات بفاعلية في تطوير الاستراتيجيات الإعلامية.
تعزيز الإعلام الوطني وتوسيع نطاق التأثير
أوضح بلهول أن الاستثمار في الصناعات الإبداعية لا يقتصر على تحقيق مكاسب اقتصادية فحسب، بل يمتد ليشمل تعزيز مكانة الإعلام الوطني وتوسيع نطاق تأثيره على الصعيدين الإقليمي والعالمي. وشدد على ضرورة أن يترافق تطوير المحتوى الإعلامي مع تطور ملموس في المنصات التي تعرض هذا المحتوى، لضمان مواكبتها للتغيرات المتلاحقة في أدوات الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية الحديثة. هذا التكامل يضمن بقاء الإعلام فاعلًا ومؤثرًا في ظل الثورة الرقمية.
دبي وجهة سياحية وإبداعية: قصص نجاح ملهمة
من جانبه، أشار سعادة عصام كاظم، المدير التنفيذي لمؤسسة دبي للتسويق السياحي والتجاري وعضو مجلس دبي للإعلام، إلى الدور الحيوي الذي تلعبه صناعة السينما والألعاب الإلكترونية في الترويج لإمارة دبي. وأوضح أن المؤسسة تتبع استراتيجيات حديثة، بالتعاون مع كبرى شركات التقنية العالمية، للترويج لمعالم دبي السياحية من خلال الأفلام والألعاب الإلكترونية. هذا النهج يساهم بفاعلية في جذب شرائح جديدة من المسافرين حول العالم، وإبراز صورة الإمارة كواحدة من أبرز الوجهات على خارطة السياحة العالمية.
الأفلام العالمية ودورها في الجذب السياحي
لفت كاظم إلى التعاون القائم بين المؤسسة ومكتب دبي للأفلام والألعاب الإلكترونية، التابع لمجلس دبي للإعلام، في الترويج للإمارة بطريقة تحافظ على هويتها الفريدة وتبرز إنجازاتها في شتى المجالات. وتناول النجاحات البارزة التي حققتها الأفلام العالمية التي تم تصويرها في دبي، والتي أسهمت بشكل مباشر في زيادة اهتمام السياح حول العالم بوضع دبي ضمن خططهم كوجهة مفضلة للسفر. هذه التجارب تؤكد قوة الإعلام البصري والتفاعلي في تشكيل التصورات والقرارات.
و أخيرا وليس آخرا: مستقبل إعلامي بلا حدود
لقد كشفت الجلسة الحوارية في منتدى الإعلام الإماراتي عن رؤية واضحة لمستقبل الإعلام، حيث لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح قوة دافعة للاقتصاد، ومنبرًا للتأثير الثقافي، وأداة للترويج للوجهات الحضارية. إن المرحلة المقبلة تتطلب بناء منظومة إعلامية متكاملة تواكب طموحات دبي المستقبلية، وتدعم حضورها المتزايد في الاقتصاد الإبداعي العالمي. فهل ستظل دبي رائدة في توظيف الإعلام كقوة ناعمة مؤثرة، تنقل قصتها وقصة الإمارات إلى العالم بلغة الإبداع والابتكار، أم أن التحديات المتجددة ستفرض مسارات أخرى تستدعي إعادة تقييم مستمرة؟ إن الإجابة تكمن في قدرتها الدائمة على التكيف والابتكار.










