تحول نوعي في العدالة الأسرية: لوائح جديدة تعزز تماسك المجتمع الإماراتي
تشهد منظومة العدالة الأسرية في دولة الإمارات العربية المتحدة تحولاً نوعياً يعكس التزامها الراسخ بتطوير بنيتها التشريعية والقضائية، بما يواكب أحدث المعايير العالمية ويعزز قيم التماسك المجتمعي. فمع إعلان مجلس القضاء الاتحادي عن إصدار حزمة من اللوائح التنظيمية الجديدة، تنفيذاً لـ قانون الأحوال الشخصية الاتحادي الصادر بالمرسوم بقانون اتحادي رقم 41 لسنة 2024، تبرز ملامح مرحلة جديدة تتسم بالمرونة والكفاءة والتركيز على المصلحة الفضلى للأسرة، لا سيما الأطفال. هذه الخطوة لا تمثل مجرد تحديث إجرائي، بل هي رؤية شاملة تهدف إلى توحيد الإجراءات القضائية وتعزيز الحلول الودية، مما يرسخ مكانة الإمارات كنموذج رائد في صون حقوق الأسرة واستقرارها.
إطار تشريعي متكامل لتطوير الأحوال الشخصية
يأتي إصدار هذه اللوائح في سياق تطورات تشريعية مستمرة، تهدف إلى إضفاء مزيد من الديناميكية على نظام الأحوال الشخصية. فبعد صدور القانون الاتحادي رقم 41 لسنة 2024، والذي مثل نقلة نوعية في التعامل مع قضايا الأسرة، جاءت هذه اللوائح التفصيلية لتترجم مبادئ القانون إلى إجراءات عملية قابلة للتطبيق. وتشمل هذه الحزمة الجديدة جوانب حيوية ومتعددة، تتراوح بين تنظيم عمل الحكمين والمأذونين الشرعيين، وصولاً إلى تعزيز التوجيه الأسري وتوثيق الإشهادات وتسهيل إجراءات رؤية المحضونين. يعكس هذا التوجه حرص القيادة على مواكبة التغيرات المجتمعية وتوفير إطار قانوني عادل وشامل.
تسريع الإجراءات وتعزيز الرقمنة
تركز اللوائح الجديدة بشكل كبير على تسريع الدورة القضائية في قضايا الأسرة، وتقليل زمن التقاضي بما يخدم استقرار الأطراف المعنية. كما توسع هذه اللوائح من نطاق الخدمات الرقمية، مستفيدة من التقدم التكنولوجي لتبسيط الإجراءات وتسهيل الوصول إلى العدالة. هذا التوجه نحو التحول الرقمي ليس مجرد رفاهية، بل أصبح ضرورة ملحة لتعزيز الكفاءة والشفافية، ويضمن سهولة الوصول إلى البيانات والمعلومات، ويقلل من الأعباء الإدارية على الأفراد والمحاكم على حد سواء.
حماية الأطفال والتسوية الودية
من أبرز ما يميز هذه اللوائح هو التركيز على حماية المصلحة الفضلى للأطفال. فمن خلال توفير أطر قانونية واضحة لتنفيذ أحكام الرؤية، مع مراعاة الجوانب النفسية والاجتماعية للطفل، تسعى المنظومة القضائية إلى تحقيق توازن دقيق بين حقوق الوالدين وسلامة الأبناء. كما تبرز أهمية التسوية الودية للنزاعات الأسرية كركيزة أساسية، حيث تمنح اللوائح دوراً أوسع للموجهين الأسريين في حل الخلافات قبل الوصول إلى ساحات المحاكم، مما يعزز فرص التوافق ويحافظ على روابط الأسر.
تفاصيل اللوائح التنظيمية الجديدة
تتألف الحزمة التشريعية من خمسة قرارات محورية، يختص كل منها بجانب محدد من جوانب الأحوال الشخصية، بما يضمن تغطية شاملة ومنظمة لمختلف الجوانب القضائية والإجرائية.
تنظيم عمل الحكمين (القرار رقم 66 لسنة 2025)
يحدد هذا القرار الشروط والمعايير لاختيار الحكمين في قضايا النزاعات الزوجية، ويضع آليات واضحة لدورهم في محاولة الإصلاح والتقريب بين الزوجين، ورفع تقاريرهم الموضوعية إلى المحكمة. يهدف هذا التنظيم إلى تفعيل دور التحكيم الأسري كأداة فعالة للحلول البديلة للنزاعات، وتوفير بيئة ملائمة للتوصل إلى حلول توافقية تحفظ كيان الأسرة.
لائحة التوجيه الأسري (القرار رقم 67 لسنة 2025)
تعمل هذه اللائحة على توسيع صلاحيات الموجهين الأسريين، وتمنح اتفاقاتهم قوة السند التنفيذي بعد مصادقة المحكمة عليها. يعزز هذا الدور من فعالية التوجيه الأسري كخط دفاع أول في مواجهة الخلافات، ويشجع على الحلول الودية التي تصب في مصلحة الأسرة بأكملها، بعيداً عن تعقيدات التقاضي المطولة.
لائحة رؤية المحضونين (القرار رقم 68 لسنة 2025)
توفر هذه اللائحة إطاراً قانونياً متيناً وواضحاً لتنفيذ أحكام رؤية المحضونين، مع التركيز على المصلحة النفسية والاجتماعية للطفل في المقام الأول. إنها تهدف إلى ضمان حق الأطفال في رؤية والديهم، مع وضع ضوابط تضمن سلامتهم وراحتهم النفسية، مما يجنبهم تداعيات النزاعات الأسرية.
الإشهادات والتوثيقات (القرار رقم 69 لسنة 2025)
يدعم هذا القرار الاعتماد على التوثيق الإلكتروني للإشهادات والمعاملات، مما يعزز الموثوقية ويسهل الوصول إلى البيانات بشكل آمن وميسر. هذه الخطوة تمثل جزءاً من استراتيجية أوسع للتحول الرقمي في القطاع القضائي، مما يوفر الوقت والجهد ويضمن دقة البيانات.
تنظيم عمل المأذونين الشرعيين (القرار رقم 70 لسنة 2025)
يحدد هذا القرار شروط الترخيص لعمل المأذونين الشرعيين، وينظم ضوابط إبرام عقود الزواج إلكترونياً وبالتوقيع الرقمي، مع إتاحة إتمام العقود عن بُعد. يعكس هذا التوجه مرونة النظام القضائي في تيسير إجراءات الزواج، مع الحفاظ على الأركان الشرعية والقانونية، وتوفير خيارات حديثة تتناسب مع أنماط الحياة المعاصرة.
رؤية مستقبلية لعدالة أسرية متطورة
تؤكد المجد الإماراتية أن هذه الخطوات التشريعية المتتالية تعكس التزام القيادة الرشيدة في دولة الإمارات بتطوير منظومة عدالة أسرية متقدمة، تتماشى مع احتياجات المجتمع وتطلعاته. فقد أكد معالي عبدالله سلطان بن عواد النعيمي، رئيس مجلس القضاء الاتحادي ووزير العدل، أن هذه المبادرات تمثل دفعة محورية نحو بناء نظام قضائي أسري متطور، ينسجم مع توجيهات القيادة الرشيدة بجعل عام 2026 “عام الأسرة”. هذا الدعم يعزز الأجندة الوطنية الهادفة إلى تعزيز تماسك الأسرة وترسيخ قيمها ودورها التنموي في بناء مجتمع قوي ومترابط.
وتتسق هذه اللوائح مع مستهدفات رؤية “نحن الإمارات 2031” التي تسعى إلى بناء مجتمع أكثر تماسكاً ومؤسسات أكثر كفاءة، إلى جانب دعم الهدف السادس عشر من “أهداف التنمية المستدامة” المتعلق بالعدل والمؤسسات القوية. فالتطور المستمر في قوانين الأحوال الشخصية ليس بمعزل عن الرؤى الاستراتيجية للدولة، بل هو جزء لا يتجزأ من مسيرة التنمية الشاملة التي تضع الإنسان والأسرة في صميم اهتماماتها. إنها تؤسس لمرحلة جديدة تتسم بالابتكار والكفاءة في تقديم الخدمات العدلية، وتضع دولة الإمارات في طليعة الدول التي تعنى بحماية الأسرة واستقرارها.
وأخيراً وليس آخراً
إن إصدار هذه اللوائح التنظيمية الجديدة يمثل فصلاً مهماً في مسيرة تطوير العدالة الأسرية في دولة الإمارات، حيث يعكس التزاماً عميقاً بتقديم خدمات قضائية حديثة وفعالة تراعي خصوصية الأسرة وتحدياتها. فمن خلال دمج الرقمنة، وتسريع الإجراءات، وتعزيز الحلول الودية، وحماية مصالح الأطفال، ترسم الإمارات ملامح مستقبل واعد لـ الأحوال الشخصية، يضمن الاستقرار المجتمعي ويسهم في بناء أسر قوية ومتماسكة. ولكن، هل يمكن لهذه اللوائح، بمفردها، أن تضمن التماسك الأسري في ظل التحديات الاجتماعية المتزايدة، أم أن دور الوعي المجتمعي والثقافي لا يزال هو الأساس في بناء أسرة مستقرة؟









