الصحة النفسية للرجال: تجاوز القيود الاجتماعية نحو التعبير العاطفي
غالباً ما يواجه الرجال صعوبات في التعبير عن مشاعرهم الحقيقية بسبب الربط النمطي بين الرجولة والصبر. هذا التحدي يؤثر سلباً على الصحة النفسية للرجال في المجتمعات التي تتبنى هذه المعايير، بما في ذلك الإمارات.
البكاء ليس ضعفاً: رؤى طبية للرجال في الإمارات
الأثر النفسي للتنشئة النمطية
يكبر العديد من الأولاد معتقدين أن البكاء هو علامة ضعف، وهو مفهوم ظل سائداً لفترة طويلة. ومع ذلك، يحذر الأطباء في الإمارات من المخاطر الكبيرة التي تنطوي عليها هذه الفكرة على الصحة العقلية. الصورة النمطية للرجل القوي الذي لا يلين تحد من قدرته على التعبير عن الحزن، مما يؤثر سلباً على صحته العاطفية والعقلية.
القيود الاجتماعية والتعبير عن المشاعر
أوضح الدكتور وليد العمر، وهو طبيب نفسي في مستشفى ميدكير الشارقة، أن المعايير السائدة مثل “الأولاد لا يبكون” وربط الرجولة بالصبر يعيق فهم الرجال لمشاعرهم الحقيقية ومشاركتها. هذا الكبت العاطفي قد يظهر في صورة غضب، نفاد صبر، أو حتى مشاكل صحية جسدية مثل ارتفاع ضغط الدم. عدم القدرة على التعبير عن المشاعر بشكل صحي يزيد من الوصمة المحيطة بالرعاية الصحية العقلية والدعم النفسي.
توقعات المجتمع وتقييد التعبير العاطفي
خالد، وهو مقيم أردني يبلغ من العمر 35 عاماً، يرى أن بكاء الرجل لأسباب بسيطة أمر معيب، إذ يُفترض أن يكون الرجال أقوياء، على عكس النساء اللاتي يُنظر إليهن على أنهن حساسات. يضيف خالد: “في رأيي، لا يبكي الرجل إلا عندما يجد نفسه بلا خيارات أخرى. المجتمع غالباً ما يدين الرجال الذين يبكون على أمور تافهة، لكن هناك مواقف صعبة مثل وفاة شخص قريب أو مرض عزيز تبرر دموع الرجل”.
تأثير كبت المشاعر على العلاقات والصحة النفسية
الخجل من التعبير العاطفي
أشار الدكتور العمر إلى أن الرجال قد يشعرون بالخجل من التعبير عن مشاعرهم خوفاً من أن يُنظر إليهم على أنهم غير مقبولين. هذا الصراع بين المشاعر الطبيعية وتوقعات المجتمع قد يؤدي إلى الكبت العاطفي والشعور بالعجز. إخفاء المشاعر يعيق التواصل الفعال والتعاطف مع الشريك، مما يؤدي إلى سوء الفهم والصراعات.
العزلة وتأثيرها على العلاقات
عدم التوافر العاطفي قد يخلق علاقات من جانب واحد، مما يؤدي إلى العزلة. بمرور الوقت، قد يؤدي الافتقار إلى التقارب العاطفي إلى تراجع الثقة والتفاهم، مما قد يتسبب في انهيار العلاقة. الأولاد والرجال يبكون، لكنهم يشعرون براحة أكبر في البكاء في السر أو أثناء الأحداث المهمة في الحياة، مثل الجنازات أو حفلات الزفاف أو الولادة.
المواقف التي تسمح بالتعبير العاطفي
تعزز هذه المواقف التعبير العاطفي، مما يجعل الرجال يشعرون بأنهم أقل عرضة للحكم عليهم. هذا يشير إلى أن الرجال ليسوا أقل عاطفية بطبيعتهم، بل يشعرون بالقيود التي تفرضها المعايير المجتمعية، ويحتاجون إلى إذن محدد أو أسباب مبررة لإظهار ضعفهم.
قصة عبد العزيز: عندما يؤدي الكبت إلى الانهيار
عبد العزيز، وهو شاب عربي يبلغ من العمر 32 عاماً، واجه صراعاً مماثلاً. بعد وفاة والده، امتنع عن البكاء، معتقداً أن ذلك من واجبه كرجل الأسرة. أراد أن يظل قوياً من أجل والدته وإخوته. بعد ستة أشهر، أصيب عبد العزيز بانهيار عاطفي حاد، وتم نقله إلى المستشفى حيث تم تشخيص حالته بالاضطراب ثنائي القطب. وأشار تقرير الطبيب إلى أن كبت مشاعر الخسارة أدى في النهاية إلى إصابته بنوبة نفسية.
تحديات “البقاء قوياً” وأثرها على الصحة العقلية
الضغط النفسي والعزلة العاطفية
أوضحت الدكتورة راجا سانديا غاندي، طبيبة نفسية في مستشفى زليخة في دبي، أن الضغط للحفاظ على شخصية قوية يمكن أن يؤدي إلى صراع داخلي وقمع عاطفي، مما يجعل من الصعب على الرجال معالجة مشاعرهم. تجنب البكاء أثناء الأحداث المهمة في الحياة مثل الخسارة أو الصدمة قد يكون له تأثير ضار على الفرد، مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر، والخدر العاطفي، والعزلة عن مشاعرهم، والغضب الداخلي الذي قد يظهر في صورة انفعال أو زيادة القلق.
التحيز في التعبير عن المشاعر
بينما يتم تشجيع النساء في كثير من الأحيان على التعبير عن مشاعرهن، فإن الرجال مُهيؤون لرؤية المشاعر من خلال عدسة متحيزة، حيث تتوافق المشاعر المقبولة مع المُثُل الذكورية (مثل الغضب) ويتم قمع المشاعر مثل الحزن أو الخوف أو الضعف. هذا المنظور المشوه يؤثر بشكل كبير على كيفية سعي الرجال والنساء للحصول على المساعدة فيما يتعلق بسلامتهم العاطفية.
نحو إنشاء مساحات آمنة للتعبير العاطفي
أهمية البيئات الداعمة
ترى الدكتورة غاندي أن خلق بيئات داعمة أمر ضروري، ويجب أن تتضمن المبادرات تعزيز الثقافة العاطفية منذ سن مبكرة، وتطبيع التعبير العاطفي للرجال من خلال منصات مثل وسائل التواصل الاجتماعي، وخلق مساحات آمنة لمجموعات الدعم والعلاج والاستشارة.
دور العلاج والاستشارة النفسية
العلاج والاستشارة النفسية حاسمان لكسر وصمة العار المحيطة بالتعبير العاطفي، حيث يوفران مساحة خالية من الأحكام لتحديد المشاعر والتحقق منها والتعبير عنها وتنظيمها. تشجيع الرجال على مشاركة مشاعرهم، بما في ذلك البكاء، يعزز صحة المجتمعات ويقوي العلاقات، ويعزز التواصل ويحسن حل النزاعات ويساعد في الحد من العدوان والعنف.
وأخيراً وليس آخراً
إن تحطيم القيود النمطية حول التعبير العاطفي للرجال يتطلب جهوداً مجتمعية متكاملة تبدأ من التنشئة السليمة وتنتهي بتوفير الدعم النفسي المتخصص. هل يمكن للمجتمع الإماراتي أن يكون رائداً في تبني ثقافة جديدة تحتفي بالتعبير العاطفي الصحي للرجال، أم أن التقاليد الاجتماعية ستظل تشكل عائقاً أمام هذا التطور الضروري؟










