علاجات السرطان المبتكرة في الإمارات: رؤية الدكتور عجلان الزكي
عاد إلى دولة الإمارات العربية المتحدة الدكتور عجلان الزكي، طبيب الأورام المرموق الذي اشتهر في عام 2020 بقراره الشجاع بالبقاء في الولايات المتحدة لمعالجة مرضى كوفيد-19، وذلك بعد عقدين من الزمن قضاها خارج البلاد. يحمل الدكتور الزكي على عاتقه مهمتين جوهريتين: الأولى، العمل بجد على تقليل التكاليف الباهظة لعلاجات السرطان، والثانية، تبديد المفاهيم الخاطئة المرتبطة بمرض السرطان نفسه.
تحديات علاج السرطان في الإمارات
فور وصوله إلى أرض الوطن، لاحظ الدكتور الزكي وجود خوف عميق لدى مرضاه في الإمارات العربية المتحدة من مرض السرطان. وأوضح في حديثه مع المجد الإماراتية: “لا يوجد سبب يمنعنا من ذكر كلمة سرطان. العديد من المرضى يستقبلون هذه الكلمة برعب وقلق طبيعيين. هدفنا هو تعزيز الوعي بأن السرطان ليس بالضرورة حكمًا بالإعدام أو كلمةً مرعبة.”
كما لفت انتباه الدكتور الزكي اعتماد المرضى الكبير على المعلومات غير الدقيقة. وعلّق قائلاً: “نحن نميل إلى استشارة ’دكتور جوجل‘ أو الاعتماد على الذكاء الاصطناعي. يجب أن أوضح لمرضاي ضرورة عدم تصديق كل ما يقرأونه عبر الإنترنت. يمكنهم البحث بشكل مبدئي، ولكن يجب توخي الحذر في تقبل كل معلومة.”
الدكتور عجلان الزكي: قصة في الإيثار والتفاني
يجدر بالذكر أن الدكتور الزكي، المتخصص في أمراض الدم والأورام والذي كان يعمل سابقًا في الولايات المتحدة، قد اكتسب شهرة واسعة في بداية جائحة كوفيد-19 في عام 2020، عندما دعت حكومة الإمارات مواطنيها في الخارج للعودة، إلا أنه اختار البقاء لمواصلة واجبه الطبي وعلاج المصابين.
يشغل الدكتور الزكي حاليًا منصب مدير مركز برجيل لأمراض الدم والأورام والعلاج الخلوي، وهو متخصص في العلاج بالخلايا التائية ذات المستقبلات الخيمرية (CAR-T) والعلاجات المناعية المتقدمة. وعن عودته، صرح قائلاً: “لقد حظيت بدعم دولة الإمارات طوال مسيرتي في اكتساب الخبرة التي تؤهلني للعودة وتقديم كل ما تعلمته.”
جهود لخفض تكلفة علاج CAR-T
يكرس الدكتور الزكي جهوده حاليًا لمساعدة مرضى السرطان من خلال العمل على خفض تكلفة علاج الخلايا التائية CAR-T، الذي يُعد من أكثر علاجات السرطان تخصيصًا وتكلفة. يعتمد هذا العلاج على تعديل خلايا T المناعية للمريض وراثيًا لكي تتعرف على الخلايا السرطانية وتهاجمها. ونظرًا لطبيعته الشخصية، فإن تكلفة هذا العلاج مرتفعة للغاية، حيث قد تصل الحقنة الواحدة إلى مليون دولار أمريكي.
شراكة لتقليل التكاليف
خلال فعاليات أسبوع أبوظبي للصحة العالمي، أعلنت مجموعة برجيل القابضة عن شراكتها مع منظمة Caring Cross الأمريكية غير الربحية بهدف خفض تكلفة علاج CAR-T بنسبة تصل إلى 90% مقارنة بالتكاليف العالمية. وفي هذا السياق، صرح الدكتور الزكي: “قد تصل نسبة الخفض إلى 90%، ولا يمكننا تحديد السعر النهائي في الإمارات حاليًا، ولكنني على ثقة بأننا سنتمكن من توفيره بتكلفة أقل بكثير من الأسعار التجارية الحالية.”
تقنية مبتكرة لتصنيع خلايا CAR-T محليًا
أوضح الدكتور الزكي أن السر وراء هذا الانخفاض الكبير في التكاليف يكمن في التقنية التي تقدمها كارينغ كروس والتي تتيح تصنيع الخلايا العلاجية محليًا. وشرح الأمر قائلاً: “عندما نقوم بتصنيع وبرمجة خلايا CAR-T، تخيل الأمر كعملية تنزيل برنامج جديد على هاتف آيفون. فالخلايا التائية هي بمثابة جهاز الآيفون، وتحديثها يتطلب تنزيل برنامج جديد.”
وأضاف: “في بعض الأحيان، تكون تكلفة هذا البرنامج باهظة. لكن ’كارينغ كروس‘ تقوم بتطوير هذه البرامج وتوفيرها بتكلفة منخفضة للغاية، وهو ما يمكننا من استخدامه لتحديث الخلايا التائية للمرضى.”
واختتم حديثه بالتأكيد على هدفه الإنساني: “أطمح أن يتمكن جميع المرضى حول العالم من الحصول على هذه الأنواع من العلاجات المتقدمة. هذا هو الدافع الحقيقي وراء دخولي عالم الطب.”
من الهندسة الكيميائية إلى الطب
بدأ الدكتور الزكي مسيرته الأكاديمية بدراسة الهندسة الكيميائية، لكن لقاءً بأحد الأساتذة دفعه إلى استكشاف عالم البحث العلمي. وعلى الرغم من خططه الأولية للعمل في قطاع النفط بدولة الإمارات، إلا أن تلك المحادثة المفصلية غيرت مساره المهني تمامًا، ليختار البحث العلمي. وعن هذه المرحلة، قال: “لطالما أثارت فكرة السرطان اهتمامي. كنت شغوفًا بفهم آليات تشخيصه وعلاجه، واستكشاف الطرق الحديثة للوقاية منه.”
وبعد ست سنوات من البحث العلمي المكثف وحصوله على درجة الدكتوراه، أدرك الدكتور الزكي أن شغفه الحقيقي يكمن في مجال الطب، فقرر الالتحاق بكلية الطب.
في عام 2012، عندما شُخصت إصابة جده بالسرطان في مراحله المتقدمة، ازداد تصميم الدكتور الزكي على مساعدة الأشخاص في أصعب الظروف الصحية والنفسية. وأشار إلى أهمية التواجد الإنساني بجانب المريض، قائلاً: “قرأت مقولة مفادها أن أفضل علاج يمكن تقديمه للمريض، والذي لا يكون عبر الفم أو الوريد، هو الإصغاء إليه. ففي بعض الأحيان، تكون كلمات الدعم والراحة أقوى علاج يمكن أن يحصل عليه الإنسان.”
وأخيرا وليس آخرا
تعكس جهود الدكتور عجلان الزكي في دولة الإمارات العربية المتحدة التزامًا عميقًا بتحسين علاجات السرطان وتوفيرها بتكلفة معقولة. من خلال تبديد المفاهيم الخاطئة حول المرض والعمل على تقليل تكاليف العلاج المبتكر، يسعى الدكتور الزكي إلى إحداث فرق حقيقي في حياة مرضى السرطان وعائلاتهم. يبقى السؤال: كيف يمكن لهذه المبادرات أن تفتح الباب أمام مستقبل أكثر إشراقًا في مجال الرعاية الصحية في المنطقة والعالم؟










