المسجد الأقصى: قلب الأمة الإسلامية عبر التاريخ
المسجد الأقصى، ليس مجرد بقعة على الأرض، بل هو رمز مقدس يتجلى في قلوب المسلمين عبر العصور. من خلال استعراض تاريخي وتحليلي، تسعى هذه المقالة إلى إبراز مكانة الأقصى في ضمير الأمة، وكيف تجسدت هذه المكانة في أفعالهم وأقوالهم، بدءًا من العناية المعمارية وصولًا إلى التضحيات الجسام للدفاع عنه.
بطولات نساء المقدس: صفحة منسية
يروي الإمام القاضي ابن العربي المالكي الأندلسي في كتابه ‘سراج المريدين’ قصة مؤثرة عن نساء بيت المقدس في عام 492هـ/1099م، حينما التجأن إلى المسجد الأقصى، بقيادة العالمة الشيرازية، وتحولن إلى مدافعات شرسات في وجه الغزاة الروم، مقدمات أرواحهن فداء للمسجد. هذا المشهد البطولي يجسد مكانة المسجد الأقصى في قلوب المسلمين، وكيف كان حاضراً في تاريخهم قبل قرابة ألف سنة.
هذه الواقعة تكشف عن وجود تنظيم نسائي رباطي في الأقصى، يتألف من ألف امرأة، تحولن في لحظة حاسمة إلى قوة مدافعة عن المسجد، وثبتن في وجه العدوان حتى الاستشهاد. هذا المشهد يعكس المكانة العظيمة للمسجد الأقصى في قلوب المسلمين، وكيف تجسدت هذه المكانة في تضحياتهم وبطولاتهم.
الأقصى في قلوب المسلمين: تاريخ من العناية والرباط
إن قرار بناء قبة الصخرة في المسجد الأقصى، والذي تم بمشورة من المسلمين، يعكس المشاركة الجماعية للأمة في إعمار هذا المكان المقدس. كما أن ارتباط اسم الأقصى بمفهوم الرباط، يجسد تلك المحاضن النسكية الجهادية التي أنشأها العباد على الثغور، ليكونوا “رهبانًا بالليل، ليوثًا بالنهار”.
فضل المسجد الأقصى
يُعد المسجد الأقصى ثاني مسجد وضع للناس في الأرض، وهو آية في كتاب الله، مما يجعله محور اهتمام المسلمين عبر العصور. هذا الفضل تجلى في مظاهر عديدة، منها التأليف في فضائله، والعناية ببنائه وعمارته، وجعله محضنًا للعبادة والعلم والجهاد.
عراقة التأليف في فضائل بيت المقدس
يعود التأليف في فضائل بيت المقدس إلى بدايات التدوين الإسلامي، حيث صنف بشر بن إسحق البلخي كتاب “فتوح بيت المقدس” في القرن الثاني الهجري. وتوالت الكتب بعد ذلك، مما يدل على المكانة الخاصة التي يحظى بها المسجد الأقصى في الفكر الإسلامي.
بناء وعمارة الأقصى: إرادة أمة
تجسدت مكانة بيت المقدس في ضمير الأمة الإسلامية في عملية بنائه وعمارته. ففي اللحظة الأولى لدخول الخليفة عمر الفاروق القدس فاتحًا، بادر إلى تنظيف الصخرة بنفسه، وتبعه المسلمون في ذلك.
مشاركة الأمة في أول مشروع تطويري
أول مشروع تطويري لبناء المسجد الأقصى تم بقرار من الأمة، حيث استشار الخليفة عبد الملك بن مروان المسلمين في بناء قبة الصخرة. هذا القرار يعكس المشاركة الجماعية للأمة في إعمار المسجد الأقصى وتزيينه.
تفاصيل دقيقة في البناء
عُني عبد الملك بأدق تفاصيل البناء، فجمع الصناع والمهندسين، وأمرهم بتصوير القبة قبل بنائها، وهو ما يشبه فكرة النموذج المعماري اليوم. كما بنى بيتًا للمال، وأمر بالإسراف في الإنفاق على البناء، حتى تم على أكمل وجه.
العناية المتزايدة بالمسجد الأقصى
منذ بناء قبة الصخرة، ازدادت العناية بالمسجد الأقصى، حتى تفوق على جميع مساجد عصره من حيث المساحة والعمران. فقد كانت مساحته تبلغ 144 ألف متر مربع، وظل كذلك حتى تحت الاحتلال الصهيوني.
زينة المسجد الأقصى
زُين المسجد الأقصى بأعداد كبيرة من القناديل المعلقة بسلاسل الذهب والفضة، وكانت تعد ثروة في نفسها. هذه القناديل لم تكن مجرد إضاءة وزينة، بل كانت رمزًا للعناية والاهتمام بالمسجد.
إدارة خاصة بقبة الصخرة
خُصصت لقبة الصخرة إدارة خاصة، تقوم بتطييبها وتبخيرها في مراسم جميلة، على أيدي فريق من الموظفين، كان له زي رسمي خاص به، ولعمله ترتيب بالغ الدقة والنظام.
معالم المسجد الأقصى الخالدة
عند ذكر المسجد الأقصى، يتبادر إلى الأذهان صورة مسجد قبة الصخرة ذي القبة الذهبية، أو المسجد القبلي ذي القبة الرصاصية. لكن الحقيقة أن الأقصى اسم لجميع المسجد مما دار عليه السور.
أهم معالم المسجد الأقصى
- المسجد القبلي: الجامع الذي تقام فيه الجمعة، ويشتمل على بناء عظيم به قبة مرتفعة مزينة بالفصوص الملونة.
- مسجد قبة الصخرة: المسجد مثمن الأضلاع ذو القبة الذهبية الشهيرة.
- قبة السلسلة: قبة صغيرة على عمد من رخام، بُنيت لتكون مجسمًا مصغرًا لقبة الصخرة.
- الأقصى القديم والمصلى المرواني: يقعان شرقي المسجد القبلي.
- حائط البراق: السور الغربي للمسجد الأقصى، الذي يسميه الصهاينة اليوم حائط المبكى.
- الأبواب: للمسجد الأقصى خمسة عشر بابا، بعضها مفتوح والآخر مسدود.
- القناطر: أقواس مرتفعة على عمد، تُعد تحفة معمارية بديعة.
- المساطب: أماكن مرتفعة عن الأرض، تُعقد فيها مجالس العلم.
المسجد الأقصى حاضنة تربوية
إلى جانب العمارة الإنشائية والخدمية، كان المسجد الأقصى حاضنة تربوية، حيث كان كثير من الصالحين يُحْرِم للحج منه، عملا بالحديث الشريف.
الإحرام من المسجد الأقصى
كان الإحرام للحج من المسجد الأقصى عادة متأصلة منذ زمن الصحابة، وقد بقيت شائعة في أجيال المسلمين حتى احتلال المسجد الأقصى من الصهاينة.
تقديس الحج بزيارة الأقصى
كان كثير من المسلمين يحجون ثم يقصدون المسجد النبوي، ثم لا يرون أتم ولا أجمل لحجهم من أن يقدسوه بزيارة القدس والصلاة في المسجد الأقصى.
صيام رمضان في الأقصى
كان بعض العلماء والعباد يتقصدون صيام شهر رمضان في الأقصى، مما يدل على المكانة الروحية العظيمة لهذا المسجد.
تعدد المحاريب وتعدد المذاهب
كانت سعة المسجد الأقصى تسمح بإقامة أكثر من صلاة فيه عندما استُحْدِث فيه تعددُ المحاريب تبعا لتعدد المذاهب الفقهية الأربعة.
منارة علمية: المسجد الأقصى مركزًا للعلم
جعل المسلمون من المسجد الأقصى مركزًا علميًّا قَلَّ نظيرُه في تاريخ المسلمين، وذلك برعاية أهلية ورسمية. فقد كان يعطي الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك قطع الفضة لعلماء المسجد الأقصى.
النشاط العلمي في المسجد الأقصى
بدأ اتخاذ المسجد الأقصى مدرسةً -منذ القرن الأول الهجريّ- لإقراء القرآن أولًا، ثم لرواية الحديث النبوي وتدريس سائر العلوم الإسلامية.
المدرسة الصلاحية
شهد النشاط العلمي ازدهارًا كبيرًا ببيت المقدس بعد تحريره من الصليبيين، بإحياء المدرسة النصريّة، التي كانت جامعةً علميّة كبيرة -تنافس أهمّ المدارس الإسلامية- قبل الاحتلال الصليبيّ.
الحياة العلمية في الأقصى قبيل الاحتلال الصليبي
أبدى الإمام ابن








