الفنون الإسلامية: تكريم للتراث الفكري في جدة
يضم المعرض في نسخته الثانية ما يقارب 500 قطعة فنية من مختلف أنحاء العالم، ويعتبر تكريمًا صادقًا للفن الإسلامي والفكر والتراث.
تاريخ النشر: 14 فبراير 2025, 7:45 صباحًا
المشهد في جدة يجمع بين السريالية والقدسية. يتوجه الزوار في صالة الحج الغربية بمطار الملك عبد العزيز الدولي مباشرة نحو صالات العرض ذات الإضاءة الخافتة، حيث تعرض أندر وأثمن التحف في العالم، مما يثير دهشة كل مهتم بالثقافة. نحن الآن في الدورة الثانية من بينالي الفنون الإسلامية، تحت عنوان “وما بينهما”، والذي افتتح في 25 يناير وسيستمر حتى 25 مايو. استُلهم عنوان المعرض من القرآن الكريم، وتتجلى أهميته في تكرار هذه العبارة عشرين مرة في النص القرآني.
بوابة البداية: مدخل روحي
القسم الأول من المعرض، “البداية”، يمثل بوابة حقيقية إلى البينالي، مجسدًا جوهر بيت الله وكلامه. يدعونا هذا الفضاء إلى تجاوز العالم المادي والتأمل في أهمية الدين والطقوس والتقوى والروحانية، ويشجعنا على الانخراط في الإنتاج الثقافي بقلوبنا وعقولنا وأيدينا.
كسوة الكعبة: رمز مقدس
من أبرز معالم البينالي معرض البداية. على خلفية بيضاء، تتدلى كسوة الكعبة من السقف، بينما تتعالى أصوات الآيات القرآنية. تُعد الكسوة مشهدًا مهيبًا بصريًا، وعادةً ما تُستخدم لتغطية الكعبة أثناء الحج أو العمرة، ولكن هنا، يُرحب بالناس من جميع الأديان للإعجاب بهذه الستائر المقدسة التي زينت أقدس مزار في الإسلام لقرون. الكسوة تبدو مهيبة وإلهية، وفجأة تصبح في متناول الجميع. تاريخيًا، يُروى أن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) هو من غطى الكعبة بقماش من اليمن، ومع مرور العصور، تغيرت مواد الكسوة من حصائر القصب والجلد إلى الحرير والقطن.
توازن دقيق في التصميم
يشرح الدكتور جوليان رابي، الباحث في الفن الإسلامي والآسيوي وأحد المديرين الفنيين لبينالي الفنون الإسلامية، الأهمية الخاصة لاختيارات التصميم في معرض البداية. يوضح الدكتور رابي أن هناك توازنًا دقيقًا بين اللون الأسود للكسوة والشفافية البيضاء للجدران. الحجاج يرتدون ثوب الإحرام الأبيض أثناء الطواف حول الكعبة، وهو اللون الذي يجسد النقاء والبراءة، بينما اللون الأسود يعكس القوة التأملية لله.
تحف بارزة
من بين التحف البارزة الأخرى في صالات البداية، مدرج من تشيبوك في الهند، ونسخة ضخمة من القرآن الكريم، ومفتاح الكعبة الذي يعود تاريخه إلى الفترة ما بين 1240 و1340 ميلادي، والذي ينتمي إلى عائلة بني شيبة منذ أجيال، وهو امتياز منحهم إياه النبي محمد (صلى الله عليه وسلم).
تم تكليف نواب أعظم جاه بهادور وآجا الرابع من جنوب الهند بصنع هذا المدرج، الذي يتميز بزخارف مستوحاة من فن الباروك. تم تعبئته ونقله بواسطة شركة الهند الشرقية على متن سفينة متجهة إلى جدة. إلى جانب الكنوز التاريخية الثمينة، يتضمن قسم البداية أيضًا عروضًا لفنانين معاصرين مثل نور جودا، وحياة أسامة، وسعيد جبان، وأحمد مطر، بالإضافة إلى أسماء غربية مثل عبد القادر بن شمة، وأركانجلو ساسولينو، وآصف خان.
أعمال فنية معاصرة
تتمحور أعمال الفنانة الليبية نور جودا حول المنسوجات المصبوغة يدويًا والمواد الطبيعية. ويتجه تركيبها النسيجي “قبل السماء الأخيرة” نحو مكة المكرمة، مجسدًا الطقوس الإسلامية للصلاة اليومية. يعرض هذا العمل ثلاثة أوضاع في الصلاة يؤديها المسلمون خمس مرات في اليوم: الركوع، والقيام، والسجود.
أقمشة احتفالية: تكريم للمجتمع
حياة أسامة، المقيمة في جدة، قدمت عملاً نسيجياً نابضاً بالحياة يستخدم القماش لتكريم المجتمع والحي العلماني في الرياض حيث نشأت. لإنشاء هذا التركيب الاحتفالي، جمعت أقمشة مألوفة بما في ذلك بقايا المواد من المناسبات الاحتفالية لجيرانها.
انعكاسات تاريخية ومعاصرة
تعكس الثريا “نفس” لسعيد جبان تاريخ جدة كمدينة ساحلية، بينما يحتفل عمل آصف خان “نور على نور” بعلاقة القرآن بالضوء، وهو عنصر أساسي في الفيزياء ومرتبط بالخلق في الإسلام. أما عمل “مغناطيسية” لأحمد مطر، فيعيد تصور الكعبة في نسخة مصغرة تُظهر جزيئات الحديد وهي تتحرك، منجذبة بشدة إلى المسجد الحرام في مكة، ويرمز إلى الأمة المنجذبة إلى جاذبية مكة في حالة من الانسجام.
مكونات البينالي: رحلة عبر الفن الإسلامي
يمتد البينالي على مساحة 100 ألف متر مربع، ويتألف من سبعة مكونات رئيسية: البداية، المدار، المقتني، المظلة، المكرمة، المنورة، والمصلى. يشارك فيه أكثر من 30 مؤسسة دولية كبرى، ويعرض أعمال حوالي 30 فنانًا من المملكة العربية السعودية وخارجها، مع 29 تكليفًا جديدًا. يقدم البينالي، بجوهره، أكثر من 500 قطعة فنية مميزة.
قصة الحضارة الإسلامية
يقدم معرض الفن الإسلامي، الذي صممته شركة الهندسة المعمارية العالمية OMA، قصة غنية عن تاريخ الحضارة الإسلامية عبر العصور، ويكشف عن الحكمة والألوهية المتجسدة في التحف الفنية. كما يبرز التراث العلمي والفكري للعالم الإسلامي، بهدف تعزيز فهم أفضل للإسلام في القرن الحادي والعشرين.
المدار: كنوز من مختلف البلدان
في “المدار”، قدمت بلدان مختلفة كنوزًا ثمينة تسلط الضوء على الإنجازات والاختراعات الإسلامية في مجالات الرياضيات والهندسة والجغرافيا والعلوم والفلك. تبدأ الرحلة بأقدم إسطرلاب برونزي معروف، ومن هنا تصبح الأمور أكثر إثارة مع المخطوطات القديمة مثل الترجمة العربية لكتاب المخروطيات، وأبواب ضريح السيدة نفيسة، والجواهر الخرائطية. كما نتعرف على كيف وصل التقليد اليوناني في علم الفلك إلى العالم الإسلامي من خلال ترجمات أعمال بطليموس.
لفتة دبلوماسية ثقافية
شاركت مكتبة الفاتيكان الرسولية بـ 11 قطعة رائعة معروضة حاليًا في “المدار”، بما في ذلك خريطة نهر النيل، في لفتة دبلوماسية ثقافية من الشرق الأوسط.
المقتني: توازن بين الفن والسلاح
تشكل مجموعتان من أبرز المجموعات الفنية في العالم، مجموعة آل ثاني ومجموعة مؤسسة الفروسية للفنون، توازنًا متناقضًا ومتماسكًا في جناح “المقتني”. تركز مجموعة آل ثاني على التنوع الغني للفن الإسلامي، وخاصة المجوهرات، بينما تحتفي مؤسسة الفروسية للفنون بأسلحة ودروع العالم الإسلامي.
شغف بالفنون والجماليات
تمثل مجموعة آل ثاني رؤية الشيخ حمد بن عبد الله آل ثاني، الذي يتمتع بشغف عميق بالفنون والجماليات الراقية. الاهتمام الرئيسي لهذا القسم يتركز على الأحجار الكريمة واللؤلؤ وكل ما هو قديم واستثنائي، مثل مرش ماء الورد المرصع بالجواهر من خزانة المغول، وأقدم قطعة من اليشم المغولي المؤرخة والتي تسمى كأس جهانجير، وطبق عتيق مزين بأعمال معدنية تحتفل بنهر النيل.
مجموعة مؤسسة الفروسية للفن
في الوقت نفسه، قام رفعت شيخ الأرض بتجميع مجموعة مؤسسة الفروسية للفن، والتي تحتوي على أكثر من 1000 قطعة، بما في ذلك الخناجر الإسلامية والدروع والسيوف. يتم عرض العديد من أفضل روائعها في البينالي، وبعضها يُعرض للجمهور للمرة الأولى مثل الأعمال المعدنية المملوكية المعروضة.
قصة براعة الإنسان وإبداعه
يقول الدكتور أمين جعفر إن الهدف من جمع هاتين المجموعتين هو الاحتفال بإنجازات جامعي التحف وتمثيل الاتساع غير العادي للإنجازات الفنية الإسلامية. كل قطعة هي شهادة على الحرفية والثقافة عبر الحضارات الإسلامية، وتهدف إلى إظهار الترابط العميق وجمال التقاليد الفنية عبر الثقافات الإسلامية المختلفة والفترات التاريخية.
الفن المعاصر: حوار بين الماضي والحاضر
يهدف البينالي، من خلال إحاطة الفن المعاصر بالأشياء التاريخية، إلى مواصلة الحوار بين الماضي والحاضر وبين المحلي والعالمي. من خلال المعارض في المساحات الداخلية والخارجية، تضيف القطع والمنشآت الفنية المعاصرة إلى فكرة التبادل الثقافي وتتحدث بلغة أصغر سناً، وهو ما يجب أن يتردد صداه مع جمهور أصغر سناً. من بين الأعمال البارزة “نائمو الكهف” و”من ركام”.
جدة التاريخية: خلفية مثالية
تشكل مدينة جدة التاريخية خلفية مثالية لبينالي من هذا النوع.
تستمر فعاليات النسخة الثانية من بينالي الفنون الإسلامية في قاعات الحجاج الغربية بمطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة حتى 25 مايو.
و أخيرا وليس آخرا : يمثل بينالي الفنون الإسلامية في جدة حدثًا ثقافيًا بارزًا يعكس التراث الفكري والفني للعالم الإسلامي، ويقدم حوارًا بين الماضي والحاضر من خلال مجموعة متنوعة من الأعمال الفنية والتاريخية. فهل سينجح هذا الحدث في تعزيز فهم أعمق للإسلام وإلهام الأجيال القادمة؟







