آراف تريفيدي: قصة ملهمة لطفل على طيف التوحد
للوهلة الأولى، قد يرى البعض في آراف تريفيدي، الشاب البالغ من العمر 14 عامًا في أكاديمية لا سيندا العالمية، شابًا خجولًا ومتحفظًا. إلا أن هذا الانطباع الظاهري يخفي وراءه عالمًا داخليًا ثريًا بالشعر، والإبداع، وعمق المشاعر، والصبر. بعد أن نشر ثمانية كتب، يعكف الآن على كتابه التاسع، مُعيدًا تعريف مفاهيم التواصل والإبداع والانتماء كطفل يعيش على طيف التوحد.
رحلة اكتشاف الذات
بدأت هذه الرحلة الملهمة بإحساس الأمومة، وليس من خلال قائمة مراجعة تقليدية. تتذكر بالاك، والدة آراف والمربية الحاصلة على دبلوم الدراسات العليا في التربية الخاصة: “لم يكن يستجيب عندما نناديه باسمه، ويتجنب التواصل البصري، ويقضي ساعات طويلة يتأمل دوران عجلات سيارة لعبة”. وتضيف: “بينما كان الأطفال الآخرون يشيرون إلى الأشياء أو يتباهون بألعابهم، بدا آراف وكأنه يعيش في عالمه الخاص”.
لم يكن هناك موقف واحد أدى إلى تشخيص حالته، بل مجموعة من العلامات الدالة، مثل تأخر الكلام، وتكرار الكلمات، والحساسية الحسية، والانتباه المفرط للتفاصيل. “استمعنا إلى ذلك الصوت الخافت داخلنا يرتفع تدريجيًا، قائلاً: ‘دعونا نستكشف هذا الأمر'”. تم تشخيص إصابته بطيف التوحد في مرحلة متوسطة في الصف الخامس. لم يكن ذلك التشخيص مدعاة للحزن، بل كان لحظة فهم ووضوح.
الكتابة.. نافذة إلى العالم
قد يجد آراف صعوبة في التعبير عن نفسه شفهيًا، ولكن عندما يمسك بالقلم، تتدفق الكلمات بسلاسة وصدق. تتذكر والدته بالاك تلك اللحظة بوضوح: “في الصف الثاني، خلال مسابقة ل رواية القصص، لم يكتفِ بسرد قصة، بل كتب قصة من البداية تنبض بالإبداع والمشاعر. فاز بالمركز الأول، وعندها أدركنا أن لديه موهبة استثنائية”.
سرعان ما أصبحت الكتابة ملاذ آراف، وسيلة للتعبير عن أفكاره التي يصعب عليه البوح بها بصوت عالٍ. مع مرور الوقت، امتلأت دفاتره بالقصائد والقصص القصيرة، التي نُشر الكثير منها في مجلة “زووميرانج” الإلكترونية خلال فترة إغلاق جائحة كوفيد-19.
من الهواية إلى النشر
بدأ حلم رؤية اسمه على غلاف كتاب يتشكل عندما قدمته معلمته أرتشانا إلى منصة “بري بوكس”، المخصصة للكُتّاب الصغار. وبدعم من عائلته، جمع آراف قصائده في أول عمل منشور له بعنوان “نافذة إلى عالمي”، وهو عمل يتميز بالهدوء والعمق، يكشف عن عالم داخلي غني بالألوان والمشاعر. تبعه كتابه الثاني “جولي الزرافة”، الذي أسر القراء بدفئه وخياله.
تعكس عملية آراف الإبداعية شخصيته: متأملة، دقيقة، وصادقة. يكتب عندما يأتيه الإلهام، عن تجاربه الشخصية، ومشاعره، وجمال التفاصيل الصغيرة التي قد لا يلاحظها الآخرون. تقول والدته بالاك: “إنه لا يكتب ليُبهر، بل ليُعبّر. بالنسبة له، لا توجد مواعيد نهائية، بل مساحة تمنح أفكاره حرية الظهور”.
مبادرة “زين زون”
انطلاقًا من تجاربها الشخصية والتحديات التي واجهتها في تربية طفل مصاب بالتوحد، أطلقت بالاك مؤخرًا مشروعها الخاص “زين زون”، وهي مبادرة تهدف إلى دعم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة. من خلال هذه المبادرة، تقدم بالاك مساعدة فعالة للآباء، وبرامج تدريبية للأطفال، وتتعاون مع مختلف المجتمعات والفعاليات لإنشاء منصات تتيح للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة عرض مواهبهم الفريدة.
القوة في الصمت
لا تكمن أعظم نقاط قوة آراف في موهبته فحسب، بل في قلبه أيضًا. يقول والده أنانت تريفيدي، الخبير المالي: “يتمتع بمرونة هادئة وتعاطف عميق يمكن الشعور به أكثر من رؤيته. قد لا يعبر دائمًا عن مشاعره بالطريقة التقليدية، لكنها موجودة في قصصه، وفي شعره، وفي نظرته للعالم”.
لم تخلُ رحلة آراف من التحديات، مثل التنمر، والعزلة، والحساسية الحسية، والصعوبات الأكاديمية، خاصة في الرياضيات والعلوم. تعلمت عائلته التكيف، والدفاع عن حقوقه، والأهم من ذلك، الاحتفاء بتقدمه، مهما كان غير تقليدي.
العطاء والإلهام
لم يكن طموح آراف في الكتابة مجرد سعي وراء التقدير الشخصي، بل كان وسيلة لإحداث تغيير إيجابي. يعمل الآن مع منظمة “كتاب”، وهي منظمة غير حكومية تهدف إلى توفير الكتب والأمل للأطفال المحرومين. من خلال مساهماته، لا يكتفي آراف بكتابة القصص، بل يساعد الآخرين على كتابة قصصهم. تقول بالاك: “إنه يفهم معنى الاختلاف. ومساعدة الآخرين على الشعور بالاهتمام والدعم هي طريقته في رد الجميل”.
تم تقدير عمله من قبل العديد من المنصات، بدءًا من ميداليات “بري بوكس” وصولًا إلى جائزة “RobinAge Bright Sparks” لعام 2023-2024، وجائزة “Literoma Junior Star” لعام 2024، بالإضافة إلى النشر في “RobinAge”، و”Beyond the Box”، و”Zomerang”، ومشروع “Spectrum Autism Awareness Project”.
هل يحلم آراف بأن يصبح كاتبًا؟ يجيب والداه بصوت واحد: “ما زلنا نكتشف آفاقه. إنه مهتم أيضًا بالخبز، والرسم، والموسيقى، والعزف على البيانو… لا نريد أن نقيّده. نريد أن يشعر بالحرية، سواء كان ذلك يعني أن يصبح كاتبًا أو يجمع بين كل هذه الاهتمامات”.
وأخيرا وليس آخرا
قصة آراف تريفيدي هي قصة ملهمة عن الإبداع، والتحدي، وقوة الإرادة. إنه مثال حي على أن طيف التوحد ليس عائقًا أمام تحقيق الأحلام، وأن الاختلاف يمكن أن يكون مصدر قوة وإلهام للآخرين. فماذا يخبئ لنا المستقبل لهذا الشاب الموهوب؟ وهل ستلهم قصته المزيد من الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة للتعبير عن أنفسهم وتحقيق طموحاتهم؟










